خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

رام الله - دنيا الوطن
ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، ولزوم أمره، وعمارة قلوبنا بحبّه وذكره، وأحذركم وأحذّر نفسي من أن يطلع علينا نهار أو يتغشّانا ليل، والله غير راضٍ عنا، فلا طاقة لنا على ردِّ غضبه وهو العزيز الجبار، ونحن أيها الأحبَّة، أحوج ما نكون إلى ربّنا ربّ الكون وربّ الناس وملكهم وإلههم.

وما يساعدنا على نيل مرضاته، هو أن نستهدي النَّفحات الروحيَّة التي تفيض من أدعية شهر رجب المبارك، ويكفي أن نقرأ هذا الدّعاء: "خاب الوافدون على غيرك، وخسر المتعرّضون إلا لك، وضاع الملمّون إلا بك، وأجدب المنتجعون، إلا من انتجع فضلك... بابك مفتوح للراغبين، وخيرك مبذول للطالبين، وفضلك مباح للسّائلين، ورزقك مبسوط لمن عصاك، وحِلمك معترض لمن ناواك، وعادتك الإحسان إلى المسيئين، وسنَّتك الإبقاء على المعتدين".

أيّها الأحبَّة، أيُّ سموٍّ هو هذا السموّ الّذي نعيشه عندما يكون الله غايتنا! فعندها لن نعرف ضعفاً ولا وهناً، وسنكون أقدر على مواجهة التّحدّيات.

اجتمعت القمَّة الخليجيَّة التّشاوريَّة خلال الأسبوع الماضي، بحضور الرئيس الفرنسيّ، الذي أراد الدّخول من خلالها على خطّ هذه الدّول، لكسب ودّها، والحصول على صفقات اقتصاديَّة وعسكريّة واستثمارات ماليّة تساعده على تعزيز موقعه السّياسيّ في فرنسا.

وفي هذا الوقت، تستعدّ الدّول الخليجيّة للقاء الرئيس الأميركي، وكلّها أمل بأن تحصل من الولايات المتَّحدة الأميركيَّة على مزيد من الدّعم، بما يطمئنها على أوضاعها في ظلّ المتغيرات الّتي تعصف بالمنطقة.

إننا أمام هذه الوقائع، نشير إلى أنَّ من حقّ الدول العربيّة أو الخليجيّة أن تبذل كلّ جهد لحفظ أمنها الداخلي، إلا أننا نرى أنَّ السَّبيل الأسلم لذلك، لن يكون عبر استجداء الدّول الكبرى بعد كلّ التجارب السابقة معها، وهي المحكومة بسياسة المصالح، بل بالحوار بين الدول العربية وإيران، وخصوصاً في هذه المرحلة، ولا سيما أن هناك استعداداً إيرانياً متواصلاً لذلك.

إنَّنا نعتقد أنَّ مثل هذا الحوار، لو حصل بجديَّة وبصراحة، سيساهم في تبديد الكثير من الهواجس والمخاوف الّتي تسمّم العلاقات الخليجيّة الإيرانيَّة، وسوف يكتشف الجميع عندها أنّ الكثير من هذه الهواجس والمخاوف هي أوهام أو سوء فهم، ساهم في إشاعتها من يريد ابتزاز دول الخليج ودفعها نحو إنفاق عشرات المليارات من الدولارات مقابل صفقات تسليحيّة لا يعلم أحد مدى جدواها في تحقيق الحماية الأمنية لهذه الدول، بقدر ما تلبّي طموحات الدّول الكبرى في تحقيق المزيد من الهيمنة على هذه المنطقة من العالم.

إنّنا نرى أنَّ الحل لن يكون بقبّة صاروخية، أو بتواجد عسكري في البر والبحر، أو تطمينات غربيَّة وأميركيَّة، بقدر ما يكون عربيّاً وإسلاميّاً.

أما في اليمن، فتؤكّد الوقائع يوماً بعد يوم، أنَّ الحرب لن تصل إلى أية نتيجة مرجوّة في ظلّ التعقيدات اليمنية الداخلية والإقليمية، ولن تنتج سوى المزيد من القتل والتدمير، وزيادة في الانقسام الداخلي وفي العداء مع الجوار.

إنَّ مشهد قتل النّساء والأطفال، والمهجّرين الهاربين من ساحات القتال في اليمن، والمأساة الإنسانية المتواصلة بفعل فقدان كلّ مقومات الحياة في هذا البلد، لا بدّ من أن يثير الشّعور الإنسانيّ والعربي والإسلامي، ويدفع إلى إيقاف الحرب، ويسارع إلى تهيئة ظروف الحوار، لا إلى تهدئة إنسانيّة محدودة، رغم أهميتها، أو التهديد بمزيد من ردود الفعل القاسية، كما أُعلِن أخيراً، ولا بطلب تدخّل عسكري، فإنَّ ذلك لن يزيد الأمور إلا تفاقماً وتعميقاً للانقسام، وتمديداً للحرب الأهليّة. ويكفي شاهداً على ذلك ما أدت إليه مثل هذه التدخّلات في العراق وفي ليبيا وفي غيرهما.

وفي فلسطين، فإنَّنا ننظر بإيجابيَّة إلى اللقاءات التي تجري بين فتح وحماس، ونرى أهمية الجهود التي بُذلت في هذا الاتجاه، ولا سيما في هذه المرحلة، التي يواجه فيها الشعب الفلسطيني ظروفاً صعبة نتيجة الحصار المطبق على غزة، واستمرار سياسة الاستيطان والاعتقال والقتل والتهجير، والتهديد المستمر للمسجد الأقصى والقدس، حيث لا يمكن مواجهة كلّ هذه التحديات إلا بتوحيد البندقية والموقف الفلسطيني.

أما لبنان، فقد بات واضحاً مدى المخاطر الأمنية التي تحدق به، إن في الداخل من خلال ما يحضّر من تفجيرات أو عمليات اغتيال، والتي كشفت عنها الاعتقالات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية، أو ما يحصل الآن على الحدود الشرقية، ما يتطلَّب مزيداً من التَّماسك الداخلي، وتحركاً سريعاً لمواجهة الاستحقاقات الدّستورية والتشريعيَّة.

إنَّ التحدّيات الداخليَّة لا تعالج بالخطاب المتشنّج وبالاتهامات، بقدر ما تعالج بالحوار الهادئ والمسؤول بين كلّ الأطراف، بعيداً عن كلّ الحسابات الفئويّة والصَّغيرة، ما يُساهم في حماية هذا البلد من كلّ الّذين يتهدّدون أمنه. وهنا، لا بدّ من أن تُشكر اليد الّتي بادرت وتبادر إلى حماية الوطن وأمنه، وتقدّم من أجل ذلك أغلى التّضحيات.

إنَّنا ندعو كلّ القيادات السّياسيّة إلى العمل لحصر النار في دائرتها، إن لم يكن بالمستطاع إخمادها، وعدم جرّها إلى الوطن، ولا سيّما أن عناصر التفجير متوفرة في البلد، فإذا لم نتكاتف جميعاً لوأدها، من خلال مواقفنا الوطنية ودعم القوى الأمنيَّة، فلا ضمانة لحفظ البلد من الفتنة، حتى لو كانت بحجم القرار الدّوليّ القاضي بإبعاد لبنان عن نيران الحرب الدّائرة في الجوار.

وتبقى مسألة العسكريين المختطفين، فإننا، وعلى إيقاع الحرب المتصاعدة في القلمون، ندعو إلى الإسراع في معالجة قضيتهم، بما يحميهم من تداعيات هذه الحرب، ويعيدهم إلى أهلهم ووطنهم سالمين، وهنا ننوِّه بكل الجهود التي تُبذل في هذا المجال، والتي نأمل أن تستمر.

ومن السّياسة ننتقل إلى الشأن الاجتماعي، لندعو إلى الإسراع في معالجة المشكلات التي تهدّد لقمة عيش المواطن وحاجاته، حيث تزداد الظروف الاقتصادية صعوبةً، والتي لا تُحل بزيادة الرواتب فقط، بل بنهوض اقتصاديّ وتنمويّ وتكامل اجتماعيّ.

وفي هذه الإطار، فإننا ندعو إلى الحوار المباشر بين المالكين والمستأجرين، للتوصل إلى حلول تحول دون إلحاق الظلم بأيٍّ منهما، والأخذ بالحسبان مصالح الطرفين، بما يحمي حقوق المستأجرين الَّذين لا يملكون إلا العراء ملجأ إذا ارتفعت الإيجارات دون الحد المقبول، ويحمي حقوق المالكين الذين لا يملكون ما يعيلون به أنفسهم إلا هذه البيوت التي أصبحت قيمة أجرها لا تساوي شيئاً. ولتُبنَ القوانين والتشريعات على أساس ذلك.

وأخيراً، إننا نهنّئ الصّحافة في يومها، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى الكلمة الصادقة؛ الكلمة الواعية، الكلمة التي تئد الحروب والفتن، الكلمة الّتي تلمّ الشّمل، الكلمة التي تزيد الوعي، وتنفذ إلى أعماق الأحداث، ولا تبقى في سطحها، الكلمة التي تعزّز الأخلاق والقيم.

إنَّ المعاناة ستكون كبيرة، والخطر سيكون داهماً عندما تتحوَّل الكلمة إلى وسيلة لاستدرار المال، أو لإثارة أحقاد التاريخ ودفائنه، أو صناعة أحقاد في الحاضر وتأجيجها، فعند ذلك تصبح الأوطان والإنسان أمام خطر السّقوط والضّياع.

التعليقات