الإعلام بين النكبة والنكسة

الإعلام بين النكبة والنكسة
بقلم: د.حسين أبو شنب

خضع الإعلام العربي والدولي في الثلاثينات والأربعينيات  إلي السيطرة الإعلامية الصهيونية المعتمدة في الأساس علي الفلسفة الإعلامية النازية وشعارها الأساس (اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الآخرون ,ثم استخدم القوة والعنف لتأكيد هذا الكذب ,واستطاع الإعلام النازي أن يحدث الرعب لدي البلدان المستهدفة في الحربين العالميتين فقد سقط إقليم السار في النمسا دون قتال بحكم التأثير الإعلامي الألماني , وسقطت فرنسا في ساعات بحكم التدفق الإعلامي النازي المدعوم بالقوة العسكرية الجوية المفرطة وهو ما تستخدمه الماكينة الإعلامية الإسرائيلية منذ المؤامرة الدولية علي فلسطين التي بدأت وضوحا في وعد بلفور في 2 917 الصادر من وزير خارجية بريطانية (بلفور) الذي وصفه الشاعر بقوله "لو كنت من أهل المكارم: لم تكن من جيب غيرك منفقا يا بلفور ".

والذي وصفه الزعيم العربي جمال عبد الناصر بقوله"وعد ممن لا يملك لمن لا يستحق".

·    إذن ....

استخدم الإعلام الإسرائيلي منذ كان مجموعات من العصابات المسلحة ممثلة في (الهاجاناه وشتيرن وغيرهما ) ومدعومة من حكومة الانتداب البريطاني الراعية لهذه العصابات وأهدافها ,أي استخدم الإعلام الإسرائيلي الكذب والعنف والاستمرار , فاستخدم المجزرة بعد المجزرة وبخاصة عندما وجد مقاومات متعددة في كل الأنحاء وهي المقاومة غير المدعومة والمعتمدة علي الذات والمتطوعين من البلاد العربية مثل سوريا (عز الدين القسام) ومصر (أحمد عبد العزيز)و(الضبع الأسود) من بعدهما مصطفى حافظ وغيره من الضباط المصريين الأبطال.

ومن المؤسف أن الإعلام في ذلك الوقت خضع لترويج الدعاية الصهيونية دون وعي ودون إدراك فلم يكن للإعلام العربي آنذاك ماكينة إعلامية ولا هيئة قيادية للإعلام فاجتهد القائمون علي الإعلام العربي كل في مجاله وميدانه يستقي من مصادر العدو , والعدو هنا ,بريطانيا وحلفاؤها , والحركة الصهيونية واضحة الأهداف والآليات , فكان الإعلام العربي بهذه الحالة سببا في النكبة بالرغم من دور الإذاعة الفلسطينية "هنا القدس"التي شكلت جبهة إذاعية رائعة ولكن بغير إسناد وبغير مصادر عربية أو دولية وإنما هي نبضات وطنية جسدها الرعيل الأول في الفن الإذاعي الفلسطيني والرعيل الأول في الفن الصحفي الفلسطيني ومن يساندهم من الأحرار من الإعلاميين العرب في الصحافة والإذاعة المصرية والصحافة اللبنانية والسورية والعراقية بالرغم من تسلل الصحفيين اليهود في بعض المؤسسات الصحفية وهذا يحتاج إلي معالجة خاصة بذلك.

وجاءت النكبة وإعلامها........

سألت الرائد  الإعلامي الكبير الأستاذ أحمد سعيد مؤسس إذاعة صوت العرب حين التقيته في الكويت بعد سنوات من النكسة التي عبرت عن هزيمة الجيوش العربية في 5967 والمعروفة بحرب الأيام الستة حسب الإعلام الإسرائيلي ,وتم الصاق التهمة بفشل الإعلام العربي في هذه الحرب إلي الأستاذ احمد سعيد وسألته مواجهة في تلك الجلسة.....

هل هذا صحيح.؟

هل أنت المسئول عن الفشل والهزيمة؟

وكانت الإجابة واضحة في تسلل مهني رائع كشفت عن طبيعة العلاقة بين السياسي والإعلامي ,وهو ما نردده دائما ونعلمه لطلابنا في الكليات واقسام الاعلام بالقول (الاعلام يعكس النظام السياسي والاجتماعي والثقافي) يؤثر فيه ويتأثر به وهو ما يؤكد على حتمية التنسيق بين السياسي (القائد)وبين الاعلامي(المعبر عن المطلوب)ومنذ ذلك الموقف والعلاقة بين السياسي والإعلامي ما تزال متأرجحة وغير واضحة ولا يبدو انها مقبلة على الوضوح في القريب وذلك اعتقادي لغياب الرؤية السياسية في الأساس وغياب المؤهلين والقادرين على بلورة الرؤية وهو ما ينعكس على الرؤية الاعلامية وألياتها والقائمين عليها.

·   لذلك......

كان اعلام النكبة اعلاما ناقلا بغير وعي ,وكان اعلاما انفعاليا واعلاما يعكس ضبابية الواقع ,متأثر وكثيرا بالضخ الاعلامي الدولي المنحاز والاعلام العربي غير الناضج وهو ما يتكرر حتي هذه الايام في مواجهاتنا الشجاعة والمنفعلة للعدوان الاسرائيلي المتكرر والذي يرافقه اعلام اسرائيلي مبرج هادئ وعنيف في مواجهة اعلام فلسطيني منفوخ لا يعكس واقعا ولا يملك امكانيات ويستخدم مفردات القوة دون قوة تذكر ,وهذا يحتاج الي معالجة خاصة .

واليوم ...ما الاعلام المطلوب؟

مطلوب إعلام بقدرة المؤهلون والمختصون والمخلصون والقادرون علي جمع الشمل دون إقصاء , وجمع الكفاءات دون تفصيل للانتماءات , اعلام يدرك القائمون عليه ان اعلام الثورة غير اعلام الدولة , ولكل منهما سمات وخصائص وسياسات ولا يكون ذلك بغير  حصر شكلية  لهذه الكفاءات دون شكلية وفصائلية وعشائرية ومصالحية دون اغماض العيون عن واقع اعلامي فلسطيني بائس وعاجز ...

ويبقى السؤال..

متى وكيف نصنع اعلام الدولة ..؟

والله المستعان