موسيقى الغجر

موسيقى الغجر
بقلم : رهام عودة

تشتهر الدول الأوروبية  بجمال طبيعتها الخلابة و بمدى رقي شعبها وحضارته الذي يتبنى كافة أنواع الفنون و الثقافات ، لكن  أشد ما يدخل البهجة إلي قلوب السائحين المتجولين في شوارع أوروبا هو استماعهم لنغمات موسيقى جذابة  تطرب الأذن و تداعب مشاعرهم أثناء تجولهم على سبيل المثال في محطات المترو أو بعض الأحياء الرئيسية .

 إنها موسيقى فريدة  من نوعها ومجانية أحيانا حيث يمكن للسائح أن يتبرع  بعدة سنتات و يضعها في طبق معدني أمام العازف و يمكنه في نفس الوقت أن يستمع دون أن يضطر أن يدفع شيئاً !

لأنه بكل بساطه هدف  هذا العازف ليس فقط الربح أو التسول بل هدفه أسمى من ذلك وهو نشر فن الشارع الأصيل .

 إنه بكل بساطه الفن الغجري، الذي يعبر عن مدى رقي و ذوق قبائل متنوعة من الغجر قد ظلمتها معظم شعوب العالم على مر التاريخ ، وتعرضت لأبشع أنواع التعذيب و الانتهاكات ضد  حقوقها الأساسية ، منذ الحرب النازية التي شنها هتلر ضدهم،  مرورا بالديكتاتور الراحل فرانكو حتى عصرنا هذا، الذي مازالت تلك الجماعات تعاني من العنصرية و التهميش في الدول العربية و بعض الدول الأوروبية.

وبالحديث عن تاريخ الغجر ، لابد أن نعي جيدا أن الغجر لهم عدة أصول متنوعة، فمنهم من جاء من الهند و إيران ومناطق وسط وجنوب أسيا ، حيث هاجروا من أراضيهم في حوالي القرن الرابع الميلادي ووصلوا إلي المجر و صربيا ثم انتشروا بعد ذلك في بولندا وروسيا و السويد وانجلترا و اسبانيا.

و يعيش الغجر أيضا في فلسطين وهم  يلقبون ب "النور"  حيث استقر عدد كبير منهم في نابلس و القدس وغزة ، وبعد عام 1948 تهجر الغجر كباقي أبناء الشعب الفلسطيني، واستقر معظمهم في الأردن ، والقسم الآخر اتجه نحو مخيم جباليا في غزة.

وفي المدن الفلسطينية ، احترف النور الرقص و الغناء و أعمال السيرك و الحركات البهلوانية ، ومارس بعضهم أعمال قراءة الطالع  و التنبؤ بالمستقبل.

و يعاني قبائل  الغجر في الدول العربية  بشكل عام وفي فلسطين بشكل خاص  من انتهاكات كبيرة في حقوقهم  الأساسية تتمثل فيما يلي:

-         معاملة عنصرية و نظرة دونية من العرب تجاه قبائل و أبناء الغجر.

-         امتناع العرب عن الزواج  و الارتباط بأبناء الغجر بسبب اختلاف الأصل.

-         التمييز ضد أطفال الغجر في المدارس مما يؤدي إلي تسرب الأطفال من المدارس.

-         عدم اهتمام الحكومة بمشاكل الفقر و البطالة التي يعاني منها الغجر مما يضطرهم ذلك إلي التسول بالشوارع.

-         استغلال القدرات الخاصة  التي يمتلكها الغجر في مجال علوم الفلك و التنبؤ بالمستقبل  وذلك  في تسخيرهم  لتنفيذ أعمال دجل وشعوذة.

-         استغلال الغجر من قبل بعض العصابات المجرمة في تنفيذ أعمال سرقة و نصب و أفعال غير قانونية.

-         الضغط على الغجر ومنعهم من ممارسة أعمالهم الأصلية التي تتمثل بالفن و الغناء.

-         تقييد حرية الغجر في التنقل و الترحال و حصرهم في مناطق سكنية  مهمشة .

لذا نستطيع القول بأن الغجر في كافة أنحاء فلسطين و الدول العربية  تعرضوا لعدة أنواع من الانتهاكات  ولابد من أن يتم رد الاعتبار لتلك القبائل الغجرية لأنها جزء لا يتجزأ من فئات المجتمع ،  لها حقوق و واجبات ، حيث إذا لم يتم معالجة مشكلات الغجر بشكل جدي  فإن ذلك سيؤدي إلي تفاقم مشكلة التسول في الشوارع وسيؤدي إلي زيادة العنف في المدن ، بالإضافة إلي ذلك فسوف تتأزم  قضية  عمالة الأطفال  التي معظم  ضحاياها هم من أطفال الغجر ، لذا لابد من أن يتم دمج أطفال الغجر في المدارس و تقديم لهم الرعاية الاجتماعية و الصحية الكافية.

و أعتقد أيضاً أنه ، لابد من تخصيص برامج تشغيل بطالة لشباب الغجر ودمجهم في المجتمع حتى لا يضطر هؤلاء الغجر للتسول في الشوارع ، وتقع هذه المسئولية  بشكل أساسي على عاتق وزارة العمل الفلسطينية التي يجب أن توفر لهم فرص عمل كريمة ، أما بالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني فيقع على عاتقها نشر التوعية بين فئات المجتمع المختلفة في مجال احترام حقوق الإنسان وعدم التعامل بعنصرية مع أي فئة بالمجتمع  بغض النظر عن الأصل و الجنس أو الديانة .

و أخيرا يمكننا القول بأنه بالرغم من  أن قبائل الغجر في فلسطين تعد  من الأقليات إلا و أنه لابد من أن  يعيش هؤلاء الغجر  بكرامة و يتم احترام حقوقهم في التعبير عن أنفسهم و عن فنهم بوسائل شرعية يكفلها لهم القانون.

التعليقات