تونس : الإرهاب ومعادلة الوفاق

تونس : الإرهاب ومعادلة الوفاق
د.لطفي السنوسي

كاتب وشاعر تونسي 

لا شك في أن استراتيجية الإرهاب التي اجتاحت العالم العربي تحتاج منّا وعيا استشرافيا ووقفة تدبر بعيدا عن التعصب والتشنج أو خلط الأوراق من أجل تصفية الحسابات ، فالإرهاب هو وليد الفوضى السياسية والأمنية، والفكرية قبل كل شيء، حيث استغلت كل التلوينات الإرهابية الدين والإختلافات المذهبية والرموز الدينية استغلالاً دموياً ستجني نتائجه الكارثية على رؤية الأجيال القادمة لمفهوم الدين والتديّن.

أما اليوم وقد استفحل الإرهاب ليصبح هماً عالمياً، ومهدداً كونياً بعد أن تحول من تنظيمات مجهولة النسب، غريبة عن الأرض وتاريخ أهلها إلى دويلات مترامية ومترابطة المفاصل ، فلن يكون هناك خيار من أن تعلن الدول العربية استراتيجية جديدة وموحدة لمجابهة السرطان الداهم الذي زرع في أحشاء الوطن العربي، وأن تضع استراتيجية بعيدة المدى من أجل تصحيح المناهج الفكرية التي ترسخت في أذهان البسطاء من الناس فخلطت الدين بالتراث و التراث بالمعتقد والمعتقد بالأسطورة، فالإرهاب وقع ويقع في الدول الفقيرة كما في الغنية ويقع في الدول الدكتاتورية كما يقع في الدول الديمقراطية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحديد سبب واحد فقط للإرهاب ولا حتى جملة معينة من الأسباب بل هناك عدد من الظروف المسبقة والرواسب المسَّبقّة لظهور أشكال معينة من الإرهاب.

والسؤال الملح في هذه اللحظة الراهنة : هل أن السلطة ومكونات المجتمع المدني والشعب التونسي برمته مستعدين بما فيه الكفاية من أجل خوض حرب على الإرهاب المحلي والإقليمي؟

إن واقع الحال في تونس بعد أربع سنوات من الثورة وبرغم ما تحقق من إنجازات على مستوى بناء الجمهورية الثّانية و تركيز الهيئات الدائمة المضمنة في الدستور، يشهد عجزا واضحا لجميع مكونات المجتمع  عن الوصول إلى الوفاق الوطني الحقيقي من أجل تحقيق المعادلة التونسية المتميزة، معادلة التعايش والمشاركة، فعلى إثر الحوار الوطني تمكّنت الأطراف المشاركة من الوصول إلى اتفاق يقضي باسقاط حكومة الترويكا ووضع خارطة طريق هدفها التعجيل في إنهاء كتابة الدستور الجديد وتحديد موعد نهائيّ للانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة لتتولّى بعد ذلك المؤسّسات الدستوريّة المنتخبة تسيير البلاد ووضع ملامح المرحلة القادمة على المستوى السياسيّ والاقتصاديّ، ولكن وعلى إثر الانتخابات فوجئت شريحة كبيرة من المجتمع المنتظرة سفينة النجاة على الضفة الأخرى من الأزمة الخانقة، بتشكل التكتلات وسط مكونات المعارضة والأحزاب الحاكمة وأصبحت تنظر بعين الريبة خشية تأثيرها سلبا على الوحدة الوطنية في ظل الأزمات التي تحاصرأبناء شعبنا، حيث أن هذه الإنقسامات أصبحت تهدد الأستقرار بما يهدد  بجر الساحة الى صراعات انصرافية بعيدا عن هدف التغيير الديمقراطي وإقامة دولة العدالة والتعايش السلمي بين مكونات الشعب التونسي.

اليوم وعلى إثر عملية باردو، يقفز البعض من جديد فوق هذه الأزمة في فرصة يراها البعض سانحة لتصفية الحسابات وضرب الخصوم السياسيين ولكن بسلاح لا يختلف في طبيعته عن أي سلاح يوجّه إلى الدّاخل التونسي، وكل ما يدور على المنابر وأمام المصادح هو تطور طبيعي لفكرة الاقصاء الذي يبدأ جزئيا ولكنه ينتهى بالشمول، فمكونات المجتمع من سياسيين ومثقفين وإعلاميين وحدها ستتحمل مسؤولية إفراغ مكتسبات الثورة من مضمونها والسير بالبلاد نحو التدهور السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي، إلا ان الحقيقة الجوهرية التي لا ينبغي تجاوزها هي الخلفية السياسية والأيديولوجية التي افرزت هذا التباعد وكانت السبب الرئيسي وراء الفرقة عبر صراعات زجت فيها القوى الاجتماعية المتنوعة عبر التضليل وإنعاش التناقضات الثانوية.

الحقيقة أن هذه النخبة من المفكرين والمثقفين والإعلاميين لهم الدور الكبير كسلطة موازية للسلطة السياسية لا بل أكثر أهمية وفاعلية، لكون الاعلام اليوم هو صانع السلطات، في الدفع نحو تغيير وجهة هذا المسار الديمقراطي بعدما تبين ارتباط العديد منهم بأجندات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية وبلوبيات المال والسفقات السياسية القذرة، هذا المسار الذي لا يراد له أن يكون مثالا ناجحا يمكن الإهتداء به والنسج على منواله في تأسيس ديمقراطيات أخرى نراه يحاصر ومن كل الإتجاهات، من الخلايا النائمة للنظام البائد والتي تلبس اليوم رداء العفة السياسية ومن الأمنيين ممن تستروا واختبئوا وراء نقابات أمنية سرعان ما حادت بحكم حساسية مواقع مؤسّسيها عن دورها المهنيّ في بعض الحالات لتنخرط في الصّراع السياسي الدّائر في البلاد عبر اتّخاذها لبعض المواقف التي اعتبرت سياسيّة بامتياز ولا شأن لها بالعمل النّقابي.

لا أحد يخفى عليه اليوم مدى المخاطر المحدقة بالتجربة التونسية وأثرها المنتظر على الاستقرار الداخلي والإقليمي في ظل وضع إقليمي يتميز بالاضطرابات خاصةً ما أدى إليه تقاتل المليشيات بكل من مالي وليبيا من تهديد للأمن الداخلي بتونس باحتضانها لرؤوس التنظيم بما شكل بدوره تهديداً للمسار الانتقالي ككل،  ولعل الدور الأخلاقي المناط بعهد مثقفينا وإعلاميينا ينحصر أساسا في السعي لنشر الوعي الجماعي بخطورة آفة الإرهاب ووجوب مكافحته بعيدا عن المغالطات وباعتماد دراسات علمية، اليوم تكمن مسؤوليتنا في ضرورة النأي بتونس عن العنف السياسي والدفع نحو تركيز منظومة أمنية وعسكرية قوية ومستقلة عن الصراعات والحسابات السياسية، ولا يمكن التغاضي عن الدور الأقليمي والدولي الجوهري في رسم استراتيجية دفاع مشترك من خلال دعم العلاقات بين دول جنوب المتوسط وأوروبا والتحرك بإيجابيات وفعاليات أكبر لسد التهديدات التي تتربص بالمنطقة دون المساس لا بالسيادة الوطنية و لا بالقرار الداخلي حتى لا يعاد رسم صورة الوضع اللبناني في الثمانينات حين كانت ديمقراطية منفتحة على جميع الحساسيات لتصبح بعد ذلك بؤرة صراعات وحروب.

إن الإرهاب هو الحل الخاطئ لمعادلة الوفاق وعدم الوعي بذلك لن يجعل من تونس إلا أداة من أدوات المواجهة الإقليمية والدولية في ظل هذه الحرب الإقليمية الباردة، ولعل المصالح الدولية والإقليمية على أرضنا هو أمر واقع وليس استثناء، ولكنها اليوم وفي ظل هذه الظروف المتشابكة والمعقده التى يمر بها الوطن العربي تحوّل ذلك التشابك في المصالح إلى تضاد بل ومواجهة بين تلك القوى الدولية والإقليمية ذات المصالح المتعارضة، وواقع الحال يحتم علينا العمل على إيجاد تصور واعي لكيفية التوفيق بين تلك المصالح ومصلحتنا الوطنية ليصبح للمعادلة حل واقعي على الأرض.

 

التعليقات