نوباني : الكتابة أبدع ووسيلة لأقول من أنا

رام الله - دنيا الوطن-دعاء غزال
اسم تردد صداه في عالم الكتابة الأدبية، حتى غدا معشوقاً لكثير من القراء سواء في فلسطين أو خارجها، شاب مثقف وطموح ، دعم نفسه بنفسه، يستطيع أن ينتقي كلماته بدقة، ويجيب عن الأسئلة الموجهة إليه بكل ثقة، ليكشف لنا عن بعض جوانب حياته

يامن نوباني، كاتب فلسطيني في أواخر العشرينات من العمر، ولد في قرية اللبن الشرقية في مدينة نابلس، كانت ولادته الأسهل لأمه من بين إخوانه الستة كما تكرر والدته رحاب حين تجمعهم مازحة، كان رضيعا حين كان الملثمون يغلقون الطرق في الضفة وغزة والقدس بالمتاريس، يقذفون جنود الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة، يشعلون الإطارات ويخطون على الجدران عبارات الإنتفاضة الأولى، حين وصل عامه السادس رأى للمرة الأولى جنود الاحتلال وهم يعتلون سطح منزل جيرانهم، فبدا يدرك ما يجري حوله.

حياة من كبرياء

ينتمي "نوباني" الى عائلة بسيطة جداً، لم تفقد أحداً في حرب، ولم تستلم أوسمة في حرب لم تخضها، تعيش حروبها الذاتية على طريقتها، قتال في سبيل عيش كريم، فيقول واصفاً

أفرادها:" لدي أم وأب هادئين جداً لم يؤذيا أحداً منذ خلقا، وخمس أشقاء لو حشرتهم في زنزانة ضيقة جداً لقالوا لك: ما أقرب الشمس، ما أوسع الحياة، وشقيقة وحيدة هي شمسنا وظلنا إن اشتدت الشمس من فوقنا".

بدايات وأمنيات

لقد كان يامن قارئاً هادئاً جداً، لم يمسك كتباً كثيرة في بدايات قراءاته وإطلاعه على الأدب والكتابة، لكنه لم يكن يفلت كتاباً قد أمسكه بسهولة، كتب قليلة جداً، ملأى بفلسطين

وحين التحم بالقراءة أصبح متورط جداً بقراءة وعشق مريد البرغوثي ومحمود درويش وابراهيم جابر ابراهيم وأمجد ناصر وجمانة حداد.

يامن بدأ بالكتابة لحيفا، بكل ما كان يشعر به تجاه هذه المدينة، لكنه توقف عن الكتابة إليها مؤقتا لأنه لم يزرها بعد، ولا يريد أن يكتب لها مشاعر وصور ومواعيد وهمية

ويضيف:" أتمنى أن أدخل حيفا، ثم أكتبها، مللت الكتابة للحبيبة التي يزورها الناس والعشاق والأولاد والخيول، بينما أكتفي أنا بملاحقة قصائدهم وأحاديثهم وضحكاتهم وصورهم التذكارية عنها، أريدها ، لا أريد أن تطول أمنية اللقاء بها.

شق الطريق

الكتابة تمثل الكثير ليامن، فهي تعني بالنسبة إليه أنه يمارس حقه الطبيعي في الحياة، وفي صدد ذلك يقول:" قد نحرم ونفقد أشياء كثيرة، فتعوضنا الكتابة ولو بالقليل منها، هي أبدع وسيلة لأقول: من أنا".

وقد أدرك منذ البدء بالكتابة وحتى قبل النشر أنه سيصل يوماً ما الى مبتغاه، لكنه كان يمشي ببطء كما يقول، لم يعتمد يوماً على أحد في رفع يده والسير به نحو تحقيق ما يريد، لأنه يدرك جيداً أنها أسوء وسيلة للوصول، فقد ينجح البعض في ذلك، وآخرون يصيبهم الحظ، لكنه لم يكن يريد لا هذا ولا ذاك، فيقول:" كنت أريد أن أصل بكلماتي ولغتي وأسلوبي وإحساسي، ووصلت الآن أول الطريق، وها أنذر يمنة ويسرة، للأمام وللخلف، لأرى أين سيكون اتجاهي القادم، فأنا من يحدده، لا معجب ولا صديق ولا أديب ولا قريب ولا حبيبة".

صعوبات وتحديات

يقول يامن أن مسيرته التعليمية كانت صعبة للغاية، فكل ما واجهه كان صعباً، بدءاً من تغيير تخصصه الدراسي من علم النفس الى الصحافة والإعلام، مروراً بأيام دراسية كانت فيها أوضاع الضفة مُخيفة ومُذلة، لكنها خلقت تحدٍ لديه، ويكمل قائلا:" في الطريق ما بين قريتي"اللبن الشرقية" وجامعتي "النجاح الوطنية" في مدينة نابلس كانت تنتصب ثلاثة حواجز: زعترة ويتسهار وحوارة، وكانت جميعاً تتفق على تأخير الطالب والطفل والمريض والممرض والعامل والسائق والحامل والزائر والمتبضع والتاجر، لكنها جميعاً لم تقوَ على كسر أحدٍ منا، كانت تصيبنا بالتردد والخوف  والإهانة واليأس، لكنا لم نمت.

أما الجانب المهني فكان أصعب:" أحسست أني لن أجد عملاً في الصحافة بعد التخرج مباشرة، فراودتني فكرة أن أتدرب الحلاقة بعد سنة ونصف من دخولي الجامعة، وتدربت لمدة ستة أشهر، ثم فتحت صالون للحلاقة خاص بي، وبدأت أمارس المهنة منذ العام 2007م وما زلت فيها حتى الآن، تخرجت في حزيران 2011م ولم أجد عملاً إلا في نهاية 2014م"

لقد كان عمل يامن في الحلاقة إحدى المعيقات التي واجهته في الكتابة الأدبية، فربما يظن البعض أن الإحتكاك المتزايد بالناس يلهم في الكتابة، لكن هذا ليس صحيحاً من وجهة نظره، حيث أنه لم يستفد شيئاً يخص الكتابة من خلال عمله في الحلاقة، لأنه من النوع الذي يفضل الكتابة بعيداً عن الفوضى والناس والأحداث المباشرة.

صوفيا لا أحد

أما الإصدار الأول للكاتب فكان بعنوان "صوفيا لا أحد"، يتناول الكتاب حلماً بطفلة مشتهاة، ترويها النصوص التي جاءت في أغلبها قصيرة وسريعة ومفاجئة، يحاكي العثرات التي يلاقيها، وتلك التي يقفز عنها، وتلك التي يقع فيها، يخلقها من قبل أن تأتي، يكبر معها شيئاً فشيئاً، يمشي معها البلاد طولها وعرضها، ويكبران أكثر، أب وطفلة في البلاد المقهورة " لكنه يبقى حلماً جميلاً".

ذاكرة اللوز

"ذاكرة اللوز" عبارة عن نصوص طويلة وقصيرة، تحاكي واقع الإنسان الفلسطيني، ذكرياته، شقاءه، حبه الطفولي، مدنه وقراه ومخيماته وأبنيته وأشجاره، رحله القصيرة والطويلة، منفاه الخارجي وإغترابه الداخلي، قهوته، والنساء اللواتي مررن في حياته ولو صدفة، ديونه وبقالة الحي، زوجته وأطفاله وأجداده، ينابيع ماءه، وورده، بطولاته وهزائمه

طريق نجاح

يرى يامن أنه يجب على الكاتب ألا ينتظر نجاحاً أو سقوطاً، بل ردات فعل فردية وشخصية جدا، مع أن الكاتب لا يقصد شخصاً بعينه، ويضيف قائلاً:" النجاح الكبير أن يقرأك شخص ويحتاج كلماتك في كل موقف يمر به، لا أن يقرأك كل الناس فتؤثر بهم في موقف واحد يمرون به، قد يصل كتابك لعشرات آلاف القراء ويعجبون به وتنجح، قد تدعوك مؤسسة ثقافية لأمسيات أدبية، وتدعوك مكتبات لتروي حكايتك وتوقع إصدارك، هذا كله نجاح، لكن الأجمل أن يدعوك شخص لا تعرفه، لفنجان قهوة ويخبرك أنك كتبته أو لمسته".

اختلف فالتشابه فشل

ثمة مشكلة يعاني منها عصرنا الحالي، تكمن في أن لقب "الكاتب" أصبح يطلق على كل من تسول له نفسه الكتابة، ويرى يامن قلمه بعيداً عن هذه الواقعة الشائكة بأن يكون متميزاً في كتاباته، فمن وجهة نظره أن المشكلة ليست في أن يكتب الجميع، بل أن يتشابه الجميع، ويذكر يامن أنه يجب على الكاتب أن يكتب تجربته الشخصية والخاصة، وأن لا يكون مقلداً، فهناك الكثير من الكتابات التي انتشرت بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن تصل للمستوى المطلوب ودون أن تلبي طلب القارئ في تذوق أدب جميل وعميق، ومُدعاة هذا حب الشهرة السريعة والخاطفة، التي توقع الكاتب أحياناً في أماكن ليست أماكنه، وأزمنة لا تليق به، وقضايا أكبر منه، ويكمل قائلاً:" أنا شخصياً وقعت في فريسة الكتابة عن بعض حروبنا خاصة المواجهة في لبنان عام 1982م، وتابعت كل حرف وكل صورة تخص ذلك، فأرهقني الموضوع جداً، حتى أني لم أتمكن منه جيداً، لكني حاولت، والمحاولة شرف، لكن لا بد أن يعود الكاتب لترتيب نفسه بعد كل محاولة".
ويذكر أن الكل بإمكانه الكتابة ويقدر على ذلك، لكن ليس هذا هو المطلوب من الكاتب الحقيقي، وليس هذا ما سيصيبه بالشهرة، لذلك يقول يامن أن رسالته من خلال الكتابة تكمن في أن يختلف في أسلوبه عن الغير، في الزاوية التي ينظر الكاتب من خلالها للأشياء، أن يكتب الأشياء من المكان الذي تركه من سبقوه في الكتابة عنها، فكانت إحدى كتاباته:" اختلف فالتشابه فشل".

مواقع التواصل الإجتماعي

يقول يامن أن مواقع التواصل الإجتماعي كان لها دور في توصيل أعماله الأدبية الى الجمهور، لكنه يؤكد أن الأصل دائماً أن يكون العمل الأدبي يستحق الوصول، فالبعض قد يحالفهم الحظ بالانتشار بسبب مواقع التواصل، وآخرون على العكس تماماً فتقف مواقع التواصل حاجزاً أمام إبداعهم وفهمهم العميق للأمور والأشياء، لأن مواقع التواصل تعتمد في غالبيتها على مقتطفات بسيطة وقصيرة سرعان ما تنتشر بين الناس في ظرف يكونوا بحاجة لهذا السطر أو تلك الفقرة، دون أن يقرئوا ما جاء قبلها أو بعدها، وهذا فهم خاطئ، أن لا يأخذ القارئ السياق الذي خرجت منه الكلمات التي راقت له، فالحكاية من وراء الكلام دائماً هي الأصل والأهم، ويقول أيضاً:" ساهمت مواقع التواصل في إنتشار كتبي، لكنها لم تكن الأساس لانطلاقي، انطلقت بداخلي أولاً وآمنت أني أكتب جيداً، وأنه بإمكاني الوصول يوماً ما".

وفي نهاية حديثه، ذكر يامن أنه يستعد لإصدار روايته الجديدة " المسافة بيننا شهيد "وهو يدرك جيداً صعوبة كتابة الرواية ،فالدخول لعالم الرواية لا يحتاج فقط لكلمات أنيقة مرتبة، أو قصص يجمعها الكاتب من هنا وهناك، فهي تحتاج الى خبرته في الحياة وخبرته مما قرأ وعاش ومارس وأخطأ وفرح وحزن وأحب وأضاع وتوقع في حياته، ويضيف:"بدأت بكتابتها في شباط 2013م، وأنهيتها في تشرين الثاني 2014م، وكان من المقرر أن تصدر في آذار 2015م، لكني بعدما قرأتها 30مرة، وجدتها ضعيفة في 29مرة، وقوية مرة واحدة، لذلك أعدت صياغتها بأكملها وأتوقع أني سأنهيها وأصدرها نهاية هذا العام بطريقة أعمق وأبهى، حاولت فيها أن ألاحق كل فلسطيني، مع أني أعلم جيداً أنه ليس بإمكاني ذلك، لكني أحاول قدر المستطاع أن تكون رواية الشهداء والحب واللوز والطرقات".

التعليقات