باحثون عرب يبرزون دور المرأة في التأسيس لقيم الحوار والإبداع والتسامح الديني
رام الله - دنيا الوطن - إبراهيم عمر
انكشف مفكرون لبنانيونومغاربة الدور الجوهري الذي لعبته المرأة العربية منذ القدم وإلى الآن، في شتى المجالاتوعلى كافة الأصعدة الدينية والثقافية، في الدعوة إلى تثبيت قيم التسامح والتعايش والتصالحونبذ الفرقة على أسس عرقية أو دينية أو أيديولوجية، بما يضمن استمرارية حياة الشعوبوالمجتمعات التي عاشت فيها، وهو الدور الذي يكاد يغيّب إلا قليلاً، في السرديات والمحكياتالتي تروي قصص محاولات إرساء قيم التعايش والتسامح من طرف المرأة.
جاء ذلك في ندوةشهدها "صالون جدل الثقافي" التابع لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراساتوالأبحاث" بمقرها بالعاصمة المغربية الرباط، والتي كانت بعنوان "المرأة وترسيخ قيم الحواروالتسامح الديني والثقافي"، حيث تم التركيز على أهم الجوانب الرئيسة التي ميزتدور المرأة في اشتغالاتها الثقافية والأدبية والدينية للتثبيت لقيم التسامح في هذهالمجالات، صانعة بالتالي صورتها القوية في مجتمعات تميزت بطغيان الذكورية كثيراً، ومحققةبالتالي طموحها الكبير لإقامة شراكة مجتمعية قوية، وكذلك تدبير شؤون مجتمعاتها، ماضمن من البداية جوا من الحوار المفتوح بين أطرافه على أساس السير به نحو الأمام، والرقيبالذاكرة الجماعية للوطن العربي عموما، والرقي بالقيم المجتمعية والحضارية وخصوصا منهاتلك التي تتميز بالراهنية في طابعها وسياقها.
وقد عرفت الندوةمشاركة كل من الكاتبة والباحثة اللبنانية الدكتورة حُسن عبود، والمفكر والباحث السوسيولوجيالمغربي الدكتور محمد الناجي، والكاتبة والأكاديمية المغربية الدكتورة حورية الخمليشي،فيما سير أشغالها الكاتبة والناقدة المغربية الدكتورة زهور كُرَّام.عائشة... إمامة نسوية مجهضةانطلقت مداخلة المفكر المغربي محمد الناجي التي تمحورت حول الدور الكبير الذي لعبته عائشة زوجة النبيمحمد صلى الله عليه و سلم، والتي عنونها بـ "عائشة.. إمامة نسوية مجهضة"أو "عائشة.. قصة نسوية لإعادة الكتابة"، لتبرز أهم المحطات التي مرت منهاشخصية عائشة، كونها الشخصية التي كانت الأقرب إلى النبي من أي شخص آخر من صحابته، فيكل تفاصيل الدعوة المحمدية، لكن الصورة التي رسمت عنها في كتب التاريخ والحديث، كانتفي كثير من المواقف متناقضة، عندما نجد الحديث مزدوجا عن سيدة كانت لا تزال تستمتع بطفولتها، وفي الوقت ذاته سيدة عالمة روت أكثر الأحاديث عن الحياة الخاصة والقريبة لنبي الإسلام، ما يطرح عدة تساؤلات، خصوصا عن الشق المتعلق بسنها الذي أريد منه ماأريد، عند ترويجه تاريخيا من طرف كُتاب التاريخ، تماما كما حدث أيضا مع سن شخصية السيدةخديجة أولى زوجات النبي محمد صلى الله عليه و سلم، خصوصا مع انتشار طريقة وحيدة فينقل أخبار شخصيات هؤلاء الصحابيات اللواتي طبعن التاريخ الإسلامي، والتي استمرت بأسلوبواحد ووحيد متجل في النقل من كتب السيرة المعروفة والترجمة عنها، دون الالتفات إلىضرورة نقد ما ورد في هذا الشأن، حتى تعطى لشخصية المرأة المسلمة قيمتها وحقيقتها الكاملة.
وعرج الدكتورمحمد الناجي على مسألة سِن هؤلاء الصحابيات زوجات النبي، عندما أوضح بأن لا سن زوجةالنبي السيدة خديجة الذي حددته كتابات السيرة في أربعين سنة، ولا سن زوجة النبي بعدهاالسيدة عائشة الذي حددته نفس الكتابات في ست أو سبع أو تسع سنين، لم تكن منصفة بقدرما كانت تدخل في إطارات أيديولوجية في تلك الكتابات التاريخية لشخصيات نسوية كان سيكونلهن الشأن العظيم بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خصوصا عندما تميزت تلك الشخصياتفي حياة النبي وبعد موته بالقوة وإبراز الكفاءة والذات، وهو ربما ما لم يرق لكثيرينبسبب اشتداد الصراع على مراكز السلطة بعد وفاة النبي، باستثناء بعض من الكتابات التيأنصفتهن في مسألة السن، والتي ذكر منها الدكتور الناجي، ابن حجر العسقلاني الذي منحالسيدة عائشة سن 14 سنة عند زواجها من النبي، وهي الكتابات التي لم يتم الانتباه إليهاكثيرا أو تسليط الضوء عليها وبقيت في طي النسيان.
ويضيف الدكتورالناجي أنه ومع قوة شخصية السيدة عائشة، فإن الحل الذي كان مجديا في ظل الصراع علىالسلطة، كان بأمرين اثنين؛ أولا تصغير سن زواجها من النبي وحصر أسلوب حياتها وحصرهفي أسلوب لهو طفلة صغيرة، وثانياً بتوجيه تهمة الزنا إليها، وهو ما يؤكده القرآن بحادثةالإفك، ولذلك فإن إعادة قراءة التاريخ الإسلامي باتت ضرورية، وبالأخص في هذا الجانبالنسوي الإسلامي التاريخي، قراءة علمية يعاد معه ترتيب الذاكرة الجماعية.
وخلص الناجي إلىأن شخصية عائشة، هي شخصية نسوية فذة في التاريخ الإسلامي، تعرضت بالفعل إلى محاولةالاقصاء بطريقة أيديولوجية بدعوى صغر سنها، رغم إثباتها لنضجها ووجودها القريب ضمنأهم محطات النبوة، وفي الحياة الخاصة جدا للنبي محمد صلى الله عليه و سلم، وهو ما تأكدفي كتب التاريخ، ومن خلال المواقع التي تم الرجوع فيها، إليها للاستشارة معها في أهمتفاصيل حياة النبي، وهو ما يستدعي حسب الناجي إعادة قراءة التاريخ الإسلامي من جوانبهالخفية، بمقاربات تنويرية تخدم المشترك الجماعي عوض الانكباب على الأخذ من الأبوابوالمصادر الكبرى دون مراجعة أو نقد لما لا يمكنه أن يتقبل بالعقل. تجارب مبتكرة في السلم الأهلي أما الدكتور اللبنانيةحُسن عبود، فتعرضت في مداخلتها، والتي كانت بعنوان "تجارب مبتكرة في السلم الأهلي"إلى دور المرأة في ترسيخ الحوار المسيحي- الإسلامي في عدد من البلدان العالمية عموماوفي لبنان خصوصاً، من خلال تجارب مبتكرة دعت إليها مجموعات من النساء للتعارف والتلاقيودفع السلم الأهلي وحمايته. كانت على شكل حركات نسوية كـ (حركة درب مريم) في لبنانالتي كانت عبارة عن حركة سياحية دينية في الداخل اللبناني، نشأت بعد انتهاء الحرب الأهليةاللبنانية التي قطعت لبنان على مدى سنوات، والتي كانت سببا في استيقاظ اللبنانيين علىحاجة ملحّة للتعارف من جديد والتواصل على أسس من القيم والتسامح الديني والتفاعل الثقافيمما ساهم في عملية السلام بأيدي نسائية قوية، أثبتت جدارتها وقدرتها على إدارة المرحلة،ومن أهم هذه الرحلات التي ذكرت عبود، "رحلة عبيه-عاليه في فبراير (شباط) 2015".كما تعرضت عبودبالشرح لفكرة مشروع آخر يدعى "المشروع الأوروبي لتبادل المعرفة حول الأديان"،والذي ارتكزت فكرته على برنامج تعليمي أوروبي مدّته سنتين صُمّم لفهم وإدارة التنوّعالديني في أوروبا، حيث تمثل التعددية الثقافية والدينية إحدى سمات مجتمعاتِها المعاصرة،وهو المشروع الذي ساهمت لبنان في بنائه من موقع تجربتها الطويلة في التعايش، وفكرةالمشروع كما تذكر عبود، تتلخص في بناء مجتمعات متساوية في الحقوق والواجبات وسلميةفي التعامل في ما بينها.وبالإضافة إلىالتجربتين السابقتين، ذكرت الدكتورة حُسن عبود نقطة أخرى متعلقة بأحد الأعياد الوطنيةالتي أسست حديثا في لبنان، والتي تجمع بين اللبنانيين من المسلمين والمسيحيين على أساسوطني محض بعيداً كل البعد عن الاعتبارات الأيديولوجية، وهو ما يطلق عليه اسم"عيد البشارة"، وقد تم اختيار اسم البشارة الذي يعني تلك الأخبار السارّةالتي تلقّتها السيدة مريم عليها السلام من ربها بقبول إيمانها وطاعتها، والتي وردتفي القرآن الكريم والكتاب المقدس على السواء، وهذا العيد يقام كل يوم 25 (مارس) آذارمن كل عام منذ 2010، والذي تتلخص فكرته في كون المسلمين والمسيحيين يجتمعون من أجلإعادة إحياء القيمة الروحية والمكانة القيمية للسيدة مريم عليها السلام، كل حسب معتقداته،ودون معارضة أو تعصب، وبمشاركة الجميع من كل الطوائف الدينية المتعددة في لبنان، معاستدعاء شخصية دينية نموذجية كل عام، ترمز إلى الحضور المريمي الذي يجمع ولا يفرّق.جماليات نسويةعربية في الخطاب الإبداعيمن جانبها كشفتالباحثة المغربية الدكتورة حورية الخمليشي في مداخلتها التي كانت بعنوان "الجمالياتالنسوية العربية والإسلامية في الخطاب الشعري والروائي" أن الحضارة العربية الإسلاميةعرفت ذخيرة غنيّة من الدراسات الخاصّة بالأدب الذي أنتجته المرأة عبر العصور. وجمالياتالكتابة النسوية الإبداعية هذه، وضّحت دور المرأة في إثراء الثقافة العربية، إذ إنالإبداع النسوي ساهم أيضاً في إعطاء صورة أكثر إنسانية للعالم. وليس معنى هذا، أن الأدبيغيّر الواقع السياسي فقط، لكنه يساعدنا على فهمنا له.وذهبت الباحثةالمغربية المتخصصة في الكتابات والأجناس الأدبية، إلى القول بأن المرأة العربية قدنجحت على مستوى الكتابة الشعرية والروائية في التّأسيس لبُنى فكرية جديدة تؤسّس للرفعمن مستوى الذائقة الإنسانية، بما ينسجم مع القِيَم الإنسانية العُليا. ولكل منها صلةبالسياق التاريخي المتعلّق بالتّطوّرات والتّغيّرات التي شهدتها وضعية المرأة كمنتجةللنصّ الإبداعي، والتي جعلت المجتمعات العربية تتساءل حول ما إذا كانت فعلاً في حاجةدائمة إلى الشعر وإلى الرواية لتجديد الحوار مع ذواتنا ومع العالم وهمومه؟ وأضافت الباحثةأن "الإبداع النسوي بصفة عامة له أهمية كبرى في التّعبير عن قيمة الحقّ وقيمةالجمال لما لهذا من دور في نشر أخلاق عالمية لثقافة الحوار والتسامح الديني والثقافي،ومدى غناه وفاعليته للبحث عن الحقيقة في المختلف والمتعدّد لمقاومة موجة التّطرّف الدينيوالفكري. وهذا ما تتطلّبه الثقافات الكبرى في كل العالم ومنها الثقافة العربية والإسلامية"،حسب الخمليشي، التي تشير إلى أن هذا هو "سمة كل الآداب الرّاقية؛ فالثقافة لايقتصر دورها على ما يقدّمه المثقّف من إنتاج فكري وأدبي وإبداعي، بل تتعدّى ذلك إلىقوّةٍ فاعلةٍ في تقويم سلوك الفرد".وأضافت الخمليشيأن "الثقافة تواصلٌ وعلاقاتٌ ونمطُ حياة. وما يُميّز الأدب العربي هو أنه إسلاميمسيحي يهودي. والأدب الإسلامي عربي وغير عربي، في حين أن الحضارة الأوروبية ارتكزتعلى الدين الواحد. كما أن العروبة لم تُشِر إلى جنسٍ أو عرقٍ. واللغة العربية ليستمن اختصاص المسلمين، لأن المسيحيين كانوا عرباً قبل نشوء الإسلام. وقد نجح الأدب العربيوالإسلامي في العديد من مراحله التاريخية في تحقيق الانسجام الثّقافي وِفقَ رؤيةٍ منفتحةٍ،تبتغي الجمال والحرّية، بعيدة عن أي أهداف سياسية وأيديولوجية إلا ما تقتضيه الرّوحالإنسانية المشتركة.
وهذا ما شهدَته العديد من المجتمعات العربية في مجتمعات اختلفت معتقداتها الدينية".كماتعرضت الخمليشي إلى أهم النماذج النسائية في هذه السياقات بدءا بالصورة التي شكلهاالمتصوفة عن الحقيقة النسائية، ثم الحديث الوافر عن الإبداعات النسائية في شتى الخطاباتالعربية والإسلامية، انطلاقا من القرآن الكريم والسيرة النبوية، ومرورا بدور المرأةفي الارتقاء بالثقافة العربية، ودورها القوي في التأسيس للرواية والشعر وباقي الأجناسالأدبية، والتي شكلت به منبعا للتسامح الديني.

التعليقات