خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

رام الله - دنيا الوطن
 ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، وبلوغ أمره، وعمارة قلوبنا بذكره ومحبَّته. وحتّى نبلغ التَّقوى، لا بدَّ من تجديد العهد لإمام العدل، الإمام المهديّ(عج)، سلوكاً في حياتنا؛ بأن نكون العادلين مع الله، بأن نعطيه حقّه ونذكره ونشكره ونطيعه، ونكون العادلين مع أنفسنا، بكفّ الأذى عنها في الدّنيا، ووقايتها من نار جهنّم، ونكون عادلين في بيوتنا، بأن يؤدّي الزوج حقّ زوجته، وتؤدّي الزّوجة حقّ زوجها، ويؤدّي كلّ منهما حقّه على الآخر في المعاشرة بالمعروف والمودَّة والرّحمة، وأن يكون كلّ منهما خيراً للآخر، وأن يعدلا مع الأولاد، فيُعطى كلّ ولد حقّه في الرّعاية والاهتمام والتّربية، وأن لا يُفرّقا بين ولد وآخر، أو بين ذكر وأنثى.

في أيام العدل، نحن مطالبون بالعدل مع كلّ الناس؛ مع الجيران والأرحام، وفي مواقع العمل، أن يكون العامل عادلاً، فيتقن عمله، والطَّبيب عادلاً، فيوفي مريضه حقّه في العلاج، والتاجر عادلاً فلا يغشّ، والمسؤول عادلاً فيعدل بين رعيّته.. أن نكون عادلين في حالة الرضا والغضب، ومع العدوّ والصديق في القول والعمل، وأن نكون مع الَّذين يعملون للعدل، أن نشدّ أزرهم ونقوّي مواقعهم، فلا يوجد مساومة على العدل تحت أيّ اعتبار، لأن لا مساومة على الدين، فالدين رسالة عدل للحياة.

بهذه الرّوح، ننظر إلى كلّ القضايا، فنحن مع العدل أينما كان، وضدّ الظلم أينما كان. والبداية من لبنان، الّذي يكثر فيه الجدل حول كيفية مواجهة الأخطار المحدقة به من حدوده الشّرقيّة، وقد بات واضحاً الاضطراب الرّسميّ في اتخاذ قرار سياسيّ حاسم حيال المسؤوليّة الملقاة على عاتق الجميع في تحرير جرود عرسال، وعدم إبقائها منصَّة للإساءة إلى البلدة وبقيّة القرى البقاعيَّة، وصولاً إلى الوطن كلّه، مع يقيننا بقدرة الجيش اللبنانيّ على القيام بهذه المهمّة.

وقد كنا نرى أنَّه لو صدر قرار وطنيّ وسياسيّ واضح في هذا المجال، لكان الحلّ الأمثل لمعالجة أية تداعيات قد يحدثها تدخّل فريق يُحسب على طائفة أو مذهب أو محور سياسيّ.

ونحن أمام هذا الواقع، لا بدَّ من أن نؤكّد الثوابت الأساسية في حفظ عرسال وأهلها، وتأمين الحماية لهم، حتى لا يتعرَّضوا لأي سوء، كما نؤكد حفظ كلّ البلدات وكلّ أهلنا في البقاع في مواجهة المسلحين الَّذين يعرف الجميع كيف أجرموا بحق الجيش اللبناني وبحقّ أهلنا، خطفاً وقتلاً وتفجيرات، وغير ذلك من ألوان التهديد المستمرة.

وفي الوقت نفسه، نشدّد على الجميع الكفّ عن كلّ خطاب طائفيّ، أو كلّ تحرّك له طابع مذهبيّ أو طائفيّ، بالنّظر إلى تداعياته الخطيرة على الداخل اللبناني، ونحذّر ممّن يصطادون في الماء العكِر الداخلي، ويسعون لإثارة النّعرات المذهبيّة والطائفيّة وتسويقها. إننا نرى أنَّ هذا الخطاب يسيء إلى منطلقات الَّذين يبذلون دماءهم وحياتهم؛ فهم يبذلونها لحساب الوطن، بعيداً عن أيّ حسابات مذهبية أو طائفية أو حسابات أخرى.

إنَّنا ندعو الجميع إلى أن يقفوا إلى جانب الجيش اللبناني، وأن يؤمّنوا التغطية السياسيَّة اللازمة له وكلّ الإمكانات، كما ندعو كل الذين يخافون تداعيات ما يجري على الدّاخل، إلى أن يستنفروا علاقاتهم الإقليميَّة أو الدّوليَّة وصداقاتهم، لإبعاد المسلّحين عن الأراضي اللبنانية كافّة، وأن لا يشيحوا النظر عن الأخطار التي تحدق بالوطن، ولا سيَّما القرى البقاعيّة.

ونحن في الوقت الّذي نؤكّد الحرص على تكريس كلّ الجهود لحفظ الأمن الوطني، نشدّد على أن يكون الحرص مستمراً على عدم العبث بالحكومة، لكونها المعقل الأخير من مواقع الدّولة المركزيّة، ولأنَّ تعطيلها الَّذي نخشى أن يكون قد طرقنا أبوابه، يعني السير بالبلد إلى الشّلل وإلى حافة الهاوية، وهذا أمر غير جائز، مهما كانت الأسباب، لأنه يمسّ بمصالح المواطن كافّة، ولا يحق لأي مسؤول، وتحت أي اعتبار، المسّ بها.

كما ندعو المسؤولين إلى أن يكونوا حاضرين وفاعلين في التعامل مع القضايا الجوهريَّة في هذه المرحلة الحسّاسة والخطرة. ونبقى نراهن على الحكماء والإطفائيين والعقلاء، الذين كان لهم دورهم في السابق، ونريد أن يكون لهم دورهم في احتواء الأزمات، وأن لا يعدموا في ذلك وسيلة.

وهنا نشدّد على أن تبقى عيوننا جميعاً، كما هي عيون المقاومة، على خطر الكيان الصهيوني الَّذي يجري تدريبات ومناورات لكيفية المواجهة في لبنان، وتطلق قياداته التهديدات لتهجير أعداد كبيرة من اللبنانيين.. وفي الوقت الذي لا نرى في هذه التهديدات إلا استعراضاً للقوة ومحاولات لرسم خطوط ومعادلات معينة، ندعو إلى الحذر من عدوٍّ ماكر ومخادع، قد يستغلّ الظروف للقيام بمغامراته، مع وعينا بجهوزية المقاومة والجيش اللبناني لردّ أيّ اعتداء.

وعندما نطلّ على الوضع في المنطقة، حيث يستمرّ المشهد قتامةً ودمويةً، نرى أنّ التحالف الدولي ما زال يلعب لعبته المزدوجة. وقد كنّا نأمل من مؤتمر باريس الَّذي عُقِد أخيراً، أن يكون مناسبة يعيد من خلالها التحالف الدّوليّ النّظر في استراتيجيته التي أثبتت عقمها وفشلها وعدم جدواها، وأن يطرح استراتيجية جادة وفاعلة ضد الإرهاب المتمادي الَّذي يهدّد بتمزيق المنطقة واستباحتها وهز كياناتها، بدلاً من خطابات استعراضيَّة وغير عمليَّة لا تُسمن ولا تغني من جوع، لا في العراق ولا في سوريا.

إنّنا أمام ذلك، نعيد الدّعوة إلى صياغة تحالف متين بين كلّ الدّول الجادّة في مواجهة الإرهاب، وإلا سيأكل هذا الإرهاب الأخضر واليابس.

أمّا اليمن، فإنَّنا نأمل أن تتمّ المباشرة بالحوار بين الأطراف اليمنيّين الأساسيّين، بعدما تبيَّن للجميع أنَّ رحى الحرب تدور على اليمن بشراً وعمراناً واقتصاداً وبنيةً تحتيَّة، وأن استمرار هذا النزيف في هذا البلد، لن يكون إلا لصالح هذا الطَّرف الإقليميّ أو ذاك.. إنّنا نتطلَّع إلى انحسار التّجاذب الإقليميّ والدّوليّ في المسألة اليمنيّة، وذهاب الجميع إلى طاولة الحوار، ليكون الحلّ يمنياً بامتياز، بعيداً عن أجواء الحرب والغارات الَّتي لم تبقِ من اليمن وبنيته العمرانيَّة والاقتصاديّة إلا القليل.

وأخيراً، لا بدَّ من أن نتوقَّف عند الذكرى السادسة والعشرين لرحيل الإمام الخميني؛ هذه الذكرى التي نستعيد فيها المعاني الإيمانيّة والروحيّة الّتي عاشت حالة الذوبان في الله في أسمى معانيها، وهو ما جسّده الإمام في كلّ مراحل حياته.

ولا بدّ من أن نستحضر في هذه الذكرى الهمّ الوحدويّ الكبير الَّذي كان يعيشه الإمام، حيث كان يدعو المسلمين دوماً، وفي أشدّ المراحل صعوبةً وحساسيةً، إلى أن يتوحّدوا ويكونوا صفاً واحداً في مواجهة أعدائهم، كما يدعو المستضعفين إلى أن يتكاتفوا ليشكّلوا قوةً في مواجهة الاستكبار كلّه والظلم كلّه.

لقد كانت فلسطين دائماً تمثّل البوصلة الّتي تطلّع إليها، واعتبرها القضية الأولى للأمة، وتحمّل لأجلها الحصار وكلّ ضغوط العالم..

إننا في ذكراه، نفتقد هذا الصَّوت الإسلاميّ الّذي عاش الإسلام كلّه. وتبقى الثقة والأمل بأنّ مسيرته لن تتوقَّف، وأنَّ صوته سيبقى هادراً في مواجهة كلّ ظلمٍ وقهرٍ.

التعليقات