اليسا لا تغني في اول ايار

رام الله - دنيا الوطن
الكاتبة: شوقية عروق منصور
 كل شيء قبيح ، كل شيء فيه رائحة الموت و الدمار والخراب ، هذا هو ملخص العالم العربي الذي نراه .. لا نحاول السقوط في بئر التشاؤم ولكن هذه الحالة العامة التي تلاحقنا كل لحظة ،من خلال الفضائيات العديدة  التي فتحت أسواق الدول واخذت تعرض بضاعتها البشرية ، برامج ومسلسلات وافلام جميعها تضعنا أمام حقيقة ومشاكل ومعاناة هذه الدول التي أصبحت تشعرنا انها العبء الثقيل على كاهل الكرة الارضية ، ومن يحاول تمزيق ثوب التشاؤم لينطلق هارباً الى التفاؤل ، يجد ثوباً يلاحقه ويجبره على الارتداء ليؤكد له أن الواقع ليس ارضاً لتسكع الانسان بل ارضاً لتسكع السلاح  .

الصفعات والركلات  تحيط بالمواطن العربي من كل الجهات ، نفتش عن كف لم تصفعه وعن قدم لم تركه فلا نجد ، كأنه حكم على هذا المواطن  أن يبقى مربوطاً بشجرة الذل ويتحمل الركلات والصفعات من المارين أمامه ، وقد يتجرأ احد هؤلاء ولا يكتفي بالصفع والركل  بل يقوم بربط الجسد المنهك الى الشجرة والبدء بتقطيعه وأكل لحمه نيئاً ، أما حفلات الشواء فتكون في المؤامرات التي يحيكها قادة الشعوب التي  تحولت الى دساتير سطورها لدغات الافاعي ، وتجمعاتهم بعيدة عن وفاء الكلاب .

اصبح الموت في العالم العربي  يصادق الامكنة لا يفرق بين المدرسة والمستشفى والبيت وروضة الاطفال والملعب والدكان جميعها احتضار مؤقت يبرم اتفاقيات مع قبائل الدم .. في ظل هذا النزيف الذي لن نعرف متى  يتوقف  ، يتقدم الاول من شهر ايار ليجدل عيدا او يوما للعمال ، لكن يأتي يوم العمال كشبح يعلق فوق ظهرة لافتة تبيع حياة العمال  للفقر والبطالة والجوع والغربة في أوطانهم .

 العامل العربي لا يرتدي معطف الفراء ولا يطالع مجلات الرفاهية ولا يرقص في البارات رقصات المساج التي تعجن الجسد الذي ينقط منه عرق المتعة ، وليس عرق استغلال الأيدي في المصانع والحقول وورشات البناء ، هذا العامل لا يشهر مسدسه في وجه الطبقات الغنية – اللي فوق -  ولا يحاول أن يمشي مع أبي ذر الغفاري الذي صرخ ( أعجب من الذي لا يجد قوتاً في بيته ولا يخرج للناس شاهراً سيفه ) أنه يسعى وراء الرغيف والرغيف أصبح له أنياب الأسود من الصعب الامساك به .  

 الاول من أيار في يوم العمال  يتذكر العالم أن هناك عمالاً لم يحصلوا على الحقوق وما زالوا يعانون من الاستغلال الوحشي من قبل رؤوس الأموال والقوانين المجحفة بحقوقهم  ، المظاهرات والاناشيد والمسيرات تخضع لقيمة ومكانة العامل في العالم الغربي ،  لكن لا أحد يتذكر العامل العربي الذي أصبح يعيش على حد الوحشية المرسومة بريشة الكوابيس اللعينة ، اذا الوطن تدمر وهجر وقتل من قتل ماذا سيبقى للعامل ..؟؟ ماذا سيبقى له في هذه الفوضى وارقام القتلى والطائرات التي تقصف والايدي التي تزرع الموت والخراب ..

نسبة البطالة في العالم العربي وصلت الى حد الخوف من الغد .. النقابات العمالية تعترف في نشراتها بنسب البطالة المخيفة .. !! وما هروب الشباب من أوطانهم الا نتيجة غياب ليس الأمن والأمان فقط ، بل غياب الأعمال والوظائف وأماكن العمل ، وارتفاع نسب البطالة الى حد الانفجار ، وهذا يؤكد أن الدول العربية مشغولة بهمومها السياسية التي تعمل على اثارتها ودسائسها والتخطيط لضرب جاراتها ، أكثر من انشغالها بهموم مواطنيها وايجاد أعمال ووظائف و تأمين الحياة لهم ولأسرهم .

وان ارتفاع نسبة الهاربين الى الدول الغربية الى حد الموت غرقا لا يشغل عشاق الكراسي في الاوطان العربية ، تمر حوادث الموت غرقاً بهدوء ..كأن من الواجب موت هؤلاء !!  لم نجد أي مسؤول انتحر أو اقيل أو قدم استقالته نتيجة هذا الغرق ، في اليابان قدم وزير السياحة على الانتحار لأن زرافة كسرت قدمها في احدى حدائق الحيوان  ، ونحن نموت بالعشرات ولا أحد يقوم بعمل مؤتمر صحفي يبرر فيه المسؤول موقفه وحزنه ، يتحولون الى ارقام واكياس بلاستيكية سوداء تدفن دون واجب الحزن والعزاء .  

يوم العمال لا يتحدث عن بطالة الاكاديميين في الدول العربية  التي وصلت الى حد  التهافت الاكاديمي على وظيفة عامل نظافة ، ففي قطاع غزة تقدم لوظيفة عامل نظافة  المئات ممن يحملون الشهادات الاكاديمية للقب الثاني ، وايضاً من يراقب نسب البطالة في العالم العربي يجد أن نسبة بطالة الاكاديميين في ازدياد وان هجرتهم الى الخارج هي خسارة لأوطانهم ، واصبحت عين الاكاديمي على الدولة الاجنبية التي ستقدر وتحتضن طموحه قبل أن تكون هذه العين ملك دولته .  

في عيد العمال تشعر أن العامل العربي الذي بشرت فيه الثورات الستينية وجعلته ايقونة الوجود الهام لبناء الدول التي تخلصت من الاستعمار وتغنى في سواعده الشعراء والمطربين رجع الى نقطة الصفر يقف وحيداً ، جائعاً ، حقوقه مهضومة ، والبطالة نسجت تحت قدمية سجادة الخوف والربيع العربي وضعه على فوهة مدفع .

المطربة اليسا غنت اغنية ( موطني كلمات ابراهيم طوقان والحان محمد فليفل ) واغنية موطني أصبحت حكراً للجميع وها هو العراق يتخذها نشيداً وطنياً ، تعجبت من هؤلاء الذين انشغلوا باليسا وكيف غنت  موطني ولفظتها موتني .. تعجبت من نقاش يدور بين حرف الطاء والتاء على حنجرة اليسا ، و كيف كان اللفظ  وعندنا الاوطان تدمرت ، تشتعل بالنار والدم ، تسحق هامات العمال والموظفين  والمصانع والمتاجر والمدارس ، كل شيء يذهب .. ولم يعد الا اليسا تغني موتني .... لنأخذ الشق الأول موت فقط .. عاش العمال الذين سيبنون الخراب . 

التعليقات