قرية بتير في قائمة التراث العالمي.. بلا بنية تحتية
رام الله - دنيا الوطن بثينة حمدان
بين مدينة المسيح عليه السلام بيت لحم، ومدينة القدس مسرى النبي محمد (ص) تقع قرية بتير والتي أدرجتها منظمة اليونسكو إلى قائمة التراث العالمي، لمشهدها الطبيعي الخلاّب الذي حفر أهل القرية له طريقاً من الحجارة وابتدع طرقاً كثيرة لجذب السياح.. فيها ولد رائد التنمية في العالم العربي وفيها سكة الحديد الذي بناها العثمانيين وأقدم نظام مائي عالمياً وآثار كنعانية تعود لخمسة آلاف عام من الحضارة.. ومع ذلك فهي قرية فقيرة في بنيتها التحتية السياحية!
فصح البيض
صادفت زيارة صحيفة القبس الكويتية لبتير احتفال سبت النور أول أيام عيد الفصح الشرقي، ويقصد به النور المقدس الذي خرج من المسيح بعد دفنه في قبره في كنيسة القيامة في مدينة القدس، ويستمر العيد لأسبوع يأتي ختاماً لصيام مدته أربعين يوماً، ينتهي بعشاء الخميس تيمناً بالعشاء الأخير للمسيح عليه السلام مع تلاميذه ثم الصلاة في اليوم التالي فيصرخ المصلين أثناءها: المسيح قام حقاً قام. حين وصلنا بيت لحم كانت تجوب المدينة فرق الكشافة والطوائف المسيحية المحلية والعربية ومنهم اقباط مصر الذين وصل عددهم أكثر من خمسة آلاف حاج. يتميز العيد بالبيض المسلوق الملون والمزركش الذي تعود فكرة تلوينه للقديسة مريم المجدلية التي ذهبت تحتج لقيصر روما على صلب المسيح فلم يصدقها إلا اذا حولت لون البيض إلى أحمر وهو ما حدث حسب الرواية المسيحية.
شارع 60
كان المصور الصحفي وأستاذ الاعلام في جامعتي فلسطين الأهلية وجامعة الخليل مصطفى بدر بانتظار فريق القبس على الطريق الترابي مدخل القرية، من رام الله إلى بيت لحم ثم مررنا على قراها؛ الخضر وحوسان، وقبل وصولنا القرية شاهدنا شارع 60 الذي حفره الاحتلال الاسرائيلي ليصل بين المستوطنات من بئر السبع جنوباً وحتى الناصرة شمالاً، ومعظم الطريق يمر عبر مدن الضفة الغربية خاصة المنطقة (ج)، ويخترع طرقاً التفافية للمستوطنين تلتهم أراضي الفلسطينيين حين يكون الخيار دخول مناطق "أ" و"ب". وهناك سلسلة من الطرق أنشأتها اسرائيل لتضمن تواصل مستوطناتها.
"جنان" الماء
أشار مصطفى إلى منطقة "الجنان" التي بلفظها العامي تبدو وكأنها تعني الجنون لكنها حدائق، فالبلدة عبارة عن حدائق جميلة لوجود ثمانية عيون ماء تغذيها يعود عمرها لألفي عام، ولعل أشهرها عين البلد وعين جامع، وعين الفوار. هذه الينابيع هي نموذج لأقدم نظام مائي في العالم حسب اليونسكو حيث تتجمع المياه في البركة الرئيسة وتغلق مع غروب الشمس وتفتح عند الشروق وتوزع المياه على أهالي القرية بطريقة معقدة وبالقراط وحسب عدد أفراد كل عائلة.
أول سكة حديد في فلسطين
هذه هي إحدى محطات سكة الحديد التي تمر في بتير والتي أنشأها العثمانيين عام 1890 وتصل بين يافا والقدس، أول خط سكة حديد في فلسطين وفي الوطن العربي. كانت بتير قبل النكبة إحدى محطات السكة، وفيها سوق المحطة، لكنها لم تعد كذلك بعد أن استولت عليها اسرائيل، ورغم مرور 67 عاماً على ذلك ومروره القطار من القرية بأمان، إلا أن السلطات الاسرائيلية قررت بناء جدار الضم والفصل العنصري لدواعي أمنية كما تدعي، لكن الحقيقة طبعاً هي مصادرة المزيد من الأراضي لصالحها.
اليونسكو توقف الجدار والاستيطان
كان أكرم بدر والد مصطفى ورئيس المجلس القروي ينتظرنا في متحف سلطان الشامي وقد زودنا بمعلومات كثيرة عن بتير، هو الأب الروحي لفكرة تقديم ملف عاجل لمنظمة اليونسكو لضم القرية لقائمة التراث العالمي وهو ما حصل عام 2014 ليتوقف بناء الجدار والمستوطنة التي كانت ستلتهم ثلث أراضي القرية.
وكانت الحفريات الاسرائيلية قد اكتشفت تحت القلعة الرومانية في تلة القرية وجود قلعة كنعانية يبلغ عمرها أكثر من خمسة آلاف عام، وهي قلعة يوجد مثيلها في مدينة حلب السورية. كان يعتقد الاسرائيليين أنهم سيجدون دليلاً على التراث اليهودي، وحين اكتشفوا أصلها عادوا "خائبين".
الأخضر الزاهي والفتّان!
سرنا في الوادي بين المدرجات الحجرية التاريخية والتي وصل عدد أحجارها 200 مليون حسب احصائية اليونسكو، كانت شقائق النعمان قد شقت طريقها لعالم القرية، وسرنا فوق المدرجات الحجرية التي بناها أهلها ليتمكن السياح من الوصول للمدرجات وقبر حاكم روماني منحوت في صخرة كبيرة. هذا المشهد الطبيعي استحق جائزة ميلينا مركوري الدولية للقرية عام 2011 من اليونسكو كونها تحتوي مدرجات زراعية عمرها أربعة آلاف عام. وكان اهتمام اليونسكو اللافت أدى لافتتاح مكتب لها في القرية سابقاً عام 2007 وأجروا العديد من الدراسات وأرسلوا الخبراء للقرية. فيها سبعة آلاف دونم مزروعة بالزيتون والخضار وأشهرها الباذنجان ومنه تعد والدة مصطفى وجبة "المقلوبة" الشهية، والمتبل من مشوي الباذنجان.
القرية اليوم
تتبع القرية ومساحتها اثنتي عشرة ألف دونماً يقطن فيها 6500 نسمة لمجلس قروي بتير، أما المنطقة خلف السكة أي داخل مناطق الـ48 فتتبع بلدية القدس لكن دون الاستفادة من خدماتها، ويمنع السكان من الاستفادة من خدمات المجلس القروي، ويتم توفيرها بشكل غير قانوني -من وجهة النظر الاسرائيلية-.
حسن مصطفى "المنقذ"
بقي هو وأربعة عشر فرداً من القرية فقط، فقد هرب الجميع إثر مجزرة دير ياسين وما أشيع عنها من قتل واغتصاب وما اقترفته عصابات الهاجاناة لترويع السكان عام 1948، كان حسن هو من حاول اقناع أهل القرية بالبقاء، دون جدوى. قام ومن معه بإضاءة القرية ليلاً ونشر الغسيل نهاراً فتبدو مسكونةبينما احتلت اسرائيل قرى عديدة هجرها سكانها. وخلال اتفاقية رودس للهدنة عام 1949 بين الأردن واسرائيل، نجح حسن بإقناع الضباط الصهاينة والمحافظة على المنطقة خلف لاسكة والسماح للسكان بزراعتها مقابل ضمان مرور آمن للقطار متسلحاً بأهل القرية الغائبين والذين عاد جزء منهم بعد ستة شهور.
أبو العطاء وأبو الناس
وصلنا مؤسسة حسن مصطفى التي يمولها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في الكويت، استقبلتنا ابنته ناديا مصطفى المؤلفة والباحثة، حدثتنا عن والدها الأديب والمؤلف، ففي هذه الصورة يفتتح مدرسة للبنات، وهناك مجلة القافلة التي كان كان رئيس تحريرها. هو حسن مصطفى البطمة رائد التنمية في المجتمع المحلي والعالم العربي بشهادة منظمة اليونسكو أنذاك، قيل عنه أبو الناس وأبو الريف. أسس نظاماً تعاونياً لدعم مشاريع تنمية القرية يشارك الجميع به، ومن يعترض يصبح شخصاً منبوذاً يضطر في النهاية للتعاون مجدداً، التعاون هو لتمويل المشاريع أما تنفيذها فيكون بسواعد أهل القرية. وكل هذا وأكثر خلال فترة قصيرة من حياته حيث توفي عام 1961 عن عمر يناهز 45 عاماً.
الفنان والشاعر المغمور
استقبلنا سلطان الشامي في متحفه واسمه "متحف سلطان"، وهو مكان يزخر بالجمال والأفكار والمشاريع، ومع فنجان الشاي الساخن ومطر نيسان المفاجيء، كانت رائحة لوحاته الخزفية تحكي حياة بتير القديمة، وعدداً من المدن الفلسطينية العريقة، وبعض التحف المتجددة بفكرتها. الكل في القرية وجهنا إلى سلطان، لأنه يعيش ويعمل نحو هدف واحد هو تنمية بتير التي يستحق تاريخها. أسس شركته قبل عشر سنوات وقرر بيع ابداعاته الفنية إلى العالم وطبع عليها: صنع في بتير، وصدرها حتى إلى اسرائيل والتي لم تعد تبتاع تحفه اليوم بسبب حملة مقاطعة البضائع الاسرائيلية في الضفة والتي يشارك بها. قال لنا سلطان بفخر يستحق: بعت حتى الآن 2.5 مليون قطعة في أنحاء العالم، في الوقت الذي سخر مني الكثيرين لوضع اسم بتير غير المعروفة على القطعة لكنني كنت أقول لهم بأنه سيأتي الوقت ليعرفها العالم وفعلاً هناك الكثير من السياح تأتي إلى فلسطين بحثاً عن بتير.
بتير في عام 2020 أكيد أحلا
قادته أحلامه إلى انشاء مؤسسة "بتير 2020" والتي تتضمن خطة تنمية القرية تجعلها الأولى سياحياً ومستقلة اقتصادياً تتضمن 45 مشروعاً صغيراً وعشرة مشاريع استراتيجية تدر دخلاً وتشغل أبناء القرية، وكلها يدعمها سلطان، فهذا مشروع لتأجير الدراجات الهوائية، وذاك لبيع الأكسسوارات المشغولة يدوياً حيث ترسم مجموعة من الفتيات حجارة بتير بنقوش لا تكررها، وتصبح قلائد غريبة وجميلة وبألوان عصرية، وهناك صابون طبيعي وهناك عسل نحل طبيعي. كل هذا شاهدنا نماذج منه في المتحف وفي الطابق الثاني يوجد مصنع الخزف، أما في الثالث فقد خصص للاعتكاف وأشياء أخرى..
غرفة الاعتكاف
صعدنا الدرج، باب كبير وآخر صغير في استقبالنا، أما الصغير فهو خاص بالقطط التي يربيها سلطان وتساعده على الاعتكاف، هي غرفة كبيرة مجهزة كما يقول للتأمل والاعتكاف، وفيها يخرج مع أصدقاءه بأفكار "جهنمية" لمشاريع يمولها لصالح القرية. أما هو فيعتكف لأسباب كثيرة منها الكتابة والرسم والحب. خرجنا من الغرفة إلى شرفة كبير تطل على مشهد طبيعي من الجنة.
الحب للسلطان
"لقد فتنتني ثم فتتني، ثم بعثرت أجزائي، ثم أعادت تركيبي ثانية من سلطان آمر مسيطر إلى رقيق رخيص جاثم عند قدميها أبكي متوسلاً"، هذه حال سلطان الذي كان في يوم من الأيام يريد الزواج بشكل تقليدي، فذهب للتعرف بفتاة، شاءت الأقدار أنه أحب أختها لعامين، دون أن يستطيع الزواج بها فقد كان صعباً على العائلة المحافظة تزويجه ابنتها التي يحب بينما زارهم أول مرة للتعرف بشقيقتها الكبرى والتي لم يحصل بينهما توافق منذ البداية. اليوم مازال هائماً يبحث عن الحب فيحترق فناً وشعراً واعتكافاً.
فقيرة سياحياً
رغم كل هذه المحاولات إلا أن عدد السياح لا يوازي قيمتها وجمالها، هي بحاجة غلى مشاريع تنموية واستثمارية جاذبة للسياحة، فهي فقيرة حتى من بيوت الضيافة والفنادق، وفقيرة من المنتجعات والمنتزهات السياحية التي خلقت لبتير ويمكن أن تدر المال.


بين مدينة المسيح عليه السلام بيت لحم، ومدينة القدس مسرى النبي محمد (ص) تقع قرية بتير والتي أدرجتها منظمة اليونسكو إلى قائمة التراث العالمي، لمشهدها الطبيعي الخلاّب الذي حفر أهل القرية له طريقاً من الحجارة وابتدع طرقاً كثيرة لجذب السياح.. فيها ولد رائد التنمية في العالم العربي وفيها سكة الحديد الذي بناها العثمانيين وأقدم نظام مائي عالمياً وآثار كنعانية تعود لخمسة آلاف عام من الحضارة.. ومع ذلك فهي قرية فقيرة في بنيتها التحتية السياحية!
فصح البيض
صادفت زيارة صحيفة القبس الكويتية لبتير احتفال سبت النور أول أيام عيد الفصح الشرقي، ويقصد به النور المقدس الذي خرج من المسيح بعد دفنه في قبره في كنيسة القيامة في مدينة القدس، ويستمر العيد لأسبوع يأتي ختاماً لصيام مدته أربعين يوماً، ينتهي بعشاء الخميس تيمناً بالعشاء الأخير للمسيح عليه السلام مع تلاميذه ثم الصلاة في اليوم التالي فيصرخ المصلين أثناءها: المسيح قام حقاً قام. حين وصلنا بيت لحم كانت تجوب المدينة فرق الكشافة والطوائف المسيحية المحلية والعربية ومنهم اقباط مصر الذين وصل عددهم أكثر من خمسة آلاف حاج. يتميز العيد بالبيض المسلوق الملون والمزركش الذي تعود فكرة تلوينه للقديسة مريم المجدلية التي ذهبت تحتج لقيصر روما على صلب المسيح فلم يصدقها إلا اذا حولت لون البيض إلى أحمر وهو ما حدث حسب الرواية المسيحية.
شارع 60
كان المصور الصحفي وأستاذ الاعلام في جامعتي فلسطين الأهلية وجامعة الخليل مصطفى بدر بانتظار فريق القبس على الطريق الترابي مدخل القرية، من رام الله إلى بيت لحم ثم مررنا على قراها؛ الخضر وحوسان، وقبل وصولنا القرية شاهدنا شارع 60 الذي حفره الاحتلال الاسرائيلي ليصل بين المستوطنات من بئر السبع جنوباً وحتى الناصرة شمالاً، ومعظم الطريق يمر عبر مدن الضفة الغربية خاصة المنطقة (ج)، ويخترع طرقاً التفافية للمستوطنين تلتهم أراضي الفلسطينيين حين يكون الخيار دخول مناطق "أ" و"ب". وهناك سلسلة من الطرق أنشأتها اسرائيل لتضمن تواصل مستوطناتها.
"جنان" الماء
أشار مصطفى إلى منطقة "الجنان" التي بلفظها العامي تبدو وكأنها تعني الجنون لكنها حدائق، فالبلدة عبارة عن حدائق جميلة لوجود ثمانية عيون ماء تغذيها يعود عمرها لألفي عام، ولعل أشهرها عين البلد وعين جامع، وعين الفوار. هذه الينابيع هي نموذج لأقدم نظام مائي في العالم حسب اليونسكو حيث تتجمع المياه في البركة الرئيسة وتغلق مع غروب الشمس وتفتح عند الشروق وتوزع المياه على أهالي القرية بطريقة معقدة وبالقراط وحسب عدد أفراد كل عائلة.
أول سكة حديد في فلسطين
هذه هي إحدى محطات سكة الحديد التي تمر في بتير والتي أنشأها العثمانيين عام 1890 وتصل بين يافا والقدس، أول خط سكة حديد في فلسطين وفي الوطن العربي. كانت بتير قبل النكبة إحدى محطات السكة، وفيها سوق المحطة، لكنها لم تعد كذلك بعد أن استولت عليها اسرائيل، ورغم مرور 67 عاماً على ذلك ومروره القطار من القرية بأمان، إلا أن السلطات الاسرائيلية قررت بناء جدار الضم والفصل العنصري لدواعي أمنية كما تدعي، لكن الحقيقة طبعاً هي مصادرة المزيد من الأراضي لصالحها.
اليونسكو توقف الجدار والاستيطان
كان أكرم بدر والد مصطفى ورئيس المجلس القروي ينتظرنا في متحف سلطان الشامي وقد زودنا بمعلومات كثيرة عن بتير، هو الأب الروحي لفكرة تقديم ملف عاجل لمنظمة اليونسكو لضم القرية لقائمة التراث العالمي وهو ما حصل عام 2014 ليتوقف بناء الجدار والمستوطنة التي كانت ستلتهم ثلث أراضي القرية.
وكانت الحفريات الاسرائيلية قد اكتشفت تحت القلعة الرومانية في تلة القرية وجود قلعة كنعانية يبلغ عمرها أكثر من خمسة آلاف عام، وهي قلعة يوجد مثيلها في مدينة حلب السورية. كان يعتقد الاسرائيليين أنهم سيجدون دليلاً على التراث اليهودي، وحين اكتشفوا أصلها عادوا "خائبين".
الأخضر الزاهي والفتّان!
سرنا في الوادي بين المدرجات الحجرية التاريخية والتي وصل عدد أحجارها 200 مليون حسب احصائية اليونسكو، كانت شقائق النعمان قد شقت طريقها لعالم القرية، وسرنا فوق المدرجات الحجرية التي بناها أهلها ليتمكن السياح من الوصول للمدرجات وقبر حاكم روماني منحوت في صخرة كبيرة. هذا المشهد الطبيعي استحق جائزة ميلينا مركوري الدولية للقرية عام 2011 من اليونسكو كونها تحتوي مدرجات زراعية عمرها أربعة آلاف عام. وكان اهتمام اليونسكو اللافت أدى لافتتاح مكتب لها في القرية سابقاً عام 2007 وأجروا العديد من الدراسات وأرسلوا الخبراء للقرية. فيها سبعة آلاف دونم مزروعة بالزيتون والخضار وأشهرها الباذنجان ومنه تعد والدة مصطفى وجبة "المقلوبة" الشهية، والمتبل من مشوي الباذنجان.
القرية اليوم
تتبع القرية ومساحتها اثنتي عشرة ألف دونماً يقطن فيها 6500 نسمة لمجلس قروي بتير، أما المنطقة خلف السكة أي داخل مناطق الـ48 فتتبع بلدية القدس لكن دون الاستفادة من خدماتها، ويمنع السكان من الاستفادة من خدمات المجلس القروي، ويتم توفيرها بشكل غير قانوني -من وجهة النظر الاسرائيلية-.
حسن مصطفى "المنقذ"
بقي هو وأربعة عشر فرداً من القرية فقط، فقد هرب الجميع إثر مجزرة دير ياسين وما أشيع عنها من قتل واغتصاب وما اقترفته عصابات الهاجاناة لترويع السكان عام 1948، كان حسن هو من حاول اقناع أهل القرية بالبقاء، دون جدوى. قام ومن معه بإضاءة القرية ليلاً ونشر الغسيل نهاراً فتبدو مسكونةبينما احتلت اسرائيل قرى عديدة هجرها سكانها. وخلال اتفاقية رودس للهدنة عام 1949 بين الأردن واسرائيل، نجح حسن بإقناع الضباط الصهاينة والمحافظة على المنطقة خلف لاسكة والسماح للسكان بزراعتها مقابل ضمان مرور آمن للقطار متسلحاً بأهل القرية الغائبين والذين عاد جزء منهم بعد ستة شهور.
أبو العطاء وأبو الناس
وصلنا مؤسسة حسن مصطفى التي يمولها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في الكويت، استقبلتنا ابنته ناديا مصطفى المؤلفة والباحثة، حدثتنا عن والدها الأديب والمؤلف، ففي هذه الصورة يفتتح مدرسة للبنات، وهناك مجلة القافلة التي كان كان رئيس تحريرها. هو حسن مصطفى البطمة رائد التنمية في المجتمع المحلي والعالم العربي بشهادة منظمة اليونسكو أنذاك، قيل عنه أبو الناس وأبو الريف. أسس نظاماً تعاونياً لدعم مشاريع تنمية القرية يشارك الجميع به، ومن يعترض يصبح شخصاً منبوذاً يضطر في النهاية للتعاون مجدداً، التعاون هو لتمويل المشاريع أما تنفيذها فيكون بسواعد أهل القرية. وكل هذا وأكثر خلال فترة قصيرة من حياته حيث توفي عام 1961 عن عمر يناهز 45 عاماً.
الفنان والشاعر المغمور
استقبلنا سلطان الشامي في متحفه واسمه "متحف سلطان"، وهو مكان يزخر بالجمال والأفكار والمشاريع، ومع فنجان الشاي الساخن ومطر نيسان المفاجيء، كانت رائحة لوحاته الخزفية تحكي حياة بتير القديمة، وعدداً من المدن الفلسطينية العريقة، وبعض التحف المتجددة بفكرتها. الكل في القرية وجهنا إلى سلطان، لأنه يعيش ويعمل نحو هدف واحد هو تنمية بتير التي يستحق تاريخها. أسس شركته قبل عشر سنوات وقرر بيع ابداعاته الفنية إلى العالم وطبع عليها: صنع في بتير، وصدرها حتى إلى اسرائيل والتي لم تعد تبتاع تحفه اليوم بسبب حملة مقاطعة البضائع الاسرائيلية في الضفة والتي يشارك بها. قال لنا سلطان بفخر يستحق: بعت حتى الآن 2.5 مليون قطعة في أنحاء العالم، في الوقت الذي سخر مني الكثيرين لوضع اسم بتير غير المعروفة على القطعة لكنني كنت أقول لهم بأنه سيأتي الوقت ليعرفها العالم وفعلاً هناك الكثير من السياح تأتي إلى فلسطين بحثاً عن بتير.
بتير في عام 2020 أكيد أحلا
قادته أحلامه إلى انشاء مؤسسة "بتير 2020" والتي تتضمن خطة تنمية القرية تجعلها الأولى سياحياً ومستقلة اقتصادياً تتضمن 45 مشروعاً صغيراً وعشرة مشاريع استراتيجية تدر دخلاً وتشغل أبناء القرية، وكلها يدعمها سلطان، فهذا مشروع لتأجير الدراجات الهوائية، وذاك لبيع الأكسسوارات المشغولة يدوياً حيث ترسم مجموعة من الفتيات حجارة بتير بنقوش لا تكررها، وتصبح قلائد غريبة وجميلة وبألوان عصرية، وهناك صابون طبيعي وهناك عسل نحل طبيعي. كل هذا شاهدنا نماذج منه في المتحف وفي الطابق الثاني يوجد مصنع الخزف، أما في الثالث فقد خصص للاعتكاف وأشياء أخرى..
غرفة الاعتكاف
صعدنا الدرج، باب كبير وآخر صغير في استقبالنا، أما الصغير فهو خاص بالقطط التي يربيها سلطان وتساعده على الاعتكاف، هي غرفة كبيرة مجهزة كما يقول للتأمل والاعتكاف، وفيها يخرج مع أصدقاءه بأفكار "جهنمية" لمشاريع يمولها لصالح القرية. أما هو فيعتكف لأسباب كثيرة منها الكتابة والرسم والحب. خرجنا من الغرفة إلى شرفة كبير تطل على مشهد طبيعي من الجنة.
الحب للسلطان
"لقد فتنتني ثم فتتني، ثم بعثرت أجزائي، ثم أعادت تركيبي ثانية من سلطان آمر مسيطر إلى رقيق رخيص جاثم عند قدميها أبكي متوسلاً"، هذه حال سلطان الذي كان في يوم من الأيام يريد الزواج بشكل تقليدي، فذهب للتعرف بفتاة، شاءت الأقدار أنه أحب أختها لعامين، دون أن يستطيع الزواج بها فقد كان صعباً على العائلة المحافظة تزويجه ابنتها التي يحب بينما زارهم أول مرة للتعرف بشقيقتها الكبرى والتي لم يحصل بينهما توافق منذ البداية. اليوم مازال هائماً يبحث عن الحب فيحترق فناً وشعراً واعتكافاً.
فقيرة سياحياً
رغم كل هذه المحاولات إلا أن عدد السياح لا يوازي قيمتها وجمالها، هي بحاجة غلى مشاريع تنموية واستثمارية جاذبة للسياحة، فهي فقيرة حتى من بيوت الضيافة والفنادق، وفقيرة من المنتجعات والمنتزهات السياحية التي خلقت لبتير ويمكن أن تدر المال.



