خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

رام الله - دنيا الوطن
 ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:  عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، فهي زاد لنا في الدّنيا والآخرة. وما يعزّز التَّقوى في نفوسنا، هو مشهد الكسوف الَّذي يشير إلى عظمة الله وقدرته وهيمنته على الكون كلّه، حيث لا عظمة فوق عظمته، وإلى دقة النّظام الكونيّ الّذي يمكّننا من أن نتعرّف إلى هذه الظاهرة قبل حصولها.

كما أنَّ هذا المشهد يذكّرنا بيوم القيامة، فهذا الكسوف سيحصل عند نهاية العالم، ليقف النّاس بعدها بين يدي ربّ العزّة، حيث تأتي كلُّ نفسٍ تجادل عن نفسها.

أيها الأحبة، مشهد الكسوف ليس ظاهرة كونيَّة عابرة، بل هو مشهد للتفكّر والتأمّل والوعي والصَّلاة، وهذا ما نحتاجه لمواجهة التحديات.

أقفل الأسبوع الماضي على عددٍ من القضايا، الَّتي نبيِّن الموقف منها:

القضيَّة الأولى هي الهجوم الإرهابي الَّذي حصل في تونس، والَّذي أودى بحياة العشرات من التونسيين ومن السيّاح القادمين إلى هذا البلد، والَّذين لا ذنب لهم سوى أنهم تواجدوا في هذا المكان ساعة الحادث، ولم يفعلوا جرماً، ولم يتعرَّضوا لأحد بسوءٍ، حتى لأولئك الَّذين أطلقوا النار عليهم، وهذا ما يُظهر ابتعاد هذه الجهة عن القيم الدينيَّة والإنسانيَّة.

إنَّنا ندين بشدَّة هذا العمل الإجرامي، ونعتبر أنه يأتي في إطار سلسلة الأعمال الإرهابيَّة التي تهدف إلى ضرب استقرار العالم العربي والإسلامي، وتمنع من نهوضه، وتسيء إلى وحدته وقيمه ومبادئه، وتشوّه تاريخه وصورة إنسانه، وتسيء إلى علاقته بالشَّرق والغرب.

ومن هنا، نرى أنَّ المسؤوليَّة تقع على عاتق كلّ الحريصين على استقرار هذا العالم وأمنه وتطوّره، وعلى صورة الإسلام، وعلى كلّ القيم الَّتي يمثّلها هذا الدّين، أن يتكاتفوا، وأن تتوحَّد جهودهم ويتعاونوا لإزالة هذا الكابوس عن كاهلهم، والَّذي لا يخفِّف من وقع جريمته أنَّ من يقوم به، يرفع شعار "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، بل هذا يزيده جرماً، لأنّه يضع هذا الشّعار المقدّس في غير موقعه.

إنَّ الحاجة ماسة لمواجهة كلّ هذا الواقع، والعمل لسدّ كلّ المنافذ الَّتي تجعله يستقطب شباباً وشابات من كلّ فئات المجتمع؛ المنافذ الفكريَّة والثقافيَّة والدينيَّة والسياسيَّة والماليَّة والأمنيَّة، ومعالجة أيّ شعور بالظّلم والغبن.

إنَّ مواجهة هذه الظّاهرة لا تتمّ بالبيانات وعقد المؤتمرات واللقاءات، رغم أهميَّة كلّ ذلك، لكنَّ الأمر يحتاج إلى برامج واقعيَّة وعمليَّة على المستويات كافّة، وفي كلّ المواقع.

إنَّنا مدعوون إلى أن نخرج من هذا التَّكاذب الذي نعيشه، والَّذي يجعل البعض يفرّق بين إرهابٍ وإرهاب، فالإرهاب واحد، يقوى ببعضه البعض، حتى لو تنوّعت أسماؤه، والموقف لا بدَّ من أن يكون واحداً باتجاهه.

أمّا القضيَّة الثانية، فهي الانتخابات الَّتي جرت في الكيان الصّهيوني، حيث راهن البعض عليها، معتقدين أنَّها ستساهم في تغيير الواقع على الأرض، وستشكّل بدايةً لحلٍّ سلميّ، لكن الوقائع جاءت لتؤكّد عدم صحّة هذا الرهان والتعويل عليه، فهذا الكيان واحد في منطلقاته وفي أهدافه. نعم، قد يتغيَّر شكل الخطاب أو الأدوات، لكنَّ هذا التغيّر لن يعيد فلسطين ولا القدس، ولن يفكّ الحصار عن غزة، ولن يوقف الاستيطان، أو يوقف تهديد هذا الكيان لمحيطه وأبعد من محيطه، ولن يعيد الجولان ولا مزارع شبعا.

لقد سرنا طويلاً وراء سراب التَّغيير في الكيان الصّهيونيّ، ولم نحصُد إلا المزيد من الغطرسة والتجبّر والعدوان، لذا، فإنّ ما ينبغي المراهنة عليه، هو وحدة الشَّعب الفلسطينيّ ومقاومته، ووقوف الشعوب العربية والإسلامية إلى جانبه، وإبقاء القضيَّة الفلسطينيَّة حاضرة في العقل والقلب والوجدان، وأن لا تُنسى وسط كلّ هذه القضايا والمشاكل.

هذا ما راهن عليه الشعب الفلسطيني سابقاً، وراهنّا عليه في لبنان، وهذا ما ينبغي أن نراهن عليه دائماً، فلا يجب أن ننتظر أحلام التسويات والكلام المعسول الذي لا يغني ولا يُسمن من جوع، ولا كلّ وعود السراب..

أما القضيَّة الثالثة، فهي سوريا، الَّتي أكملت أربع سنوات من حرب استنزاف أنهكت هذا البلد في جيشه ووحدته وفي قدرات إنسانه.. إننا نعيد التأكيد أن لا خيار للسوريين إلا الحوار، ولا سيّما بعد أن جرّب البعض الرهان على قوى خارجيَّة أو على الإرهاب، ولكنَّهم لم يحصدوا من وراء ذلك إلا الخراب لبلدهم والدمار، فلكلّ جهةٍ مصالحها وأحقادها وأهدافها الَّتي لم تلتقِ مع أهداف الشعب السوري التوّاق إلى الأمن والاستقرار والحريَّة والعدالة.

إنَّ الرهان في هذا البلد لا ينبغي أن يكون على تصاريح تدغدغ أصحاب هذا الموقف أو ذاك، بقدر ما ينبغي أن يكون على الحوار، وصولاً إلى إعادة اللحمة بين أبناء الشعب السوري، وإيقاف نزيف الدم، لتعود سوريا قوية في مواجهة العدو الصّهيوني، وتلعب دورها العربيّ والإسلاميّ الفاعل، فهذا ما يستحقّه هذا البلد وإنسانه.

أما لبنان، فهو لا يزال غارقاً في أزماته الَّتي تنتظر حلولاً على المستوى السياسيّ والاقتصاديّ والمعيشيّ، فيما تملي الضَّرورة الوطنيَّة والإسلاميَّة إبقاء الحوار بين المستقبل وحزب الله، لدوره في تبريد أجواء التوتر، وحلحلة بعض العقد المستعصية. ومن هنا، فإنَّنا ندعو إلى تحصينه، إن لم يكن بمعالجة أسباب المشاكل، فمن خلال تبريد الخطاب، وعدم إلقاء التهم جزافاً، كما أننا نريد لهذا الحوار أن يتوسّع ليشمل مواقع أخرى.

ولا بدَّ لنا في إطار الحديث عن معاناة إنسان هذا البلد، من الالتفاف إلى معاناة المبعدين أخيراً من بعض دول الخليج، حيث ندعو الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها في معالجة أسباب هذا الإبعاد، واستيضاح حقيقته من هذه الدول، والعمل على إعادتهم إلى حيث كانوا يعملون، ونقدّر كل الجهود التي بُذِلت في هذا الإطار، ونأمل أن تُستكمل.

ومن هنا، لا بدَّ من تأمين متطلّبات العيش الكريم لهذه العائلات المبعدة، بحيث يشعرون بدولة تحتضنهم وترعاهم وتخاف عليهم.

وأخيراً، لا بدَّ لنا في يوم الأم، الَّذي نريده أن لا يكون يتيماً في السّنة، من أن نتوجّه بالشّكر والامتنان والتّقدير إلى كلّ أمهاتنا اللاتي ربَّيْنَ وبنيْنَ جيلاً متعلّماً وواعياً ومجاهداً ومضحّياً حتى الشَّهادة.

إنَّنا نرى أنَّ كلّ إنجاز حقَّقناه، أو حريّة أو عزٍّ وصلنا إليه، كان بفضلهنّ وصبرهنّ وعطفهنّ وعطائهنّ، فهنيئاً لنا بأمّهاتنا، وهنيئاً لأمّهاتٍ بأولادٍ يعرفون حقّهنّ، لهذا، لا يكتفون بالهدايا المادية، بقدر ما يشكرونهنّ كلّ صباحٍ ومساء، ويدعون الله لهنَّ أن يبدل بعطائهنَّ رضواناً من عنده، وجناتٍ تُفتح لهنّ.

 

التعليقات