قبل الرحيل... قف وفكر

قبل الرحيل... قف وفكر
همام اليازجي  
  سأبدأ مقالتي بغير المعتاد بقصة طريفة تلخص تماماً طريقة تفكير معظم الشباب في غزة ، كان أحد الأصدقاء قد نشرها كنكتة على أحد مواقع التواصل الإجتماعي ألا وهي : جاء زائر أجنبي إلى غزة فسأل أحد الشباب ممن تعرف عليه عن طبيعة عملة، فأجابه الشاب أنه باحث ومفكر، فسأله الأجنبي ماذا تعنى بباحث ومفكر؟ فرد عليه الشاب: باحث عن عمل ومفكر في الهجرة !! 

هذا تحديداً ما يشغل بال الشباب في غزة ، الوظيفة والهجرة التى من وجهة نظره ستؤمن مستقبله ومستقبل أبنائه، بعد أن فقد معظمهم أي بصيص من الأمل في تحسن الأوضاع، وبعد أن وصلنا إلى مرحلة يصفها البعض بنقطة اللا عودة، بالإضافة إلى فقدان أبسط معالم الحياة البشرية.

 فإذا ما سلطنا الضوء على حياة شاب من غزة في فترة التعليم في الجامعة إن سمحت له الظروف واستطاع توفير مصاريفها، فوضع رأسه على وسادته وحلق في أحلامه التي سيحققها عند إنتهاءه من الدراسة، ومدى الطاقة المكبوتة والأفكار التي من شأنها تغير مجرى حياته، ودوره الفاعل في تغير المجتمع، ومدى سعادته في حياته الزوجية بعد إرتباطه بفتاة أحلامه، فتلك الأحلام التي لا حدود لها وآماله التي تسبح في الفضاء وخياله الذي يحلق بأجنحة كأنه طائر السنونو الذي يبشرنا بقدوم الربيع ، مالبثت إلا أن تحطمت جميعها على صخرة الواقع التي سيصتدم بها عند دخوله منعطفاً جديدا في حياته بإنتهائه من فترة الدراسة، وستصبح  كابوساً مزعجاً يفتح عيناه على الحقيقة التي تدعوه إلى الجلوس على دكة العاطلين عن العمل والباحثين والمهرولين إلى أي فرصة تؤمن له الوظيفة، والتى تحتاج في طبيعة الأمر الى "ڤيتامين و" من العيار الثقيل، فسيطرق أبواب فلان وفلان ، وسيسمع الوعود بـ ( الوظيفة ) في القريب العاجل، وستمر عليه الأيام تلو الأيام، والشهور تلو الشهور ، وستتوالى السنين وهو يسعى للحصول على الوظيفة التى سيتنازل يوماً بعد يوم عن جزء من متطلباته حتى يصل به الحال بالبحث عن أي وظيفة تستطيع أن تؤمن له ما لا يكفي قوت يومه. 

 وخلال هذه الفترة سينعتة البعض بالعاطل والكسول، وسيشعر بثقل كاهله على المجتمع وعلى أسرته التى مازال يأخذ منها مصروفه اليومي،

وسيجلس وحيدا يراجع شريط حياته وإنجازاته فسيجد نفسه أنه على مشارف الثلاثين من العمر، عازباً ومازال يبحث عن عمل، وأن حياته مرت كلمح البصر وهو في "مكانك سر" لم يتقدم خطوة واحدة للأمام، وأن كل الوعود والنصائح والكلام الذي يسمعه يومياً بأن الوضع سيتحسن وأن غداً سيكون أفضل، ما هي إلا خزعبلات لا أساس لها من الصحة.

 ففي حقيقة الأمر العاطلين عن العمل ليسو بكسولين، وليسو عالة على المجتمع، لكنهم لم يجدوا من يدعمهم ومن يبحث في داخلهم حتى يكتشف المواهب المكبوته التي يملكونها، فهم ضحية الظروف القاتلة في بلد مكسور وليسو طرفاً فيما وصلنا إليه، والدليل على هذا المواهب التي خرجت من غزة مؤخراً رغم كل الظروف وشهد لها العالم بأسره في مجالات مختلفة منها الرياضة و التصميم والفن والرسم والغناء والصحافة والتصوير .. إلخ مع أنهم جميعاً حاولو تقديم إبداعاتهم في الوطن فلم يلتفت لهم أحد، فهرولنا إليهم وأعطيناهم الإهتمام بعد أن نجحوا خارج حدود الوطن، وهذا بحد ذاته دليل آخر على طمس الطاقات والإبداعات محلياً.  

فما هو الحل عندها من وجهة نظر الشاب الذي تقطعت به كل السبل لإيجاد ذاته والتعبير عما في داخله !!؟ الحل هو البحث عن "الوطن البديل" والذي من وجهة نظره هو طوَّق النجاة الذي سيخرجه من حاضرة المرير، وينطلق به إلى عالم آخر يقدر موهبته ويقدس حقه في الحياة.

وبالفعل سيبدأ رحلة البحث لإيجاد فرصة للسفر وترك أحلامه في بلده لعله سيحققها في بلد آخر يسمع أن النقود كأوراق الشجر في إنتظاره، وما عليه فقط إلا أن يذهب ويلتقطها .

فقبل أن تتخذ قرار الهجرة قف وفكر للحظة، هل هذا فعلاً ما تريده أنت !! أم هو الهروب من الواقع لعدم مقدرتك على مواجهته، أم هو الحل الوحيد الذي أمامك ! أم هي أحلام العصافير ! أم أنك فعلاً ستبدع إذا ما وجدت البيئة المناسبة التي ستدعم وستنمي موهبتك وإبداعاتك !! خذ قرارك بعد أن تجيب عن كل هذه الأسئلة. 

وعلى الصعيد الآخر، الجميع ينادي ويطالب بالتغير ، هل فكر أحدنا أن يبدأ بهذا التغير بنفسه !! هل جلست قليلاً وفكرت كيف تستطيع أن تغير هذا الواقع ! اذا أردت ان تغير شيء الى الأفضل أبدا بنفسك ولا تنتظر من أحد أن يبدأ، كن أنت المبادر بالتغير الذي تصبو إليه.  

في نهاية المطاف سأعتمد في كتاباتي على كل ما يدور في خاطري وخاطر شباب الوطن من أفكار وإنتقادات للواقع وسبل الحل المناسب للخروج من الأزمة التى نعاني منها من فترة طويلة، دون التقيد بقواعد النص وترتيبه، لعلنا في النهاية المطاف نعمل جميعا على إيجاد حل لتغير الواقع المرير الذي نعيشه.

التعليقات