التنسيق الأمني ... وَقْفُه لا سَكْبُه !!

التنسيق الأمني ... وَقْفُه لا سَكْبُه !!
بقلم المهندس عاهد عناية

لم يخطُر ببالنا نحن الفلسطينيين أن نناقش في يومٍ من الأيام مشروعية التنسيق الأمني مِنْ عَدَمِه، فالمناقشة حول ثابتٍ من الثوابت تكشف لنا موضع قضيِّتنا الفلسطينية العادلة حيث التراجع منذ الخطأ التاريخي بتوقيع اتفاقية أوسلو وملحقها الاقتصادي باريس، وبرغم سوءِهما لا أوسلو طُبِّقَت بنودها ولا باريس نُفِّذت خطواتها، فأوسلو تمخَّض عنها أمنياً مصطلحاً تجميلياً "التنسيق الأمني" يحمل في طيّاته الكثير الكثير مِنْ الاجرام بحقَّ القضية الفلسطينية أقلّها لغوياً حيث مصطلح التنسيق يأتي مع كلِّ التصنيفات خيرها وشرّها، ولا تأتي مع مَنْ اغتصب أرضك وطردك.

في البدايات مُرِّرَ المصطلح الاجرامي على المجتمع الفلسطيني بإظهاره مقتصراً على الأمور المتعلّقة بتصاريح العمال وغيرها من الأمور المندرجَة تحت "الأحوال المدنية"، وبمرور السنوات بدءَ الوجه القبيح للتنسيق ينكشف تدريجياً مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية حتى بلغ ذروته عقب الانقسام الفلسطيني في عام 2007م وعلى وجه الخصوص في الضفة الغربية مِنْ قِبَل الأجهزة الأمنية هناك وأعذارهم بالخصوص أقبح من كلِّ ذنوبهم، فما يجري الآن في الضفة هو جريمة بحقّ المجتمع الفلسطيني والشواهد عديدة أوضحها الدوريات الأمنية المشتركة التي تسيّر في شوارع الضفة.

والتنسيق طريق هاوي نهايته مظلمة في منتصفه مطبَّ فكري يهزّك كفلسطيني فتعيشه بتقبّلك لفكرة وقوفك جنباً الى جنب مع مَنْ يحتلّ أرضك تتبادل أطراف الأحاديث يتخلّله ضحكات تصل الى حدّ الكهكهات، ولا غرابة في ذلك اذا كان رأس الهرم السياسي الفلسطيني قد منح التنسيق القدسية وبعض ساستنا يعتبرونه ضرورة ملحّة للفلسطينيين ولا مجال للاستغناء عنه.

ضرورة لم تمنع منظمة التحرير مؤخّراً من اصدار قرار صوري بوقف التنسيق الأمني كقرار وقفه اثر جريمة اغتيال القيادي "زياد أبو عين"، صوريّة توضّحها تصريحات قيادات المنظمة المتضاربة حول القرار بيْن مؤيّدٍ ومعارض وبين هذا وذاك متململ، أمّا المستهزئ بينهم تساءل فور صدور قرار وقف التنسيق: ما الذي أتى بنا من قطاع غزة الى هذا الاجتماع سوى التنسيق؟، ومن السخرية بمكان أنّ القيادة الأمنية الاسرائيلية أكّدت في أكثر من موقف عقب هذا القرار بأنّ التنسيق الأمني مستمر ولن يتوقّف بأي حالٍ من الأحوال، وما يزيد المشهد سخرية هي الفعالية التي تمّ سكب فيها الألبان الاسرائيلية في خطوة قيل أنّها لمحاربة المنتجات الاسرائيلية وكأنّهم فهموا أنّ وقف التنسيق يعني سكب الألبان في طرقات الضفة !!.

أسئلة كثيرة تثير أذهان الفلسطيني، أكثرها سخرية: كيف لرأس الهرم السياسي الفلسطيني أن يهدّد اسرائيل بأمر هو في مصلحة الفلسطينيين كما ادّعى في أكثر من موقف؟، هو كمَنْ يهدّد أعداءه بالانتحار !!، هي حالة من التضارب وانعدام الرؤية تصيب قيادة المنظمة فتزيد الفلسطيني احباطاً تحته احباط.

لوقف التنسيق الأمني، تحتاج قيادة المنظمة الى الابتعاد عن قرارات ضرورات اللحظة فالأهم هو قراءة وطنية لاتفاقية أوسلو لترى ماذا كان يعني التنسيق الأمني وما هو مطبّق منه الآن بهدف الوصول الى قناعة تامة لوقف هذه الجريمة بحقّ الوطن والمواطن، ناهيك عن أهمية تناول جرعة من الجرأة مع ضرورة الابتعاد عن مذهِبات الوطنية من أموال ومُسَهِّلَات التنقُّل كبطاقات الـــ"VIP" ففلسطيننا تحتاج الى تضحية ولن نحرِّر فلسطيننا بمثل هذه البطاقات.

التعليقات