ادماج القانون الدولي الانساني في التشريعات الفلسطينية

ادماج القانون الدولي الانساني في التشريعات الفلسطينية
رام الله - دنيا الوطن
بقلم: د عبدالكريم شبير

في الوقت الذي واجهت فيه دولة الاحتلال الصهيوني انضمام دولة فلسطين إلى 18 اتفاقية دولية إضافة إلى بروتوكولين دوليين بمزيدٍ من العقوبات الاقتصادية يصف الكثير من الفلسطينيين هذا الانجاز بالنصر القانوني الكبير وقدرة القيادة الفلسطينية على خلق البدائل في مواجهة السياسات الصهيونية الرامية إلى مقايضة الحقوق الفلسطينية بمجريات التسوية السياسية.

وعندما تسلم السيد الرئيس محمود عباس رسالة موقعة من رئيس الاتحاد السويسري يُعلمه فيها أنه تم إيداع صك انضمام دولة فلسطين إلى مواثيق جنيف الأربعة وبروتوكولها الأول وأن دولة فلسطين أصبحت عضواً متعاقداً سامياً في مواثيق جنيف.

ومع إعلان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن دخول دولة فلسطين إلى المعاهدات الدولية حيز التنفيذ في أيار وتموز يُفرض على الفلسطينيين اختبار وتحدي كبيران لمدى قدرتهم على مواءمة الخصوصية الفلسطينية لمتطلبات هذه الاتفاقيات وتهيئة الظروف المناسبة لتطبيق بنودها سيما في ظل وجود دولة فلسطين تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني.

ورغم أهمية الاتفاقيات الثمانية عشر في واقع حياة الشعب الفلسطيني ومؤسساته الرسمية والأهلية إلا أن معظم المتخصصين في الشؤون القانونية والحقوقية والسياسية يرون أن اتفاقيات جنيف الأربع هي الأبرز والأهم من بين هذه الاتفاقيات لما تمثله من تمكن الفلسطينيين من متابعة وملاحقة ومساءلة الاحتلال الصهيوني في المحافل الدولية لارتكابه انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. هذه الإمكانية وإن تضاعفت قدرتها بعد عملية الانضمام إلى هذه المعاهدات فإن انضمام دولة فلسطين الى نظام روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية أصبح اليوم وسيلة نضالية جديدة في ملاحقة ومعاقبة مجرمي الحرب الصهاينة في المحافل الدولية.

وقبل الدخول في التفاصيل نعرض أسماء الاتفاقيات التي وقعتها دولة فلسطين وهي كما يلي:

1- اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الأول الإضافي للاتفاقيات المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة ذات الطابع الدولي.

2-اتفاقية لاهاي المتعلقة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية واللائحة المتعلق بقوانين وأعراف الحرب البرية.

3- الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها.

4- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

5- اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

6- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

7- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

8- اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

9- اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

10- اتفاقية حقوق الطفل.

11- اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

12- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

13- اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.

14- اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.

1- فيينا للعلاقات القنصلية.

أن الانضمام إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية يمثل خطوة كبيرة ونصراً حقيقياً للقيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني عموماً وأن هذا التوقيع يُؤسس ويُشرع ويُقوي مؤسسات الدولة الفلسطينية ضمن النظام الدولي كما أنه يُطور من النظام الاجتماعي الفلسطيني والحقوق الوطنية والسياسية والاجتماعية وأن الخطوة الفلسطينية ليست ردة فعل وإنما حق طبيعي وأنها تساهم في حماية الحقوق الانسانية والمدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية وسواها.

إن التوقيع يمثل قراراً استراتيجياً وليس تكتيكياً فرضه الواقع المستجد للمسيرة القانونية والسياسية وفي تصوري أن النية لدى القيادة الفلسطينية تتجه اليوم نحو مزيد من الانضمام لأكثر من 63 اتفاقية دولية وربما يصل العدد إلى 100 اتفاقية في المستقبل. المهم كيفية الاستفادة من القانون الدولي والتوقيع على الاتفاقيات الدولية ووضع الأولويات والقضايا القانونية التي تُمنح كحقوق لمدنيين يقعون تحت الاحتلال ومن ثم تدويل القضية الفلسطينية.

وتعتبر فلسطين أول دولة عربية تقدم طلب للانضمام للاتفاقيات بدون تحفظات وذلك لأن النظام السياسي الفلسطيني نظام ديمقراطي وأن لدى المجتمع الفلسطيني قناعة حقيقية ومتينة بالمساواة في المراكز القانونية بين الرجل والمرأة وضمان منحها حقوقها وصونها فضلاً أن المجتمع الفلسطيني مجتمع متماسك طائفياً وعرقياً ويقوم على أُسس قوية ومتينة.

أن مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الانسان لها مساهمة كبيرة في مجال حقوق الانسان وأن القرار السياسي له اعتبارات خاصة والدولة كاطار ونظام سياسي هي التي تقرر.

أن انضمام فلسطين إلى الاتفاقيات الدولية يعتبر انجاز كبير حيث سيكون له أثر ملموس وواضح في ملاحقة قادة دولة الاحتلال الصهيوني  قضائياً أمام المحاكم الدولية على ما تقترفه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني.

وأن هذا الانضمام يلزم الاحتلال الصهيوني وقف انتهاكاته بحق الأسرى والمعتقلين والرهائن الفلسطينيين.

أن التوقيع على اتفاقيات جنيف الأربع واتفاقية مناهضة التعذيب يمنح الطرف الفلسطيني حيزاً واسعاً في ملاحقة ومساءلة ومحاكمة الاحتلال الصهيوني على ما يقوم به من قتل للفلسطينيين وتعذيب للأسرى والمعتقلين والرهائن الفلسطينيين الى حد استشهاد أكثر من 250 مناضلا تحت التعذيب منذ العام 1967 ونؤكد على ضرورة إلزام المجتمع الدولي بالضغط على دولة الاحتلال الصهيوني لمنعها من مواصلة انتهاكها لحقوق الشعب الفلسطيني.

ورغم أهمية اتفاقية مناهضة التعذيب في مواجهة الانتهاكات الصهيونية وانضمام فلسطين إلى ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية الذي يعتبر في المادة 7 منه التعذيب جريمة ضد الإنسانية أمراً مهماً وضرورياً بالنسبة لمسؤولية دولة الاحتلال الصهيوني حول التعذيب و أن انضمام فلسطين إلى محكمة الجنايات الدولية يعتبر فرصة لتقدم شكاوى ضد قادة الاحتلال الصهيوني المتعلقة بتعذيب مواطنين فلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني إلى المحكمة الجنائية الدولية باعتبار ذلك جريمة ضد الإنسانية.

أن الانضمام لاتفاقية مكافحة الفساد تفيد في تحسين سمعة فلسطين كدولة مؤسسات ذات شفافية.

أن الانضمام الفلسطيني إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد يمثل تطوراً هاماً في الحراك القانوني والدبلوماسي الفلسطيني وأن العامل السياسي والأخلاقي يتطلبان من الشعب الفلسطيني وقيادته الانضمام والتوقيع على هذه الاتفاقيات الدولية سيما في ظل اختلال ميزان القوى مع الاحتلال الصهيوني وعلي القيادة السياسية مطالبة كافة الاطراف مراجعة الاتفاقيات وأحكامها ومدي التزام الاحتلال الصهيوني  بالواجبات والحقوق.

أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تفيد في تقوية الموقف الفلسطيني من خلال تلقي المساعدة التقنية والتدريب والمعلومات من الدول والمنظمات الإقليمية الأطراف في الاتفاقية التي يبلغ عددها حاليا 170دولة. كما تفيد في تحسين سمعة فلسطين كدولة مؤسسات ذات شفافية ونزاهة وحيادية وموضوعية مما يؤدي بدوره إلى تقوية سيادة القانون والفصل بين السلطات والمؤسسات الرسمية التي تشكل سلطات الدولة.

أن المجتمع الدولي عموماً متضامن مع الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه ومشاركته في المواثيق الدولية التي تضمن له حقوقه وتصون موارده مع ضرورة تشكيل تكتل دولي في ملاحقة ومحاكمة قادة الاحتلال الصهيوني على جرائمهم ضد الفلسطينيين. وأن أحد أهم العوامل المسببة للفساد في الأراضي الفلسطينية هي دولة الاحتلال الصهيوني التي تتذرع بسببه في عدم الالتزام بالاتفاقيات والادعاء بأن الجانب الفلسطيني ليس بشريك في التفاوض لأنه يفتقد للثقة والشفافية في التعامل. وإنه لا يجوز بأي حالٍ من الأحوال أن يكون التوجه نحو الانضمام والتوقيع على هذه الاتفاقيات من منطلق ردود فعل إزاء تعثر المفاوضات وأنه لا يمكن أن نُبتز في حقوقنا أو مقايضة قضايانا مقابل المساومات السياسية أو التعثر في مسيرة التفاوض. وأنه في ظل حكومة أحمد قريع في عام 2005 قُدم طلب رسمي بالانضمام الى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد مع التأكيد على أن الطرف الفلسطيني مستعد من طرفٍ واحد للالتزام بها لكن هذا الطلب لم يُقبل لعدم اعتبار فلسطين دولة حينذاك.

أن هذه الاتفاقيات يجعل الآليات الدولية لمراقبة واقع الشفافية والمساءلة في فلسطين تتطلب من دولة فلسطين توفير وتنفيذ الخطوات والاجراءات والتدابير المتعلقة بقضايا الشفافية والمساءلة.

ان انضمام فلسطين للاتفاقيات الدولية فتح افاق وابواب كانت مغلقة امام القيادة والشعب الفلسطيني بحجة ان فلسطين ليس دولة كما كان يدعى وأنه يفرض على دولة فلسطين تقديم تقارير دورية عن حالة حقوق الانسان وان الانضمام الى اتفاقية روما التي انشئت المحكمة الجنائية الدولية سيمكن الشعب الفلسطيني من ملاحقة مجرمي الحرب من قادة الاحتلال الصهيوني عن كافة الجرائم التي اقترفها.
  أن أهمية أدخال أو دمج القانون الدولي الإنساني في التشريعات الفلسطينية يشكل تقدما تشريعيا وحضاريا وانسانيا يتوجب تطبيقه والعمل به في فلسطين كدولة تحت الاحتلال الصهيوني وهو سيكون اداه ووسيلة قانونية تحكم تصرفات قادة دولة الاحتلال الصهيوني كقوة احتلال عسكري تسيطر على الأرض الفلسطينية بالقوة .

أن المرحلة التي شهدتها الساحة الفلسطينية الداخلية من توتر بين القوى المسلحة تؤكد على أن قواعد ونصوص القانون الدولي الإنساني هي الواجبة التطبيق بالإضافة إلى تصرفات المتحاربين أثناء النزاعات الدولية والتي تضم الاحتلال الصهيوني وتصرفات المتحاربين أثناء النزاعات المسلحة الداخلية والتي لا تختلف كثيراً في مضمونها عن تلك في المنازعات الدولية.

أن القيادة الفلسطينية تدرك منذ ولادتها أهمية القانون الدولي للقضية الفلسطينية وحاولت في بعض خطابها التمسك به والتأكيد على احترامها والتزامها بقواعده وأحكامه لما له من أهمية قانونية في حفظ حقوق المدنيين الخاضعين للاحتلال العسكري ولكسب التأييد الدولي للتوجه السياسي الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

أن علاقة منظمة التحرير الفلسطينية بمعاهدات جنيف الأربعة لعام 1949 وبروتوكولية عام 1977 حينما وقعت المنظمة على الوثيقة الختامية للمؤتمر الدبلوماسي الدولي المعني بتعزيز وتطوير القانون الدولي. وبعد إعلان دولة فلسطين في الجزائر بتاريخ 15/11/1988 قررت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية المكلفة بأعمال حكومة دولة فلسطين الالتزام باتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 والبروتوكولين الملحقين بها لعام 1977 وتقدمت منظمة التحرير الفلسطينية يوم السابع من تموز عام 1989 بإشعار رسمي إلى مجلس الاتحاد السويسري يقضي بالتزامها بأحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 وما يترتب عليها من آثار.

وقد اعتبر إشعار منظمة التحرير الفلسطينية وتوقيعها التزام من جانب واحد وتم الترحيب به.

لكن هذا الإشعار لاقى رفضاً من بعض الدول مثل بريطانيا وأمريكا ودولة الاحتلال الصهيوني في حين رحبت الكثير من الدول ومنها دول عدم الانحياز بهذا الإشعار و لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والأربعين التي عقدت في جنيف في شهر آذار1990.

أن وعي القيادة السياسية والعسكرية الفلسطينية بأهمية القانون الدولي الإنساني دفعها   لإصدار قانون العقوبات الثوري الفلسطيني لعام 1979 والذي تطرق إلى حماية القتلى والجرحى والمرضى في النزاعات المسلحة ومعاقبة كل من ينتهك كرامتهم الإنسانية أو حقهم في الحياة. حيث جاء في نص المادة 157 على أنه "يعاقب بالأشغال الشاقة كل من أقدم على سرقة جثة ميت أو جريح أو مريض حتى لو كان من الأعداء في منطقة الأعمال العسكرية".

وجاء في نص المادة 158 من القانون نفسه على أنه "يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من أوقع بشخص جريح أو مريض لا يقوى على الدفاع عن نفسه عملا من أعمال العنف".

وعلى الرغم من أن المحاكم العسكرية الفلسطينية لم يسجل لها النظر في مثل هذه القضايا إلا أن هذه المواد تـأتي انسجاماً مع أهم القواعد التي قننها القانون الدولي الإنساني.

ان قانون العقوبات الثوري الفلسطيني لعام 1979 عالج موضوع أسرى الحرب وهي من أهم الفئات المحمية في القانون الدولي الإنساني في المادة الثامنة من الفصل الثالث منه حيث نصت هذه المادة على أنه من بين الذين يخضعون لهذا القانون هم أسرى الحرب دون إعطاء أي تفاصيل أخرى.

ويأتي إخضاع منظمة التحرير الفلسطينية أسرى الحرب إلى قانونها العسكري انسجاماً مع المادة 82 و84 من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب المؤرخة في 12/8 /1949.

وقد نصت المادة 82 من الاتفاقية على أنه "يخضع أسرى الحرب للقوانين واللوائح والأوامر السارية في القوات المسلحة بالدولة الحاجزة.

وللدولة الحاجزة أن تتخذ إجراءات قضائية أو تأديبية إزاء أي أسير حرب يقترف مخالفة لهذه القوانين أو اللوائح أو الأوامر. على أنه لا يسمح بأية ملاحقة قضائية أو عقوبة تخالف أحكام هذا الفصل."
     أن توقيع المنظمة على الوثيقة الختامية للمؤتمر الدبلوماسي الدولي المعني بتعزيز وتطوير القانون الدولي لعام 1977 كان له الأثر في تبني قانون العقوبات الثوري الفلسطيني عام 1979 مثل هذه الأحكام والتي نصت عليها اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين.

أن القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003 و بالمادة 10 منه نصت على أن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام. وان تعمل السلطة الوطنية الفلسطينية دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمى حقوق الإنسان.

إن الاطلاع ومراجعة القوانين الفلسطينية يتبين أن قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني غير موجودة إلا فيما ندر فمثلاً أكدت المادة السابعة من قانون الطفل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2004 بأن للطفل في جميع الظروف أولوية التمتع بالحماية والرعاية والإغاثة كما ألزمت هذه المادة الدولة الحفاظ على حياة الأطفال وجميع حقوقهم في حالات الطوارئ والكوارث والنزاعات المسلحة كذلك اتخاذ التدابير المناسبة لملاحقة ومساءلة كل من يرتكب بحق الأطفال جريمة من جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية. أما المادة 46 من هذا القانون فقد أوجبت حظر استخدام الأطفال في الأعمال العسكرية أو النزاعات المسلحة وألزمت الدولة اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لضمان ذلك كما أوجبت الدولة باتخاذ التدابير المناسبة للتأهيل البدني والنفسي وإعادة الاندماج الاجتماعي للأطفال من ضحايا المنازعات المسلحة.
    إن الكثير من بلدان العالم توجد في تشريعاتها المحلية تنظم استخدام شارة الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. أما القوانين الفلسطينية فإنها تخلو تماماً من أي ذكر للشارة وقد انعكس ذلك سلباً وأدى إلى بروز مشكلة حقيقية ألا وهي فقدان هذه الشارة الدولية للاحترام والحماية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية. وكثرت في الأراضي الفلسطينية الجهات التي تستخدم هذه الشارة دون أي ضوابط تذكر وأدى غياب قانون ينظم عمل الشارة إلى استغلالها من قبل أفراد ومؤسسات فلسطينية واستخدامها في أمور لا علاقة لها بالمهام الإنسانية المنوطة بمن يحمل الشارة. وقد استغلت قوات الاحتلال الصهيوني بعض الحوادث سوء استخدام الشارة وصورتها على أنها تمثل وضعاً عاماً واتخذتها كمبرر لفرض قيود على حركة مركبات الإسعاف وإعاقة عملها وإخضاعها لعمليات التفتيش وإنزال المرضى منها واحتجازها على الحواجز العسكرية لساعات وعدم السماح لكثير من الحالات بالعبور. بالإضافة إلى الانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها أفراد الخدمات الآخرين من إطلاق النار مباشره واستهدافهم بقذائف الدبابات وصواريخ الطائرات الحربية مما أدى في كثير من الحالات إلى جرح واستشهاد أفراد هذه الطواقم.

وفي ضوء ما تم عرضه من تشريعات فلسطينية لها علاقة بالقانون الإنساني يتبين أن هذه التشريعات بقيت محدودة على الرغم من محاولات بعض الجهات غير الحكومية توسيع نطاق هذه التشريعات. وعلى الرغم من أن حوادث الاقتتال المسلح الداخلي في الأراضي الفلسطينية بين بعض التشكيلات العسكرية الفلسطينية بقيت محدودة ومحصورة حتى الآن ولم تتطور وتتوسع إلى مستوى حرب أهلية إلا أن هذه مؤشرات إلى الخطورة التي قد تؤول إليها الأوضاع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في حال تفاقم هذا النزاع. فقد أظهرت هذه الحوادث عدم التقيد بقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني السارية أثناء النزاعات المسلحة الداخلية وقد تجلى ذلك في الاستهداف المتعمد للممتلكات على نحو لا تفتضيه ضرورات قتالية وفي عمليات قتل أشخاص غير مشاركين مباشرة في القتال والاعتداء على حرمة المستشفيات وإعاقة حركة سيارات الإسعاف وإطلاق النار العشوائي مما أوقع العديد من الضحايا في صفوف المدنيين. ومن المؤسف أن الفصائل ومنظمات المجتمع المدني والإعلام الفلسطيني والعربي والدولي لم يسلطوا الضوء على هذه الأحداث من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني في حين يتبادل طرفا النزاع الاتهامات ويقوم الإعلام بإظهار هذه الاتهامات المتبادلة والتي لا تفيد إلا في زيادة التوتر والضحية دائماً هم المدنيون ومن هنا نقول أن على القيادة الفلسطينية والمؤسسات الأهلية العاملة في مجال حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وكافة الجهات ذات الاختصاص العمل على توعية أبناء الشعب الفلسطيني كافة وخاصة أفراد الأجهزة الأمنية والمليشيات المسلحة التابعة للفصائل الفلسطينية والصحفيين والإعلامين والسياسيين والعاملين في المجال الصحي وطلاب المدارس والجامعات وغيرهم بقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني وتطوير البرامج والمشاريع ذات العلاقة والعمل على دراسة مشاريع القوانين الفلسطينية ذات العلاقة للبحث في إمكانية إدخال قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني فيها.

ونطالب الجميع بضرورة التنسيق المشترك والتعاون الجاد بين كافة مؤسسات المجتمع الفلسطيني بهدف تفعيل مضمون هذه الاتفاقيات لخدمة الصالح العام الفلسطيني والضغط على دولة الاحتلال الصهيوني لوقف جرائمها وانتهاكاتها المتواصلة بحق الانسان الفلسطيني وممتلكاته ومؤسساته. وبخصوص إمكانية التوقيع على اتفاقيات أخرى ذات صلة بمحاربة الفساد نطالب بضرورة الاسراع في الانضمام والتوقيع على اتفاقيات مثل تسليم المجرمين وتبادل المعلومات بشأن انتقال الأموال وجرائم غسيل الأموال.

التعليقات