ذاكرة لن تموت

ذاكرة لن تموت
رام الله - دنيا الوطن
بقلم : جمال ربيع أبو نحل

في الرابع من أبريل لعام 1969 وقف موشيه ديان أحد أبرز مجرمي العصابات الصهيونية وأحد أهم وزراء حرب الاحتلال الإسرائيلي مخاطباً الحاضرين في معهد التكنولوجيا بحيفا " لقد أقيمت القرى اليهودية مكان القرى العربية ، أنتم ﻻ تعرفون حتى أسماء هذه القرى العربية ، وأنا ﻻ ألومكم ﻷن كتب الجغرافيا لم تعد موجودة بل القرى العربية نفسها زالت أيضًا ، فقد قامت نهلال في موضع معلول ، وكيبوتس غقات في موقع حبانا ، وكيبوتس ساريد في موضع خينفس ، وكفار يهوشوع في مكان تل الشوفان ، وما في موضع بني في هذا البلد إﻻ وكان فيه أصلاً سكان عرب " .

هذه إحدى الشهادات عن سياسة التطهير العرقي التي قامت بها العصابات الإرهابية الصهيونية ، من أمثال الأرغون ، وشتيرن ، والبلماخ ، وبيتار ، وإتسل ، وليحى ، ضد أبناء شعبي ، قبل وبعد بلفور المشؤوم ، وإطلاق سلطات الانتداب البريطاني العنان للحركة الصهيونية بدفع اليهود للهجرة إلى فلسطين بين سياسة الترغيب والترهيب .

وكعادة قادة الاحتلال والحركة الصهيونية في لي عنق الحقيقة ، لم يخبر ديان الحضور في حيفا المحتلة كيف تم اقتلاع سكان القرى والبلدات والمدن الفلسطينية ، تناسى ديان مئات المجازر الدموية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ، في دير ياسين والطنطورة وعين الزيتون واللد وقرية غور أبو شوشة وعليبون وحيفا ويافا وحواسة ... الخ .

حيث تم تدمير 418 قرية تدميرا كاملاً ، إلى جانب تدمير العشرات من البلدات والمدن الفلسطينية ، وتم اقتلاع وتهجير حوالي 750000 مواطن فلسطيني من أرضهم تحت القصف والقتل ووسط ارتكاب المجازر على أيدي العصابات الصهيونية تحت مرأى ومسمع ودعم قوات الانتداب البريطاني  .
ولم يتوقف إرهاب الصهاينة بعد قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي على أجزاء شاسعة من فلسطين .
وكان لموشيه ديان دورا بارزاً إلى جانب العديد من قادة العصابات الإرهابية الصهيونية في طرد وتشريد وقتل أبناء شعبي  .

حيث التحق ديان مبكرا ولم يتجاوز عمره 14 عاما فيً سرايا البلماخ الذراع الضارب للهاغانا ، والتي  لعبت دوراً كبيراً في قتل وتشريد شعبي ، وكانت البلماخ النواة اﻷولى لجيش الاحتلال الإسرائيلي  .
وأشرف ديان على إنشاء الوحدة 101 في يوليو 1952 ، والتي توالى على قيادتها المجرم أرئييل شارون ، تخصصت تلك الوحدة القتالية في مهاجمة القرى العربية و قتل ساكنيها ، وفي حينه كانت مجزرة قبية أكثرها دموية حيث قتل 69 مواطن بتدمير المنازل فوق رؤوسهم .

وحيث أنني أنتمي لجيل ولد بعد النكبة الفلسطينية ولم نعاصر تلك الأحداث الجسام ، وكنا نخوض في نقاشات طويلة مع ذوينا ، وفي أغلب اﻷحيان لم نقتنع باﻷسباب التي دفعت أهلنا للهجرة حيث ظنوا أنها لعدة أيام ، وأنه فور أن تنتهي الحرب سيعودون .

وربما شاءت الأقدار أن أكون ابن عائلة لجئت إلى قطاع غزة لتستقر في مخيم البريج للاجئين وسط القطاع .
وﻻ أسوق هنا المبررات للهجرة الفلسطينية ، وإنما ﻷدرك وأقدر حجم العذابات التي عانى منها أهلي وشعبي في السنوات التي سبقت ولحقت قيام دولة الاحتلال ، لقد كان لهول المجازر والمذابح التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة في ثلاثة حروب متتالية ، فالعدوان اﻷول في عام 2008/2009 ، والعدوان الثاني في عام 2012 ،، والعدوان الهمجي اﻷخير في صيف العام الماضي ، حيث قصفت القطاع من شماله لجنوبه ، ومن شرقه لغربه ، بالقنابل الخارقة والحارقة ، وبالطائرات الحربية ، وبالبوارج الحربية وبالدبابات وبمدافع الميدان ، ويشكل عشوائي ومتواصل ، ليل نهار لحوالي الشهرين ، وقامت بتهجير حوالي مليون مواطن من بيوتهم إلى الجزء اﻷخر من القطاع ، وارتكبت مجازر دموية في بلدة بيت حانون ، وحي الشجاعية بمدينة غزة ، و في قرية خزاعة ، في مشهد حاكى النكبة الفلسطينية اﻷولى .

وعندما كنت أزور بعض الأماكن في قريتي المحتلة " بربرة " والتي ﻻ تبعد كثيرا عن حدود قطاع غزة الشمالية  ﻷجد بعضاً من أشجار الجميز ، وتلتف حولها بعض أشجار العنب في عناق ينتظر عودة من يروى ظمأ كروم العنب ، وكنت عندما أعود إلى بيتا في المخيم أسمع أمي وأبى وأنا ﻻ أنتظر حتى نهاية الإجابة حتى أسألهم سؤال آخر ، أريد أن أعرف كل شيء عن قريتنا المدمرة ، عن البيوت وعن الحارات وعن الشوارع ، و لطالما اشتهرت قريتنا بزراعة العنب حتى كان العنب البرابروى من أجود وأشهر العنب في فلسطين .

وحيث أنني ولدت لعائلة امتلكت العشرات من الدونمات من كروم العنب وما زلنا نحتفظ بأوراق الطابو ولمفتاح البيت ، وكان أبي الشيخ ربيع يعمل إماماً وخطيباً في مسجد القرية التاريخي قبل الهجرة والذي جدد  بناؤه في عام 1577م ، وقامت العصابات المسلحة الصهيونية بتدميره تدميرا كاملاً ، وقامت تلك العصابات بتهجير الأهالي في 4/5/1948 ودمروا جميع بيوت القرية   باستثناء مدرسة القرية  المطلة على الشارع الرئيسي ، وتم تحوليها إلى مطعم ، وأقاموا على أنقاض قريتنا ، مستعمرة مفقعيم ، ومستعمرة تالمي يافي  .

لقد رحلت أمي عن الحياة ، وتبعها أبى عن الحياة ، وهم يحلمون بالعودة إلى أرضهم وإلى مسقط رأسهم.
لقد كانت رحلة اللجوء إلى مخيم البريج للاجئين مليئة بالعذاب والمآسي والفقر .

ولكننا في الذكرى السابعة والستين للنكبة ، لن ننسى ،  ولن نغفر ، ولن نتنازل عن حقنا الثابت في العودة .