سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين
رام الله - دنيا الوطن
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، ولزوم أمره، وعمارة قلوبنا بذكره، وأحذّركُم وأحذّر نفسي من أن نقع في محذور معصيته، وتنكُّر جميل عطائه وإنعامه علينا، وعدم المبالاة بوعده ووعيده. وهنا، أذكّركم وأذكّر نفسي بضرورة الاستفادة من هذا الشّهر؛ شهر رجب، الَّذي يشكّل إحدى المحطات الّتي جعلها الله لنا، لنتزوّد منها بما يعيننا أكثر على مواجهة تسويلات نفسنا الأمّارة بالسّوء، وتسويلات شياطين الجنّ والإنس، ولنحصل فيها على كلّ ما وُعِدَ به الصّائمون والقائمون والذاكرون والمستغفرون والأبرار، وما وعد الله به عباده من عظيم الأجر. بذلك، نحسن إلى أنفسنا، ونكون أكثر قدرةً على مواجهة صعوبات الحياة وتحدّياتها وهمومها ومشاكلها.
أقفل الأسبوع الفائت على عددٍ من الأحداث:
استعدنا في الثالث عشر من شهر نيسان، ذكرى مرور أربعين سنة على بداية الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة الَّتي استمرَّت خمس عشرة سنة؛ هذه الذكرى الّتي لا نزال نعاني آثارها ونتائجها في واقعنا الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ.
ونحن هنا، لا نريد أن نستعيد هذه المناسبة لنذكِّر بالصّور الأليمة، وبكلّ ما جرى في تلك المرحلة من مآسٍ، فهذا لا يجدي نفعاً، ولا ينتج سوى المزيد من الأحقاد والضغائن الَّتي نحن بأمسّ الحاجة إلى نسيانها.
إنّنا نريد استعادة هذه الذكرى للتعلّم من دروسها وعبرها والتمعّن فيها، كي لا تتكرّر، ولا سيّما أنّ كلّ الأجواء، مع الأسف، مهيّئة لتجدّدها، وإن بأشكال أخرى وعناوين مختلفة، وقد نرى البعض متحمّساً لعودتها، ويتمنّى لو تحدث مجدّداً. فالاحتقان الطّائفيّ والمذهبيّ والانقسام السّياسيّ، لا يزال موجوداً وبقوّة، وربما أقوى مما كان، والتّدخلات الخارجيّة لا تزال حاضرة، فلكلّ فريق مرجعيّته الخارجيّة، ولكلّ طائفة دولة تستند إليها لتقوّي موقعها بين الطَّوائف الأخرى، بل باتت التدخّلات أكثر، وتصل إلى التّفاصيل.
ومع الأسف، نقول: ليس هناك دولة فاعلة تمتلك قرارها والأمر بيدها، بل هناك دولة الحساسيّات والمحاصصة؛ دولة تجمع الطّوائف والمذاهب والمواقع السياسيّة؛ دولة تستطيع أن تبقى بلا رئيس، أو بلا مجلس نيابيّ، أو حتى يمكنها أن تدبّر أمورها بلا مجلس وزراء، لولا بعض الشَّكليات.
إنّنا نستطيع أن نقول إنَّنا لم ننته من الحرب، فهناك حرب باردة يخشى أن تتحوَّل في أيّ وقت إلى حرب حارة. صحيح أنَّ حكمة بعض اللبنانيّين ووعيهم، كان لهما دور في منع الفوضى والانفجار، ولكن ذلك ليس السَّبب الأساس، فالأمر يعود إلى قرار دوليّ ــ إقليميّ حاسم، من الَّذين يملكون قرار عدم تفجير السّاحة اللبنانيَّة وتهدئتها.
ويمكن لنا أن نستلهم الكثير من العبر والدروس من هذه الحرب، ونشير إلى أهمّها:
العبرة الأولى: عدم جدوى الحروب الداخليَّة، فهي لا تنتج سوى الدمار والخراب. وإذا كان هناك من مكاسب، لأنَّ البعض يتحدَّث عن مكاسب حصلت في لبنان من خلال اتفاق الطائف، فهي ليست بمستوى ما ولَّدته هذه الحروب من ضحايا ودمار ومفقودين لم يعرف مصيرهم إلى الآن.
فأكثر ما تصل إليه هذه الحروب، هو تسوية تقوم على قاعدة اللاغالب واللامغلوب، وهذا ما حصل في لبنان، وأيّ تسوية في الداخل على أساس الغالب، هي مشروع لحرب جديدة.
العبرة الثّانية: لقد تأكَّد للبنانيين، وبعدما ذهبت حمى الحرب، وبدت نتائجها وأهدافها، كم كانوا انفعاليّين عندما استكانوا لمنطق من راح يثير مخاوف الطوائف والمذاهب من بعضها البعض.
لقد حصلت الفتنة، وتقاتل الجميع تحت عناوين وطنية، ولكنَّ الأهداف كانت طائفيَّة، والمحفّز فيها كان طائفيّاً، وانتهت الحرب ليتبيَّن للجميع أنَّها لم تكن لحساب المسلمين، ولسواد عيون المسيحيين، بل كانت على حسابهم جميعاً.
العبرة الثالثة: إنَّ الدَّول الكبرى والخارجيَّة غالباً لا تأخذ في الحسبان مصالح الطّوائف والمذاهب والمواقع السياسيَّة، بل تريدهم معبراً لمصالحها، فهذه الدول تقدّم الدّعم لهم، عندما ترى لها مصلحة في ذلك، وتمتنع عنه عندما تتبدّل مصالحها وتصبح في موقع آخر.
إنّ الدّول الكبرى وغير الكبرى، ليست جمعيَّة خيريَّة هدفها الحفاظ على مصالح الآخرين، بل هي تدفع المال لتملك قراراً تريده لحسابها.
أما العبرة الأخيرة؛ فهي أنَّ اللعب بالنّار الطائفيّة والمذهبيّة يحرق البلد، ويجعله أسيراً لا لتوترات الداخل فحسب، بل لتوتّرات الخارج أيضاً. ولهذا، نقول دائماً: حذار من اللعب بالنار الطائفية والمذهبية، وليبقَ الاختلاف على المستوى السّياسيّ فقط.
إنَّ اللبنانيين مدعوون إلى أن لا يكرّروا التجربة، بالتنكّر لأسبابها، فالمؤمن لا يُلدغ من جحرٍ مرتين. وتثبيت السّلم الأهليّ لن يكون إلا بترسيخ العدالة، وبتفعيل قيم الأديان، الّتي هي عنوان تميّز لبنان، وبنبذ الطائفيّة والعصبيّة والمذهبيّة، وباعتماد الحوار أسلوباً لحلّ الخلاف بين اللبنانيين، والجدل بالتي هي أحسن، وأن نأخذ من الخارج إيجابياته لا سلبياته، كي لا يبقى لبنان في مهبّ رياح الآخرين.
أما اليمن، فلا يزال على حاله من نزف الدم وهدم بنيته التحتيَّة ومنشآته الحيويَّة، حيث لا صوت يعلو في هذا البلد فوق صوت المعركة، التي لا تقف عند حدود ما يجري على الأرض، بل أيضاً ما يأتي من الجوّ والبحر.
لقد كنّا نرجو لقرار مجلس الأمن، أن يعيد السَّلام والأمن المفقوديْن في اليمن، وأن يقدّم حلولاً توقف النار، وتعيد إلى هذا البلد استقراره ووحدته، فهذا هو المطلوب من مجلس الأمن الراعي للسلام في العالم، لا أن يزيد الأمور تعقيداً حين يدخل على خطّ الصّراع الدّاخليّ، فيبدو فيه فريقاً لا حكماً.
إنَّ الحلَّ في اليمن لا يكون بإثارة المزيد من الهواجس والمخاوف، أو بزيادة شعور البعض بالغبن والتهميش وانعدام العدالة. وعلى الّذين يريدون الحلّ، أن يعالجوا الأسباب بدل النتائج.
وأخيراً، نضمّ صوتنا إلى كلّ الأصوات الَّتي وقفت مع قناة إعلاميَّة لبنانيَّة، هي قناة الجديد، في ممارستها لحقّها في الحريّة الإعلاميّة المُصانة في لبنان، الَّذي يعدّ بلد الحريات.
وإذا كان من تجاوزات ترى هذه المحكمة أنها حدثت، فليكن القضاء اللبناني هو الحكم، فهذه المحكمة إنَّ اقتضتها ضرورة معيَّنة، وجعلتها خارج القضاء اللبناني، فالضرورات تقدّر بقدرها...
إنّنا ندعو الدولة اللبنانيَّة إلى أن تمارس دورها في هذا الأمر، فلا تكون على هامشه، حفاظاً على صدقيّتها ودورها تجاه مواطنيها.
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، ولزوم أمره، وعمارة قلوبنا بذكره، وأحذّركُم وأحذّر نفسي من أن نقع في محذور معصيته، وتنكُّر جميل عطائه وإنعامه علينا، وعدم المبالاة بوعده ووعيده. وهنا، أذكّركم وأذكّر نفسي بضرورة الاستفادة من هذا الشّهر؛ شهر رجب، الَّذي يشكّل إحدى المحطات الّتي جعلها الله لنا، لنتزوّد منها بما يعيننا أكثر على مواجهة تسويلات نفسنا الأمّارة بالسّوء، وتسويلات شياطين الجنّ والإنس، ولنحصل فيها على كلّ ما وُعِدَ به الصّائمون والقائمون والذاكرون والمستغفرون والأبرار، وما وعد الله به عباده من عظيم الأجر. بذلك، نحسن إلى أنفسنا، ونكون أكثر قدرةً على مواجهة صعوبات الحياة وتحدّياتها وهمومها ومشاكلها.
أقفل الأسبوع الفائت على عددٍ من الأحداث:
استعدنا في الثالث عشر من شهر نيسان، ذكرى مرور أربعين سنة على بداية الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة الَّتي استمرَّت خمس عشرة سنة؛ هذه الذكرى الّتي لا نزال نعاني آثارها ونتائجها في واقعنا الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ.
ونحن هنا، لا نريد أن نستعيد هذه المناسبة لنذكِّر بالصّور الأليمة، وبكلّ ما جرى في تلك المرحلة من مآسٍ، فهذا لا يجدي نفعاً، ولا ينتج سوى المزيد من الأحقاد والضغائن الَّتي نحن بأمسّ الحاجة إلى نسيانها.
إنّنا نريد استعادة هذه الذكرى للتعلّم من دروسها وعبرها والتمعّن فيها، كي لا تتكرّر، ولا سيّما أنّ كلّ الأجواء، مع الأسف، مهيّئة لتجدّدها، وإن بأشكال أخرى وعناوين مختلفة، وقد نرى البعض متحمّساً لعودتها، ويتمنّى لو تحدث مجدّداً. فالاحتقان الطّائفيّ والمذهبيّ والانقسام السّياسيّ، لا يزال موجوداً وبقوّة، وربما أقوى مما كان، والتّدخلات الخارجيّة لا تزال حاضرة، فلكلّ فريق مرجعيّته الخارجيّة، ولكلّ طائفة دولة تستند إليها لتقوّي موقعها بين الطَّوائف الأخرى، بل باتت التدخّلات أكثر، وتصل إلى التّفاصيل.
ومع الأسف، نقول: ليس هناك دولة فاعلة تمتلك قرارها والأمر بيدها، بل هناك دولة الحساسيّات والمحاصصة؛ دولة تجمع الطّوائف والمذاهب والمواقع السياسيّة؛ دولة تستطيع أن تبقى بلا رئيس، أو بلا مجلس نيابيّ، أو حتى يمكنها أن تدبّر أمورها بلا مجلس وزراء، لولا بعض الشَّكليات.
إنّنا نستطيع أن نقول إنَّنا لم ننته من الحرب، فهناك حرب باردة يخشى أن تتحوَّل في أيّ وقت إلى حرب حارة. صحيح أنَّ حكمة بعض اللبنانيّين ووعيهم، كان لهما دور في منع الفوضى والانفجار، ولكن ذلك ليس السَّبب الأساس، فالأمر يعود إلى قرار دوليّ ــ إقليميّ حاسم، من الَّذين يملكون قرار عدم تفجير السّاحة اللبنانيَّة وتهدئتها.
ويمكن لنا أن نستلهم الكثير من العبر والدروس من هذه الحرب، ونشير إلى أهمّها:
العبرة الأولى: عدم جدوى الحروب الداخليَّة، فهي لا تنتج سوى الدمار والخراب. وإذا كان هناك من مكاسب، لأنَّ البعض يتحدَّث عن مكاسب حصلت في لبنان من خلال اتفاق الطائف، فهي ليست بمستوى ما ولَّدته هذه الحروب من ضحايا ودمار ومفقودين لم يعرف مصيرهم إلى الآن.
فأكثر ما تصل إليه هذه الحروب، هو تسوية تقوم على قاعدة اللاغالب واللامغلوب، وهذا ما حصل في لبنان، وأيّ تسوية في الداخل على أساس الغالب، هي مشروع لحرب جديدة.
العبرة الثّانية: لقد تأكَّد للبنانيين، وبعدما ذهبت حمى الحرب، وبدت نتائجها وأهدافها، كم كانوا انفعاليّين عندما استكانوا لمنطق من راح يثير مخاوف الطوائف والمذاهب من بعضها البعض.
لقد حصلت الفتنة، وتقاتل الجميع تحت عناوين وطنية، ولكنَّ الأهداف كانت طائفيَّة، والمحفّز فيها كان طائفيّاً، وانتهت الحرب ليتبيَّن للجميع أنَّها لم تكن لحساب المسلمين، ولسواد عيون المسيحيين، بل كانت على حسابهم جميعاً.
العبرة الثالثة: إنَّ الدَّول الكبرى والخارجيَّة غالباً لا تأخذ في الحسبان مصالح الطّوائف والمذاهب والمواقع السياسيَّة، بل تريدهم معبراً لمصالحها، فهذه الدول تقدّم الدّعم لهم، عندما ترى لها مصلحة في ذلك، وتمتنع عنه عندما تتبدّل مصالحها وتصبح في موقع آخر.
إنّ الدّول الكبرى وغير الكبرى، ليست جمعيَّة خيريَّة هدفها الحفاظ على مصالح الآخرين، بل هي تدفع المال لتملك قراراً تريده لحسابها.
أما العبرة الأخيرة؛ فهي أنَّ اللعب بالنّار الطائفيّة والمذهبيّة يحرق البلد، ويجعله أسيراً لا لتوترات الداخل فحسب، بل لتوتّرات الخارج أيضاً. ولهذا، نقول دائماً: حذار من اللعب بالنار الطائفية والمذهبية، وليبقَ الاختلاف على المستوى السّياسيّ فقط.
إنَّ اللبنانيين مدعوون إلى أن لا يكرّروا التجربة، بالتنكّر لأسبابها، فالمؤمن لا يُلدغ من جحرٍ مرتين. وتثبيت السّلم الأهليّ لن يكون إلا بترسيخ العدالة، وبتفعيل قيم الأديان، الّتي هي عنوان تميّز لبنان، وبنبذ الطائفيّة والعصبيّة والمذهبيّة، وباعتماد الحوار أسلوباً لحلّ الخلاف بين اللبنانيين، والجدل بالتي هي أحسن، وأن نأخذ من الخارج إيجابياته لا سلبياته، كي لا يبقى لبنان في مهبّ رياح الآخرين.
أما اليمن، فلا يزال على حاله من نزف الدم وهدم بنيته التحتيَّة ومنشآته الحيويَّة، حيث لا صوت يعلو في هذا البلد فوق صوت المعركة، التي لا تقف عند حدود ما يجري على الأرض، بل أيضاً ما يأتي من الجوّ والبحر.
لقد كنّا نرجو لقرار مجلس الأمن، أن يعيد السَّلام والأمن المفقوديْن في اليمن، وأن يقدّم حلولاً توقف النار، وتعيد إلى هذا البلد استقراره ووحدته، فهذا هو المطلوب من مجلس الأمن الراعي للسلام في العالم، لا أن يزيد الأمور تعقيداً حين يدخل على خطّ الصّراع الدّاخليّ، فيبدو فيه فريقاً لا حكماً.
إنَّ الحلَّ في اليمن لا يكون بإثارة المزيد من الهواجس والمخاوف، أو بزيادة شعور البعض بالغبن والتهميش وانعدام العدالة. وعلى الّذين يريدون الحلّ، أن يعالجوا الأسباب بدل النتائج.
وأخيراً، نضمّ صوتنا إلى كلّ الأصوات الَّتي وقفت مع قناة إعلاميَّة لبنانيَّة، هي قناة الجديد، في ممارستها لحقّها في الحريّة الإعلاميّة المُصانة في لبنان، الَّذي يعدّ بلد الحريات.
وإذا كان من تجاوزات ترى هذه المحكمة أنها حدثت، فليكن القضاء اللبناني هو الحكم، فهذه المحكمة إنَّ اقتضتها ضرورة معيَّنة، وجعلتها خارج القضاء اللبناني، فالضرورات تقدّر بقدرها...
إنّنا ندعو الدولة اللبنانيَّة إلى أن تمارس دورها في هذا الأمر، فلا تكون على هامشه، حفاظاً على صدقيّتها ودورها تجاه مواطنيها.

التعليقات