عاجل

  • القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤول أمني: إيران لديها ما يكفي من منصات الإطلاق والفرق لمواصلة إطلاق الصواريخ

  • الحكومة الألمانية: ندعو لوقف فوري وغير مشروط للهجمات في المنطقة وحان الوقت للتوصل إلى حل دبلوماسي

"ذاكرة لا تصدأ" لـ"الإعلام" و"اللجنة الشعبية":روايات النكبة المرئية تقطر وجعًا وحنينًا

رام الله - دنيا الوطن
خصصت وزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة، الحلقة السابعة والثلاثون من سلسلة" ذاكرة لا تصدأ" لعرض روايات مرئية لرجال ونساء عايشوا النكبة، بجوار حوار وقصص شفهية ومسابقات ثقافية.

وعرضت السلسلة خمس ومضات قصيرة مرئية أنتجتها وزارة الإعلام، لمناسبة الذكرى الـ67 للنكبة، وفيها استرد الشهود حكايات مرة من حيفا وقريتي صبارين والكفرين المجاورتين، وبلدة الفالوجة وقرية بعلين قضاء غزة.

وقطرت الومضات القصيرة الحزن على الديار، وفاضت بالحنين لمسقط الرأس، قبل أن تنتهي باسترداد اللحظات الأقسى خلال الرحيل القسري. وأعاد اثنان من الرواة البوح بوجعهم أمام أحفادهم.

ألحان الفالوجة

يرسم الثمانيني محمد صالح عرجا قريته الفالوجة، التي دمرتها العصابات الصهيونية، وأعاد الحياة لمدارسها، وحقولها، وعائلاتها، وتجارتها، ولحظات نكبتها، وحصارها، وذكرياتها مع الجيش المصري.  يقول: كان عدد سكان بلدتنا خمسة آلاف، وفيها بلدية، ومدارس ثانوية وابتدائية للبنات، وأربع كتاتيب، ومركز صحي، ومحكمة، ومسلخ للحوم. وكانت متطورة، وتعيش على الزراعة ، ثم تحولت إلى التجارة. واستناداً للراوي فإن لبلدة، التي تقع شمال غزة وغرب الخليل،  قصة تاريخية، عمرها أكثر من ثمانية قرون، وترتبط أحمد بن محيي الدين البطالحي(الأشهب)، الذي مات في الفالوجة، ودفن في منطقة (زريق الخندق)، تبتعد عن بلدنا نحو ثلاثة كيلو مترات غرباً، وانتشر أولاده فيها، وظل مقامه مكاناً يرتبط بالنذر، وإيفاء الدين، وحل الخصومات. 

 يضيف: عائلات القرية: السعافين، وعقيلان، والنجار، والنشاش، والمطرية، والبراجنة، و مناطقها، فالشومرة، والخصاص، وأم النعاج، والرسوم، وخربة الشلف، ودار كركية، وأبو الغربان، ومليطة، والقبال. وفي كل يوم خميس ينعقد سوق البرين، وفيه يتوافد الناس من البلدات والمدن المجاورة للمتاجرة بالسلع المختلفة، كالقماش واللحوم والذهب والخضار. وكنا نشاهد مواسم وادي النمل، والمنطار، أسدود، والنبي روبين، والرملة، التي كانت مثل العرس، وتعقد في شهر أيار، وفيها سباقات خيول على البحر، ودبكة، وأناشيد دينية للفرق الصوفية، وبيع، وشراء. كان العرجا يشاهد الناس والتجار في سوق البرين، وكان نلعب بالفخاخ، ويصطاد العصافير من الحقول.

ولا زال يتذكر يوم اجتمع الأهالي، وقرروا قبل النكبة إرسال الشيخ محمد عواد، رئيس البلدية إلى مصر لشراء السلاح، بعد أن جمعوا المال، وقرروا تدريب 360 من الشبان على استخدامه. يزيد: في إحدى أيام  نيسان، كنا نلعب في المزارع، عندما أوقفتنا سيارة عسكرية للجيش المصري، فسألني الضابط( يا جدع وين المستعمرة)، فأشارت له إلى مكانها، وصعد إلى خزان المياه في البلدة، لينظر بالدربيل، ثم ينزل بعد أيام قليلة بدأ الجيش يدخل البلدة، وطلب من الناس أن يفحتوا ( يحفروا) خندقاً حولها، وظلوا يقومون بهذا العمل لشهر، حتى انهوا" اختلط عرجا بالجنود المصريين، وكان يبيت بينهم في منزل أسرته، وتعرف على الأسلحة، وشاهد مدفع (أبو الستة رطل)، وراح يجر صناديق الرصاص معهم، وتعرف إلى الضابط القبطي وحيد، وشحاتة من المنصور، وسعيد السويسي."

 يتابع عرجا:" عشنا تحت الحصار والقصف ستة أشهر، وكانت البلد كلها ساحة معركة، وصد الجيش المصري العصابات الصهيونية مرات كثيرة، وشاهدت بعيني الشهداء والجرحى والطائرات، وكان يظن الجنود المصريون أن الطائرات الإسرائيلية التي تقصفهم هي مصرية." ويروي: هجرنا من البلد أنا وأمي وعمتي وأخواني، وظل أبي في البلد مع الجيش المصري، وروحنا على الدوايمة، وفقدنا عمتي في الطريق، قبل أن نعثر عليها. وعدت إلى الفالوجة لمساعدة العجوز فاطمة البعم، التي قالوا لها أن زوجها استشهد، فما أن دخلنا البلد، إلا وإصابتها قذيفة، وشاهدت كيف قسمت جسدها إلى نصفين، واحترق شعر رأسها، وجاء زوجها الذي تبحث عنه ليدفنها.

 وواصل عرجا متنقلاً  بين الدوايمة، ويصل دورا ثم مدينة الخليل، فأريحا، ثم سوريا، فالأردن، وانتهاء بأريحا، حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية واعتقل لفترة، ثم ليستقر به الحال في مخيم الفارعة، بانتظار العودة التي نفذها بعد النكسة عدة مرات، فكان يفتش خلالها عن بيته، والمسجد حيث تلقى دروسه، وضريح وليها. وقص حكاية الأفراح في بلدته الفالوجة قضاء غزة، بطقوسها وأغانيها: كان الزواج الدارج ينقسم إلى البدل، والزواج التقليدي، فيما ساعد موقع البلدة وتجارتها، على التزاوج بين سكانها والقرى المجاورة ككرتية، وبيت عفا وبعلين وصمّيل وحمامة.

يوالي: سقطت بلدنا بعد صمود طويل، وأذكر أن ذلك كان في رمضان، وكنت صائما، وأغمي علي من العطش، فأدخلني والدي إلى المقهى، وأسقاني العصير، وأتذكر وجود الجيش المصري في بلدنا، وكيف كان الجو في رمضان معهم. ولا أنسى كيف أن الحصّادين هربوا من السهل القريب إلى داخل البلد، وهم يحملون المناجل من جيش الاحتلال.

يختزل عرجا أسماء الأراضي في بلدته: خربة الجلس، والرسوم، ودار كركية، وماليطة، والشومرة، وأبو الغربان، والخصاص، وأرض الطبّال، وبركة الشلف، وكانت تزرع بالترمس والحبوب والعدس والسمسم والذرة والبطيخ المحيسني(أبيض اللون) والشمام، وبعضها يترك لرعي الأغنام.

وجع بعلين

 وتسترد السبعينية زينيب حسن جوابرة ألوان قريتها بعلين المُدمرة خلال النكبة عام 1948. متنقلة بين بيوت بلدتها وبساتينها وشوارعها وعاداتها وتقاليدها ولحظات الاقتلاع منها. وتقول: إن بيت جدها المختار جبر حسن جوابرة، كان عدة غرف متجاورة من الطين ومسقوفة من قصب وادي البرشين القريب وتل الصافي، تتوسطه ساحة كبيرة، وسكنته أربع عائلات، وقبل وقت قصير من النكبة رممته العائلة، التي كانت تعيش معاً، وتجتمع على مائدة واحدة، في منزل تعلوه عدة أقواس. فيما كان الرجال يتسامرون في الديوان، وليس ببعيد منه خصص المختار مربطاً لخيول ضيوفه. بيوت مُتراصة ووفق الرواية، فقد كانت مساكن القرية متراصة، ومبنية بشكل دائري، ووسطها ساحات وممرات ضيقة، فيما سطوحها المسقوفة بالطين والقصب متجاورة، ولم يكن يصعد لها الرجال لترميمها قبل الشتاء، إلا بعد أخذ إذن من الجيران؛ لعدم الكشف عن النساء. أما محيط المساكن فكان من بساتين وكروم العنب والتفاح واللوزيات، ولكل واحد من الأهالي "حاكورة" مقابل بيته. فيما زرع الأهالي السمسم والقمح والذرة البيضاء، التي كانت تصير خبزا يُسمى( الكراديش).

تتابع: كان رجال البلد يجتمعون في رمضان للإفطار، ويُحضر كل واحد منهم طعامه، ويجلسون ويتسامرون، ثم يوزعون حصة مما يأكلون على الفقراء والمحتاجين. وكنا نحُضر الشعيرية المحمصة مع السمن والسكر، والهيطلية، وجريش القمح، والدجاج المحشي. أما مدرسة القرية، فكانت غرفة واحدة يُصعد إليها بست درجات، وكان فيها المُعلم محمد شتات، ولم تذهب البنات إليها. ومما لا تنساه، كيف أن جدتها الحاجة صفية، كانت تحرص على إكرام ضيوف المختار، وفي ذات مرة، قدم غرباء كانوا يحصون السكان، فنادت أول ما شاهدتهم الرعي ليذبح خاروفاً، لكنهم طلبوا منها أن تكتفي بتجهيز طبق المفرومة، وهو بحسب الراوية: عجين قمح خير مُختمر، يوضع في الكربالة، ثم يُفرك ليصبح منفصلاً، ويخلط بالحليب والسمن البلدي، ويضاف له الحليب والسمسم المحمص. اكتفاء ذاتي توالي: كل طعامنا كنا ننتجه في القرية، ولم نكن نحتاج إلا للملابس التي نشتريها من الفالوجة، وكنت أشاهد أمي وجدتي ونساء بعلين، وهن يصنعن الزبدة والسمن، والكشك(القمح المجفف والمجروش المنقوع  باللبن). من الطقوس التي كانت شائعة في القرية، الواقعة أقصى الشمال الشرقي من قضاء غزة. والبعيدة  51 كيلومتراً منها، عادة "التعزيب" في كروم العنب، إذ يذهب الرجال والنساء لقطف محاصيلهم، ويصنعون المربى والدبس والملبن، فيما يتركون امرأة واحدة في المنزل لتحضير وجبة الطعام، وبخاصة من الزغاليل المحشوة بالفريكة، واللحاق بعهم بعد تجهيزها. أما في رمضان، فكانت العائلات الممتدة تطهو طعامها معاً في قدر كبير، وكانت كل امرأة تضع إشارة على حصتها من الدجاج، بربط خيط أو قص جزء من الجناح. تستذكر: من أسماء أرضي بلدتنا (الغربية)، و(أم المطامير)، و(الخانة)، وكنا نذهب إلى بئر الماء من البلدة، وكان عليه جمل يسحب الماء، والسّقا كان محمود مصطفى درويش. تاريخ وأزياء اختارت عائلة جوابرة الذهاب نحو(دير الغربان) حيث عمتهم، وما أن وصلوها إلا وجدوها تستعد للرحيل، فخرجت الأم كما الأهالي، نحو الخليل.  كانت زينب( الرواية) تمسك بثوب أمها من جهة، وشقيقها عوني الذي يكبرها بسنتين من جهة أخرى، وتحمل شقيقها على رقبتها، وتضع الأصغر الرضيع محمد في حضنها، فيما رفض عمها أحمد الخروج. وأخذت العائلة تسير وسط الظلام، دون أن تدري أين تذهب، إلى أن فقدت عوني.  تقول: سألتني أمي عن أخي، فقلت لها إنه يمسك بثوبها، فلم تجده، وصارت تصرخ وتقول ضاع عوني، وكنا في وادٍ، وسمعنا جوابًا من بعيد، يقول إن عوني مع أم يوسف. وفي الصباح لحقنا أبي، بعد أن انتهت ذخيرته، ورجع للبحث عن أخي، ولم نجده إلا بعد 3 أيام. ووصلنا لبيت جبرين،  ثم أخرجونا منها، وواصلنا المشي إلى ترقوميا وأذنا، ثم إلى الخليل، وأقمنا في حلحول شهراً، ولم نجد ماءً، وانتقلنا لعقبة جبر، ولم نجد خياماً، وجلسنا في العراء، وفاعت العقارب علينا، وتوفي الطفل مصطفى إسماعيل بلدغة منها. وصار  الناس يشتكون من العقارب، وحين جاء المسؤولون، رأيتهم وهم يُنزلون خيوطا في شقوق الأرض، لتخرج بعقربين، وطلعنا من العوجا إلى الفارعة، ووصلناها بعد أكثر من سنة ونصف من رحلينا. توثيق مرئي وقدّمت الومضات الثلاث حكاية أحمد عبد الله دغمان، الذي لا يكف عن نسيان قريته الكفرين القريبة من حيفا، والتي تعني بالتسمية القديمة (نجمة الصبح) ، فيما يتسلح بخريطة لبلدته، التي أعدها له رجا مصطفى صال. ويردد  أسماء أراضيها الشعبية، كالحواكير، والمرشقة، وتلة الزعترة، وأم القرامي، وطريق العرب الذي كان يربط بلدنا بمرج ابن عامر ويافا، والبيادر، وبئر خميس، ووادي البزاري، وعين البلد، ووادي العرائس، ووادي الحنانة. وعرضت قصة  رابعة رشيد أبو يونس- الزعبي، وفيها شيّدت تفاصيل منزل عائلتها في حي الحلّيصة بحيفا، ورسمت مشاهد المدرسة والمسجد والسوق، واستذكرت حكاية انتقالها للعيش في منزل جدتها بوادي الصليب بعد رحيل والدها، كما قصت حكاية جدها عبد الله، الذي طارده الاحتلال البريطاني. وبثت لحظات اقتلاع عائلتها من حيفا. وباح في الومضة الثالثة التسعيني سعيد حمد محمد عبد الهادي، حكايات قريته صبارين التي لازال يختزن أسماء الأراضي والينابيع فيها كالخلايل، وجرماشة، وسدر القهوة، والخضيرة، والمطراع، والزواينة. وعين الحجة وعين سوانية والنزازة. وقدم  المربي عائد جعايصة مسابقة ثقافية حول القرى المدمرة، والروايات التي جرى عرضها في الومضات، فيما أشار نافز جوابرة من اللجنة الشعبية إلى  سقوط رهان الاحتلال على أن الكبار يموتون والصغار ينسون، وهذا ما أتضح من مشاركة الأطفال ومعلوماتهم عن قرى أجداهم. فيما أكد ممثل المحافظة عبد الله دراغمة أن فعاليات النكبة هذا العام شهدت مشاركة شعبية واسعة، وتضمنت العديد من الأنشطة التي أعادت رواية النكبة. بدوره ذكر منسق وزارة الإعلام في طوباس عبد الباسط خلف، أن ومضات  "ذاكرة لا تصدأ" التي أنتجتها الوزارة، هدفت إلى توثيق مرئي لشهادات النكبة، وبخاصة أن الأجل المحتوم اختطف عشرات من حراس الذاكرة. وأضاف أن الومضات بث عبر فضائيات وإذاعات محلية ومواقع إلكترونية، واستعانت بها وكالات أنباء عالمية في تغطية المناسبة الأليمة.