قانون أملاك الغائبين أداة الاحتلال لتهويد القدس

قانون أملاك الغائبين أداة الاحتلال لتهويد القدس
الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد ابو نحل

رئيس وحدة المتابعة والرصد الإعلامي

نائب رئيس المركز القومي للبحوث العلمية

 يّتفننّ الاحتلال الصهيوني المُجرم في اغتصاب الأراضي الفلسطينية، ويشن هجمة مسعورة تتركز اليوم على إنهاء وتدمير المقدسات الإسلامية والمسيحية وخاصةً المسجد الأقصى المبارك ومسحهُ من فوق سطح الأرض، ويُعد موافقة محكمة العدل العليا الإسرائيلية على قانون أملاك الغائبين استباحة لما تبقى للفلسطينيين في مدينة القدس المحتلة.
ولقد استطاعت العصابات الصهيونية الاستيلاء على فلسطين عبر أولاً الحرب العسكرية المؤيدة بالدعم الغربي والأوربي، لما يربط الأولى من علاقة تعاقدية نفعية بالثانية والنقطة الثانية كانت حرب 1948م عملية عسكرية كبرى لسرقة واغتصاب الأرض الفلسطينية وطرد أصحابها الأصليين، وتمكنت العصابات من احتلال 77 % من أرض فلسطين وتدمير معظم القرى الفلسطينية التي وقعت تحت سيطرته، وتهجير أغلب أهلها، وبلغت القرى المدمرة 478 قرية من أصل 585 قرية كانت قائمة في الأرض المحتلة.  إن قانون أملاك الغائبين يتألف من تسع وثلاثين مادة, وقد أقرته الكنيست الإسرائيلية بعد اغتصاب فلسطين التاريخية بعامين وذلك في  14/3/1950 ونشر في كتاب القوانين في 30/3/1950, واعتبر قانوناً معدلاً لأنظمة الطوارئ (أملاك الغائبين) الصادرة في 12/12/1948 وبديلاً لها ابتداء من 31/3/1950. ويعد هذا القانون من أغرب القوانين في العالم، فهو الوحيد الذي يسمح للسلطات المحتلة بمصادرة جميع أملاك أولئك الذين تركوا أرضهم خوفاً من الحرب، حتى وإن كانوا قد غابوا عنها لبضع ساعات فقط وانتقلوا إلى قرية مجاورة، وحتى الذين ما زالوا يعيشون كمواطنين شرعيين في دولة الاحتلال؛ ويحتوي القانون على عدد من المواد التعسفية التي تعطي الحارس حرية شبه مطلقة في وضع اليد على الأراضي، وتجعل الاعتراض على إجراءاته أمراً بالغ الصعوبة؛ وبات من المؤكد أن مدينة القدس تتعرض لخطر شديد وداهم وذلك قديمًا منذ جعلها العاصمة الكبرى للكيان الصهيوني وكان من أهم الأهداف والركائز التي قام عليها المشروع الصهيوني؛ وقبل الدخول في قانونية التشريعات الصهيونية، لا بد من الإشارة إلى أن الكيان الصهيوني كيان لا يملك دستوراً مكتوباً يتضمن تنظيماً شاملاً لشكل الدولة والعلاقات بين السلطات وحقوق الأفراد وواجباتهم. فالهيكل القانوني فيه ما يزال مستمداً من خليط من القانون العثماني والقانون الإنجليزي إضافة إلى التشريعات التي أصدرتها لجنة الدستور والقانون والعدالة في الكنيست من خلال مجموعة من القوانين المسماة بالقوانين الأساسية المصادق عليها أمام الكنيست لتشكل فيما بعد دستوراً للدولة، إضافة إلى نوع أخر من القوانين ذات الصفة المؤقتة المرتبطة بحالة معينة تنتهي بانتهاء الغرض المطلوب منها، ولعل السبب الرئيس في تأجيل وضع دستور للكيان الصهيوني هو عدم اكتمال الصيغة النهائية للمشروع الصهيوني القائم على الفكر التوسعي من الناحية العملية على حساب الفلسطينيين والعرب، إلا أن المعطيات العامة تشير إلى أن استمرار هذا الكيان حتى اليوم دون دستور متكامل يعني توفر قدر واضح من الاتفاق العام حول القضايا الأساسية فيه، خصوصاً فيما يتعلق باغتصاب الأرض وسياسة تهويدها على أرض الواقع. و بناء ً على ذلك فقد قامت السلطات المحتلة بضم مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية بدعوى المصلحة العامة، إلا أنها في الحقيقة كانت للمصلحة اليهودية بشكل أساسي، فانتزاع الأراضي والأملاك الخاصة من أصحابها الأصليين هو إجراء ترفضه جميع القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، وميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول الملحق بها ضمن جرائم الحرب؛ ذلك أن جملة مبادئ قوانين الحرب الدولية تسري على الحرب عام 1948 بين الدول العربية والكيان الصهيوني. فقضية اللاجئين الفلسطينيين كانت نتاجاً طبيعياً لهذه الحرب، وبالتالي فلا يمكن بحال من الأحوال استثناء الصراع العربي الصهيوني من القانون الدولي الإنساني، فالمادة من الأنظمة الملحَقة بمعاهدة لاهاي بخصوص قوانين الحرب البرّية من عام 1907 نصت على ضرورة احترام حقّ الملكية الخاصة، وهي تحظر بشكل صريح مصادرة أملاك خاصة، فقد نصت هذه المادة على أنه: « ينبغي احترام شرف الأسرة وحقوقها، وحياة الأشخاص والملكية الخاصة، وكذلك المعتقدات والشعائر الدينية. ولا تجوز مصادرة الملكية الخاصة  .ومن جهة أخرى يعتبر هذا القانون خرقاً رسمياً صريحاً لنص قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1947. كذلك يبلور هذا القانون بصورة نهائية الموقف لدولة الاحتلال المعارضة لعودة الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم، بالمقابل فإن الإجراءات الصهيونية من بيع وخصخصة ومصادرة أملاك الغائبين إلى طرف ثالث يخالف نصوص قانون أملاك الغائبين نفسه. وإن قانون أملاك الغائبين الصادر في العام 1950 كان متعلقاً بكل من له عقارات وله أملاك ويسكن في الخارج في دول معادية للاحتلال، مثل اللاجئين، وكانت تتحرج إسرائيل في السابق من وضع اليد على أملاك الأشخاص الذين أبعدوا أو هجروا من القدس وسكنوا في الضفة الغربية مثلاً و"هذا القانون في الفترة الماضية لم يكن مصادقا عليه من قبل محكمة العدل العليا للاحتلال، ولكن كان الاجراء ساريا بدون قرار المحكمة، وما يجري الآن هو شرعنة هذا الموضوع قانونيا" وتجسيده وتطبيقهُ على أرض الواقع؛ و بصدور هذا القرار من أكبر هيئة قضائية لدى الاحتلال، المصادرة لا تكون فقط لمن هو خارج البلاد ويسكن في دولة معادية، بل تشمل كل من يسكن الضفة الغربية من أهل القدس، أو أبعد عنها قصرا كما حصل مع النواب، وهذه الخطوة قد تمسنا كنواب مبعدين عن القدس، إضافة إلى أن القانون يشمل من يسكن خلف الجدار، ونصف المقدسيين اليوم فرض عليهم أن يعيشوا خلف الجدار، وكثير منهم لهم عقارات وأملاك خلف الجدار من جهة الاحتلال، ولذلك فإن هذا القانون على درجة بالغة من الخطورة". أن الاحتلال يريد أن يصادر أكبر كم من العقارات من مدينة القدس، ولفرض أكبر كم من الوقائع ضد الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية في مدينة القدس".
إن دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى وفق استراتيجيات وخطط فيما يتعلق بمدينة القدس، إلى إدارة معركة مفتوحة ويريد أن يهود القدس على كل الجبهات من خلال سياسات متنوعة، منها ابعاد القيادات والنواب وسحب الهويات ومصادرة الأراضي وهدم البيوت واعتقال المقدسيين. وتعتبر هذه الإجراءات تأتي في سياق معركة 2020 التي أطلقها الاحتلال منذ سنوات، وهي الرؤية التي يريد أن يرى فيها الاحتلال مدينة القدس في العام 2020، بأن تكون مدينة القدس بأقلية فلسطينية لا تتعدى 12%، من أصل 36% موجودة الآن، حيث "يريد أن يرى هذه المدينة بأقل مساحة سكانية جغرافية يسيطر عليها تجمعات فلسطينية مفصولة عن واقعها الفلسطيني وواقعاه العربي والإسلامي، حتى يؤكد ويجذر على أرض الواقع فكرة يهودية القدس كعاصمة الدولة اليهودية التي يجمع عليها الكل الإسرائيلي بأن القدس الموحدة هي عاصمة دولة الاحتلال الأبدية وبذلك يحطموا الحلم الفلسطيني في إقامة دولتهم الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية لأن الاحتلال لا يريد ولن يعطي الفلسطينيين لا قدس شرقية ولا غربية وإجراءاتهُ على الأرض تُبرهن ذلك النهب والسلب والاغتصاب لأملاك الغائبين من أهالي القدس الشريف بل كذلك طرد سكان القدس  المُقيمين والمرابطين فيها؛ والقدس تستغيث و تصرخ واسلاماه وعرباه فهل من مستجيب؟ فهل من صلاح الدين ليحررها من جديد؟. 

التعليقات