مفاوضات عبثية وحروب أكثر عبثيةً

مفاوضات عبثية وحروب أكثر عبثيةً
بقلم / المهندس نهاد الخطيب                                          

مهندس وباحث في العلاقات الدولية

يقول الإستراتيجيون أنه كلما زادت حمى البحث عن السلام ، زادت مخاطر الحرب، وهذه مقولة صحيحة – برأينا – رغم تناقضها الظاهري، ففي لحظة ما قد يلجأ السياسيون الى استكمال حوارهم السياسي بالمدافع ، وهذا أبسط تعريف للحرب.

والمفاوضات المقصودة هنا ليست المفاوضات الرسمية بين الطرف الفلسطيني الشرعي المعترف به دوليا ، والتي بعد عشرين عاما طويلة ، كانت نتيجتها صفراً ، بل المقصود هو المفاوضات بين الإسرائيليين والحماسيين عبر وسطاء معروفون من خلال دردشات وهمزات ولمزات ورسائل شفوية متبادلة واتفاقات جنتلمان أيضاً.موضوع المحادثات ،هدنة طويلة،أوقصيرة ،دولة ذات حدود مؤقتة أو دائمة،وهذا ربما أثار حفيظة الطرف الفلسطيني الأخر ،خوفا منه على القضية بإفتراض حسن النية وربما خوفا على الدور وما يترتب على ذلك من تهميش يُفقد القيادة التاريخية بريقها وشرعيتها وشرعية دورها.

ولكن القضايا التي يحاول الإسرائيليون والحماسيون الإتفاق عليها أيضا شائكة ، فالإسرائيليون يريدون توجيه ضربة قوية للمشروع الوطني الفلسطيني من خلال الإتفاق مع حماس لكي يتفرغوا لإنهاء مشروعهم الإستيطاني في الضفة الغربية والقدس ، ومواجهة المشروع الإيراني المسًلح نوويا وربما بدأوا يعدون العدة لمواجهة الدولة الإسلامية، التي تقول علناُ أنها تريد الإنتهاء ممن باعوا ثوابت ومقدسات الأمة لكي تتفرغ لأولئك الذين اشتروها.

ولكن تواجه الإسرائيليون معضلة كبيرة تتعلق بطريقة استغلال حماس لأية نوع من الهدن أو الحلول المؤقتة، وهل ستتوقف حماس عن بناء قدراتها التسليحية أو نسج تحالفات إقليمية وربما بناء نموذج رشيد في الحكم لم تنجح في إقامته حتى الأن؟ ، أسئلة برسم المدردشين من الحماسيين ونظرائهم الإسرائيليين ورعاتهم الأمريكان وخوادمهم في المنطقة من القطريين والأتراك .

من ناحية أخرى يتحدث الإسرائيليون علناً عن عدم وجود نية لديهم لإنهاء حكم حماس في غزة ، ليس لصعوبة ذلك الأمر من حيث مستوى تغلغل حماس في الأوساط الشعبية الفلسطينية وعدم وجود شريك فلسطيني لإسرائيل في هذه العملية فقط ، وإنما يعود ذلك ببساطة الى أن إنهاء حماس يعني أتوماتيكياً إعادة اللحمة الى النظام السياسي الفلسطيني ما يشكل انتكاسة للتفكير الإستراتيجي والممارسة السياسية الإسرائيلييين.

إذن يبقى أمام الإسرائيليين خياراً واحدأً وهو المحافظة على الوضع القائم من حيث إعاقة أية مصالحة فلسطينية وتخفيض سقف التسلح الحماسي في دورات زمنية – كل سنتين تقريبا- قابلة للنقصان ، ويدفع الفلسطينيون ثمنا باهظا من أرواحهم وممتلكاتهم من أجل هذا الهدف، وتأخذ حالة التدمير الكارثية منحنى تراكمياً ، يزيد الوضع المعيشي المأساوي لسكان قطاع غزة .

أنا أرى أن حماس تستطيع أن توجه ضربة قوية الى الإستراتيجية الإسرائيلية من خلال التخلي فعلا لا قولا عن الحكم والحكومة في غزة والوصول مع الشريك الفلسطيني الأخر ، المقبول أكثر دوليا وعربيا وربما فلسطينيا ، الى اتفاق على خطوط وطنية عريضة ،كشريك بعيدا عن محاولات الهيمنة على القرار الفلسطيني كله بشكل مباشر أو غير مباشر، وكذلك إبتداع أساليب أخرى للمقاومة في المجالات السياسية والإعلامية والقانونية والدبلوماسية والإقتصادية والنهوض بالحالة الوطنية وتعزيز الأمل في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني من خلال ممارسة الإيثار حتى مع وجود حالة الخصاصة التي تكلم عنها التراث الإسلامي ،وهذا طبعا لا يلغي ضرورة الإستعداد العسكري ولكن مع وضع الخيار العسكري في مكانه الصحيح في الأجندة الوطنية الفلسطينية التحررية   يرحمكم الله