العدل غائب ومُغيب يا حكام العالم
الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل
الكاتب المفكر والمحلل السياسي
الأمانة العامة لشبكة كتاب الرأي العرب
نائب رئيس المركز القومي للبحوث
الكاتب المفكر والمحلل السياسي
الأمانة العامة لشبكة كتاب الرأي العرب
نائب رئيس المركز القومي للبحوث
كثرُّ الظُلم والبغي والعدوان بين الناس والحكومات و بين الحاكم والمحكوم وضاعت الحقوق وضاع العدل واستشري الفجور، وكأن الناس باعوا أخرتهمُ بدُنياهُم؛ ونسواّ أو تناسواّ أن الله عز وجل يأمر بالعدل وبالقسط ويحرم الظلم والفسوق والعدوان؛ والمقصود بكلمة العدل هنا الوسط بين الإفراط والتفريط والاعتدال في الأمور، ويقابلها الظلم والجور، قال على بن أبي طالب رضي الله عنه: "العدل هو الانصاف والإحسان التفضل، والعدل مصطلح يرمي الى المساواة بين النّاس والعدل فيما بينهم وإعطاء الحقوق دون تفرقة بين النّاس سواء كان لون أو نسب أو مال أو جاه؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدل وأعظم وأجمل ما عرفت البشرية، ومن سمات العدل في التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم من خلال رسالة الإسلام؛ أنّهُ لا عاطفةٌ فيه فلا يتأثّر بجنسيّة أو عرق أو نسب وأساس الحكم والمُلك العدل، فإذا كان العدلُ يدخل فيه العاطفة قد دُمّرت مبادئهُ وقيمهُ الإنسانيّة ، والله عندما وضعَ تشريعاتهُ في القرآن لم يميّز أحد بل الكلَّ سواء ، فالأسس الربانيّة قيمها أسمى من تشريعات البشر ، وكان الرسول أحرصّ النّاسِ على العدل والمساواةِ بين النّاس، ومن قصص عدل النبي أن امرأة سرقت أثناء فتح مكة، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليها الحدَّ ويقطع يدها، فذهب أهلها إلى أسامة بن زيد وطلبوا منه أن يشفع لها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يقطع يدها، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب أسامة حبَّا شديدًا، فلما تشفع أسامة لتلك المرأة تغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال له: (أتشفع في حد من حدود الله؟!). ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب في الناس، وقال: (فإنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله (أداة قسم)، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها) [البخاري]. ، فهنا يعلّمنا الرسول القيم الموجودة في القرآن وأنّهُ يجب تطبيقها على كافة طبقات المجتمع حاكم ومحكوم وفي أي زمان ومكان فالقرآن كتاب تشريع للأمم الى قيام السّاعة؛ وإن من صور العدل في الإسلام ما رُوى أن أسيد بن حضير كان رجلاً صالحا ضاحكا مليحًا ، فبينما هو عند رسول الله ، يحدث القوم ويضحكهم ، طعن رسول الله في خاصرته ممازحًا له، فقال أُسيد : أوجعتني . قال النبي: " اقتص" قال : يا رسول الله إن عليك قميصًا، ولم يكن عليّ قميص: فرفع رسول الله قميصه، فاحتضنه أسيد، ثم جعل يقبل كشحه، فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أردت هذا؛ أي شرف تقبيل جسد النبي الطاهر الشريف؛ وهذا من أروع الأمثلة على العدل ، الذي سيظلّ يعجز عن تحقيقه أعظم الزعماء إنصافًا مع رعاياه عبر القرون والأجيال، ومثال آخر في تطبيق العدل في الإسلام ، فاروق الأمة العادل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ، الذي لم تزد قيمة شهادته على شهادة غيره من الناس لمجرد كونه أميرًا . فقد روي عنه أنه كان يمر ليلًا - على عادته - ليتفقد أحوال رعيته، فرأى رجلًا وامرأة على فاحشة الزنا، فجمع الناس وخطب فيهم : " ما قولكم أيها الناس في رجل وامرأة رآهما أمير المؤمنين على فاحشة ؟ فرد عليه عليّ بن أبي طالب : يأتي أمير المؤمنين بأربعة شهداء ، أو يجلد حد القذف ، شأنه شأن سائر المسلمين، ولم يملك أمير المؤمنين إلاّ أن يُمسك عن ذكر أسماء الجناة ، حيث أدرك أنه لا يستطيع أن يأتي بباقي نصاب الشهادة وأنه لا فرق في هذا بينه وبين سائر المسلمين، وهذا الخليفة العادل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه الخليفة الرابع ، افتقد درعه - يوما من الأيام - فوجدها عند رجل نصراني ، فشكى الخليفة اليهودي إلى شريح القاضي ، فقال عليّ مدعيًا : الدّرع درعي ، ولم أبع ولم أهب ، وسأل شريح اليهودي في ذلك فقال : ما الدّرع إلاّ درعي ، وما أمير المؤمنين عندي بكاذبٍ . فالتفت القاضي إلى أمير المؤمنين عليّ ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن النصراني صاحب اليد على الدّرع ، وله بذلك حقٌ ظاهر عليها ، فهل لديك بيّنة على خلاف ذلك تؤيد ما تقول ؟ فقال أمير المؤمنين أصاب شريح ، مالي بيّنة ، وقضى شريحٌ بالدرع لليهودي ، وأخذ اليهودي الدّرع وانصرف بضع خطوات ، ثم عاد فقال أما أني أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه ، فيقضي لي عليه ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، الدّرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق؛ فقال علي : أما وقد أسلمت فهي مني لك؛؛ كما وأمرَ الإسلام بالعدل وحرّم الظلم ومنها ظلم النفس، وظلم الآخرين، وظلم الميراث، وظلم التمييز في التعامل كل هذه أنواع الظلم قد حرّمها الله ورسولهِ ، فدعوة المظلوم ليست بينهُ وبينَ الله حجاب ، لأنّ الله يبغض الظلم وينصر المظلوم لو بعد حين؛ أين نحن اليوم وحكام العالم الذين يّدعون الديمقراطية والعدالة زورًا وبهتانًا من عدالة الإسلام دين الوسطيّة والسماحة والله من أسمائه الحُسني وصفاتهِ العُليا الحكمُ العدل؛ وقد جاء في الحديث الشريف:" تعدل بين اثنين صدقة". وقد وردت كلمة (العدل) في القرآن الكريم (28) مرة، ووردت كلمة (القسط) المرادفة لها (25) مرة. وللحث على العدل قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكم لعلكم تذكرون" وقال تعالي: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } كما ورد في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كثير من الأحاديث تحث على العدل وتشجع عليه وتدعو إليه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" أخرجه مسلم. وقد تعلم أصحاب النبي منه مبادئ العدل والقسط، وطبقوا ذلك في حياتهم حتى مع أعدائهم، ولنتأمل هذه القصة التي وقعت في عهده من بعض صحابته، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "أفاء الله عز وجل خيبر على رسول الله، فأقرهم رسول الله كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة، فخرصها عليهم الخَرْصُ تقدير حق المسلمين من تمر خيبر، ثم قال لهم: «يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخلق إليَّ، قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله، وليس يحملني بُغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي»، فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض قد أخذنا، فاخرجوا عنا" ومن قصص العدل في ديننا الحنيف السمح أن رجلاً من أهل مصر جاء إلى الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقال له: يا أمير المؤمنين، لقد تسابقتُ مع ابن عمرو بن العاص وإلى مصر، فسبقتُه فضربني بسوطه، وقال لي: أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: إذا أتاك كتابي هذا فلتحضر إلى ومعك ابنك، فلما حضرا أعطى عمر بن الخطاب السوط للرجل المصري ليضرب ابن عمرو قائلا له: اضرب ابن الأكرمين؛ وفي عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أسلم رجل من سادة العرب، وذهب للحج، وبينما كان يطوف حول الكعبة، داس رجل على طرف ردائه، فضربه على وجهه ضربة شديدة، فذهب الرجل إلى عمر بن الخطاب، واشتكى له، فطلب عمر -رضي الله عنه- إحضار الضارب، فلما حضر أمر عمر الرجل أن يقتص منه بأن يضربه على وجهه مثلما فعل معه، فقال متعجبًا: وهل أستوي أنا وهو في ذلك؟ فقال عمر: نعم، الإسلام سوَّى بينكما؛ ويحكى أن رجلا اصطاد سمكة كبيرة، ففرح بها، وفي طريق عودته إلى زوجته وأولاده، قابله حاكم المدينة، ونظر إلى السمكة التي معه، فأخذها منه، فحزن الصياد، ورفع يديه إلى السماء شاكيا لله -عز وجل-، طالبًا منه أن يريه جزاء هذا الظالم.
ورجع الحاكم إلى قصره، وبينما هو يعطي السمكة للخادم لكي يُعِدَّها له، إذا بالسمكة تعضه في إصبعه، فصرخ وشعر بألم شديد، فأحضروا له الأطباء، فأخبروه أن إصبعه قد أصابه السم من عضة السمكة، ويجب قطعه فورًا حتى لا ينتقل السم إلى ذراعه، وبعد أن قطع الأطباء إصبعه، أحس أن السم ينتقل إلى ذراعه ومنه إلى بقية جسده، فتذكر ظلمه للصياد، وبحث عنه، وعندما وجده ذهب إليه مسرعًا يطلب منه أن يسامحه ويعفو عنه حتى يشفيه الله، فعفا عنه؛ ومن صور العدل بين المتخاصمين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مثالا في تطبيق العدل، وقد جاء إليه رجلان من الأنصار يختصمان إليه، ويطلبان منه أن يحكم بينهما، فأخبرهما النبي صلى الله عليه وسلم بأن مَنْ يأخذ حق أخيه، فإنما يأخذ قطعة من النار، فبكي الرجلان وتنازل كل واحد منهما عن حقه لأخيه، ومن صور العدل في الميزان والمكيال: المسلم يوفي الميزان والكيل، ويزن بالعدل، ولا ينقص الناس حقوقهم، ولا يكون من الذين يأخذون أكثر من حقهم إذا اشتروا، وينقصون الميزان والمكيال إذا باعـوا، وقـد توَّعـد الله من يفعـل ذلك، فقـال الله تعالى: {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون . ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون . ليوم عظيم} [المطففين: 1-5]. وقال تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} والعدل بين الزوجات: والمسلم يعدل مع زوجته فيعطيها حقوقها، وإذا كان له أكثر من زوجة فإنه يعدل بينهن في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت والنفقة، قال الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّه مائل) والميل الذي حذر منه هذا الحديث هو الجور على حقوقها، ولهذا روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين زوجاته -رضوان الله عليهن- بالعدل، ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك) وإن العدل له منزلة عظيمة عند الله، قال تعالى: {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} وكان الصحابي الجليل أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: عمل الإمام العادل في رعيته يومًا أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة، والعدل أمان للإنسان في الدنيا، وقد جاء أن أحد رسل الملوك جاء لمقابلة عمر بن الخطاب، فوجده نائمًا تحت شجرة، فتعجب؛ إذ كيف ينام حاكم المسلمين دون حَرَسٍ، وقال: حكمتَ فعدلتَ فأمنتَ فنمتَ يا عمر؛ لأن العدل أساس الملك، وقد كتب أحد الولاة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه- يطلب منه مالاً كثيرًا ليبني سورًا حول عاصمة الولاية. فقال له عمر: ماذا تنفع الأسوار؟ حصنها بالعدل، ونَقِّ طرقها من الظلم، العدل يوفر الأمان للضعيف والفقير، ويُشْعره بالعزة والفخر، والعدل يشيع الحب بين الناس، وبين الحاكم والمحكوم إن تحقق العدل ويمنع الظالم عن ظلمه، ويحمي الحقوق والأملاك والأعراض، وكان الظلم عكس العدل وقد حذَّر الله عز وجل من الظلم، فقال عز وجل: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص في الأبصار} وقال تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} وذات يوم سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، فقال: (أتدرون ما المفلس؟)، قالوا: الْمُفْلِسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال الله صلى الله عليه وسلم: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعْطَي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيتْ حسناته قبل أن يقْضِي ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار) [مسلم والترمذي] وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الحقوق إلى أصحابها، قبل أن يأتي يوم القيامة فيحاسبهم الله على ظلمهم، قال الله صلى الله عليه وسلم: (لَتُؤَدَّن الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقَاد (يُقْتَص) للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) فكل مخلوق سوف يأخذ حقه يوم القيامة، حتى النعجة التي ليس لها قرون (جلحاء) إذا ضربتْها في الدنيا نعجة ذات قرون (قرناء)، فإن الأولى سوف تقتص وتأخذ حقها من الثانية، وقال الله صلى الله عليه وسلم: (من ظلم قيد شبر من الأرض، طُوِّقَه من سبع أرضين) فكل إنسان يظلم ويأخذ ما ليس حقًّا له فسوف يكون عليه وبالا في الآخرة، وسوف يعذَّب يوم القيامة عقابًا له على ظلمه في الدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لَيمْلِي للظالم (أي: يؤخر عقابه)، حتى إذا أخذه لم يفْلته) ثم قرأ: قوله سبحانه وتعالي {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}؛ كل ما سبق غيض من فيض قليل من كثير نقطة في بحر عن العدل الغائب والمغيب في القرن الواحد والعشرين؛ فمنذُ قرن من الزمان يتعرض الشعب الفلسطيني للظلم والقهر وتتعرض المقدسات الاسلامية والمسيحية للتهويد والاغتصاب من الاحتلال الصهيوني، ويتوالى تباعًا ارتقاء الشهداء في فلسطين أرض الإسراء والمعراج ولا نجد لنا عاصفة حزمٍ لتحقق العدالة الغائبة الضائعة في فلسطين لتحرير المسجد الأقصى الأسير من دنس المحتل الغاصب، ومازال يظلمُ بعضُنا بعضًا عيانًا ونجلد ظهور بعضنا البعض فمن أين يأتي لنا النصر؟؟ و إن لم تتحقق العدالة فلن يتحقق الأمن يا أمة العرب والمسلمين.
ورجع الحاكم إلى قصره، وبينما هو يعطي السمكة للخادم لكي يُعِدَّها له، إذا بالسمكة تعضه في إصبعه، فصرخ وشعر بألم شديد، فأحضروا له الأطباء، فأخبروه أن إصبعه قد أصابه السم من عضة السمكة، ويجب قطعه فورًا حتى لا ينتقل السم إلى ذراعه، وبعد أن قطع الأطباء إصبعه، أحس أن السم ينتقل إلى ذراعه ومنه إلى بقية جسده، فتذكر ظلمه للصياد، وبحث عنه، وعندما وجده ذهب إليه مسرعًا يطلب منه أن يسامحه ويعفو عنه حتى يشفيه الله، فعفا عنه؛ ومن صور العدل بين المتخاصمين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مثالا في تطبيق العدل، وقد جاء إليه رجلان من الأنصار يختصمان إليه، ويطلبان منه أن يحكم بينهما، فأخبرهما النبي صلى الله عليه وسلم بأن مَنْ يأخذ حق أخيه، فإنما يأخذ قطعة من النار، فبكي الرجلان وتنازل كل واحد منهما عن حقه لأخيه، ومن صور العدل في الميزان والمكيال: المسلم يوفي الميزان والكيل، ويزن بالعدل، ولا ينقص الناس حقوقهم، ولا يكون من الذين يأخذون أكثر من حقهم إذا اشتروا، وينقصون الميزان والمكيال إذا باعـوا، وقـد توَّعـد الله من يفعـل ذلك، فقـال الله تعالى: {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون . ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون . ليوم عظيم} [المطففين: 1-5]. وقال تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} والعدل بين الزوجات: والمسلم يعدل مع زوجته فيعطيها حقوقها، وإذا كان له أكثر من زوجة فإنه يعدل بينهن في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت والنفقة، قال الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّه مائل) والميل الذي حذر منه هذا الحديث هو الجور على حقوقها، ولهذا روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين زوجاته -رضوان الله عليهن- بالعدل، ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك) وإن العدل له منزلة عظيمة عند الله، قال تعالى: {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} وكان الصحابي الجليل أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: عمل الإمام العادل في رعيته يومًا أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة، والعدل أمان للإنسان في الدنيا، وقد جاء أن أحد رسل الملوك جاء لمقابلة عمر بن الخطاب، فوجده نائمًا تحت شجرة، فتعجب؛ إذ كيف ينام حاكم المسلمين دون حَرَسٍ، وقال: حكمتَ فعدلتَ فأمنتَ فنمتَ يا عمر؛ لأن العدل أساس الملك، وقد كتب أحد الولاة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه- يطلب منه مالاً كثيرًا ليبني سورًا حول عاصمة الولاية. فقال له عمر: ماذا تنفع الأسوار؟ حصنها بالعدل، ونَقِّ طرقها من الظلم، العدل يوفر الأمان للضعيف والفقير، ويُشْعره بالعزة والفخر، والعدل يشيع الحب بين الناس، وبين الحاكم والمحكوم إن تحقق العدل ويمنع الظالم عن ظلمه، ويحمي الحقوق والأملاك والأعراض، وكان الظلم عكس العدل وقد حذَّر الله عز وجل من الظلم، فقال عز وجل: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص في الأبصار} وقال تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} وذات يوم سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، فقال: (أتدرون ما المفلس؟)، قالوا: الْمُفْلِسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال الله صلى الله عليه وسلم: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعْطَي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيتْ حسناته قبل أن يقْضِي ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار) [مسلم والترمذي] وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الحقوق إلى أصحابها، قبل أن يأتي يوم القيامة فيحاسبهم الله على ظلمهم، قال الله صلى الله عليه وسلم: (لَتُؤَدَّن الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقَاد (يُقْتَص) للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) فكل مخلوق سوف يأخذ حقه يوم القيامة، حتى النعجة التي ليس لها قرون (جلحاء) إذا ضربتْها في الدنيا نعجة ذات قرون (قرناء)، فإن الأولى سوف تقتص وتأخذ حقها من الثانية، وقال الله صلى الله عليه وسلم: (من ظلم قيد شبر من الأرض، طُوِّقَه من سبع أرضين) فكل إنسان يظلم ويأخذ ما ليس حقًّا له فسوف يكون عليه وبالا في الآخرة، وسوف يعذَّب يوم القيامة عقابًا له على ظلمه في الدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لَيمْلِي للظالم (أي: يؤخر عقابه)، حتى إذا أخذه لم يفْلته) ثم قرأ: قوله سبحانه وتعالي {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}؛ كل ما سبق غيض من فيض قليل من كثير نقطة في بحر عن العدل الغائب والمغيب في القرن الواحد والعشرين؛ فمنذُ قرن من الزمان يتعرض الشعب الفلسطيني للظلم والقهر وتتعرض المقدسات الاسلامية والمسيحية للتهويد والاغتصاب من الاحتلال الصهيوني، ويتوالى تباعًا ارتقاء الشهداء في فلسطين أرض الإسراء والمعراج ولا نجد لنا عاصفة حزمٍ لتحقق العدالة الغائبة الضائعة في فلسطين لتحرير المسجد الأقصى الأسير من دنس المحتل الغاصب، ومازال يظلمُ بعضُنا بعضًا عيانًا ونجلد ظهور بعضنا البعض فمن أين يأتي لنا النصر؟؟ و إن لم تتحقق العدالة فلن يتحقق الأمن يا أمة العرب والمسلمين.
