العقل العربي و المؤامرة ...

العقل العربي و المؤامرة ...
بقلم : ريهام عودة

 منذ عدة قرون زمنية بعيدة، كانت تنتشر في أروقة البلاط الملكية و القصور ، فكرة "المؤامرة" و بدأت بعدها تتطور تلك الفكرة  شيئا فشيء ،  حتى أصبحت ظاهرة تتبناها مختلف طبقات المجتمع،  فأصبح  الغني يعتقد أن الفقير  يحقد عليه ويريد أن يسرق ماله و بالعكس أصبح الفقير يعتقد أن الغني هو من يتآمر عليه لكي يسلب قوته اليومي.

و لقد كان مصطلح  "المؤامرة" يطلق  في العصور السابقة  على أية أفكار جديدة  يتم طرحها  من أجل التغيير و الإصلاح الاجتماعي و السياسي و الديني، حيث  كان يتم القضاء على  تلك الأفكار  بتصويرها كأشياء مشبوهة و بأنها مخططات خفية لمحاربة الدين و  القضاء على العادات و التقاليد الشعبية،  لذا تم محاربة عدد كبير من العلماء و الفلاسفة و أصحاب الأفكار المستنيرة في تلك العصور ، فعلى سبيل المثال ، خلال العصر الروماني القديم  تم  تكفير الفيلسوفه الشهيرة ، هيباتيا السكندرية  التي تعد أول امرأة في التاريخ يلمع اسمها كعالمة رياضيات و فلك، لكنها قتلت بسبب أفكارها المستنيرة على يد مجموعة من المسيحيين المتطرفين .

و لقد تطورت نظرية المؤامرة ضمن  الشعوب و الحكومات،  بدءاً من  العصور القديمة و مرورا بالحربين العالمتين الأولى و الثانية  حتى فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد السوفيتي سابقا، و ذلك في منتصف الأربعينات حتى فترة التسعينيات ، فقد  ظهرت في تلك الفترة من الزمن ،  بعض الكتب و الروايات التي تناولت نظرية المؤامرة و الحرب الخفية من أجل إنشاء نظام عالمي جديد يسيطر على جميع شعوب العالم ، و بدأ الترويج لفكرة الغزو الفضائي  و الأطباق الطائرة ، حتى أصيب عدد كبير من المواطنين الأمريكيين بأمراض نفسية غريبة قد ربطها البعض بتجارب علمية سرية يتم إجرائها على البشر.

و ساعدت السينما العالمية ، خاصة الأمريكية ، بالترويج لنظرية المؤامرة لدى المواطن الغربي ، عن طريق صناعتها لأفلام هوليودية خيالية تتحدث عن كيفية السيطرة على الشعوب و أن هناك أعداء خارجيين يستهدفون الشعب الأمريكي ،  بالإضافة لبعض الأفلام التي تناولت الخطط السرية و التجارب العلمية التي تحاك للسيطرة على الجنس البشري ، فقد  كان أشهر تلك الأفلام التي تناولت قضية العالم السري و المؤامرة ،الفيلم الأمريكي الشهير

( The matrix) و فيلم ملائكة و شياطين  للروائي الأمريكي دان بروان الذي تناول قضية الجمعيات السرية وصراعها مع الكنيسة.

و عند التحدث عن نظرية المؤامرة عند الشعوب الغربية في العصر الحديث  ، فنحن نتحدث هنا عن ظاهرة كانت شائعة في حقبة القرن العشرين ،حيث كان الانترنت في بدايته ، و لم يكن هناك وسائل إعلام اجتماعية حديثة منتشرة ،  كالتي نتعامل معها الآن منذ بداية القرن الواحد و العشرين مثل الفيسبوك و اليوتوب وغيرها من وسائل الإعلام الجديد .

 لذا  بسبب بعض الغموض السياسي و عدم الظهور الكامل  للحقيقية أمام  معظم  أفراد الشعوب الغربية  خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لبلادهم ،كان سابقاً ، يتم نسب  كل شيء غامض ومجهول إلي نظرية المؤامرة، وذلك عادة يحصل عندما يعجز المثقف أو المواطن من إيجاد إجابة منطقية وواضحة لتغيرات مجتمعية أو سياسية تحدث ببلاده .

و لقد انتقلت نظرية المؤامرة إلي المثقف العربي الذي تأثر بما كان يدور من صراع على الساحة الدولية بين القوى العظمى و بين أتباع الحركات السياسة العالمية ذات الانتماءات الفكرية المختلفة مثل الشيوعية و الليبرالية بالإضافة إلي حركات الدين السياسي ، وبدأ المثقف العربي يلعب دور كبير في التأثير على أفكار مجتمعه ، فتفشت نظرية المؤامرة و تغلغلت   أكثر فأكثر في المجتمعات العربية، حتى أصبح  العربي يبرر أي فشل سياسي أو كارثة أمنية أو أزمة إنسانية و اقتصادية و اجتماعية قد تحل في بلاده ، بأنها تعود لأسباب خفية و لمؤامرة دولية تحاك ضد العالم العربي.

لذا عند حدوث أي كارثة أو أزمة في عالمنا العربي يسارع بعض السياسيون و المثقفون العرب بربط أسباب تلك الأزمات  بالمؤامرة و يبدءون  تبرير فشلهم في إيجاد حلول لتلك الكوارث بالترويج لدى مواطنيهم  لفكرة أن العالم يتآمر على العرب و يريد أن يقضي عليهم و يشوه  تاريخهم و ثقافتهم و دينهم ، وذلك دون عمل أي تحليل منطقي و موضوعي لسبب الفشل و الهزائم و النكسات التي تحل في بلادهم .

و يعود هذا الخلل في التفكير العربي إلي طبيعة النظام الفكري الذي يتبناه العقل العربي التقليدي الذي يصدق أي شيء مكتوب أو يبث عبر وسائل الإعلام  و يعتبره موثوق ، دون السعي للتحقق من أصل المعلومة و مصادرها ، و يعود ذلك  لطبيعة البرمجة الفكرية الخاطئة  التي تحتل مساحات كبيرة في العقل الإنساني،  فقد عبر عن ذلك الحكيم الهندي الشهير "سادجورو"  عندما قال أثناء مقابلة معه بأنه  " يجب على الناس أن يتعلموا أن يعيشوا الواقع،و لكنهم ضائعون بسبب طريقة تفكيرهم  التي  تجعلهم يفترضون إجابات لأية  أشياء يجهلوها ، و دائما يصدقون هذه الافتراضات،  بينما الحقيقة الواحدة تحتاج إلي مئة عام لكي يتم التحقق من صحتها "

ومن أهم مظاهر تبني نظرية المؤامرة عند العقل العربي،  هو  عندما تطالب بعض  مؤسسات حقوق الإنسان ، الدول العربية باحترام حرية التعبير عن الرأي و حقوق المرأة و غيرها من الحقوق المذكورة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، عندها تبدأ الاتهامات تتوالى ضد  تلك المؤسسات ، و تظهر على الساحة محاولات لتشويه  صورة تلك المنظمات الحقوقية  باتهامها  تارة بأنها تعمل لصالح أجندة خفية استعمارية و  تارة بأنها تعتبر تدخل سافر في الشأن الداخلي للبلاد.

ومن المظاهر الأخرى لنظرية المؤامرة أيضا ، هو عندما لا يعترف العرب ،  أن هناك خلل ما في النظام الاجتماعي العربي بسبب ضعف نظام التعليم العربي ،  الذي يعتمد على منهجية الحفظ و التلقين و لا يشجع على التفكير الإبداعي و النقدي ، الأمر الذي أدى إلي سهولة سيطرة أي جماعة   متطرفة على عقول الشباب العربي عن طريق  تلقينه ثقافة العنف و التطرف ، فلو تم تربية العقل العربي على التفكير التحليلي و النقدي ، ما وقع بعض الشباب العربي كفريسة سهلة للجماعات الإرهابية المتطرفة ، لكن للأسف المواطن العربي ينكر هذا الواقع ، لأنه يعتقد أن كل ما يدور حوله هو مجرد مؤامرة عالمية للقضاء عليه.

لذا دائما نحن العرب  نربط عدم إدراكنا بالحقائق و أسباب الواقع الأليم الذي نعيش به ، بالمؤامرة الخارجية  لدرجة أننا أصبحنا نعطي قوة مبالغة لتلك الدول الغربية التي تحاول أن تلعب عدة أدوار مختلفة في عالمنا حسب حاجتنا و مصلحتنا منها، فتارة تكون بمثابة الشيطان الأكبر الذي يهدف بطرق خفية لتفريق العرب و تارة تكون بمثابة الأخ الأكبر الذي يرعى السلام و الأمن في الشرق الأوسط الكبير،وهذا إن دل على شيء ، فهو يدل على ازدواجية التفكير العربي الذي دائما ما يحمل في طريقة تفكيره الشك و الريبة من كل شيء جديد على ثقافته أو غريب يأتي إلي بلاده من وراء البحار.

لذا إذا أردنا أن نلحق بركب الدول المتقدمة،  يجب علينا أولاً كعرب أن نحسن النيه و في نفس الوقت أن نتوخى الحظر من الأعداء الحقيقيين الذين للأسف بعضهم خرج  من بيئتنا ومجتمعنا ، و بالرغم من أن العالم الغربي قد أخطأ بالسابق كثيرا في حقوق الشعوب العربية ، حيث عانت الدول العربية على مر العصور من الاستعمار الأوروبي و الاحتلال الإسرائيلي و الغزو الأمريكي ، لكن تلك الدول الغربية بدأت تعترف بأخطائها حول ما سببته من انتهاكات في حقوق الإنسان ضد العرب، وبدأ بعضها يمد يد السلام للعرب ، فلا أحد يستطيع أن ينكر حجم المساعدات الإنسانية الغربية التي يوفرها الغرب للاجئين من الحروب في الدول العربية مثل سوريا و فلسطين و العراق و لا أحد يستطيع أن ينكر حجم المساعدات المالية الغربية التي يتم تقديمها للحكومات العربية ، لذا فإنني أرى هنا ، بأن هناك مبالغة كبيرة من العرب بتصوير أن جميع الدول الأجنبية و التي لا تدين بديانة الإسلام ،  بأنها مجرد دول كافرة و تتآمر على العرب ، بينما تستضيف تلك الدول أعداد ضخمة من المهاجرين العرب وتدمجهم ضمن مواطنيها الأصليين حيث الجميع متساوي أمام  قانون و دستور الدولة.

و بغض النظر عن صحة نظرية المؤامرة أم لا ، فلابد للمواطن العربي بشكل عام و المثقف العربي بشكل خاص، أن يتبني دائما منهج التفكير العقلي و التحليلي، و أن يقوم  بالحكم على الأمور و القضايا من وجهة نظر موضوعية و أن يتأكد من مصدر أية معلومات تنشر عبر وسائل الإعلام  التقليدية أو الحديثة ، دون  التسرع في  افتراض الإجابة المطلوبة عن أية أمور قد تبدو غامضة له و لا يعرف حقيقتها .

و يجب أيضاً أن  لا تكون  كلمة " مؤامرة " هي  أسهل إجابة يحصل عليها المواطن العربي عند تساؤله عما  يحدث من حوله ،  و عندما لا يمتلك المثقف أي معلومات حقيقية عن المشكلة ، فما أسهل أن نحيط أنفسنا دائما بأعداء ومنافسين وهميين ، تم خلقهم من بنات أفكارنا المشوهة  بسبب الجهل و العنف و القمع المتواجد في بيئتنا العربية .

 لذلك يجب علينا كعرب أن نتحمل المسئولية عن أخطائنا التاريخية و أن نعترف بأننا ساهمنا بخلق الواقع الذي نعيشه بحلاوته ومره ، و أن ما يحدث لنا هو نتيجة قراراتنا المتسرعة و طريقة إدارتنا للأمور،  فالإنسان بشكل عام ربما لا يتحمل مسئولية ما يحدث له بنسبة  100% لكنه يستطيع أن يتحكم على الأقل بردة  فعله لما يحدث له ، و ذلك في حال كان لديه وعي كبير و علم نافع  ينيران  له الطريق إلي الحقيقة.

  و أخيرا ، أعتقد أنه إذا ما أراد الإنسان العربي ، أن يتطور و يتخلص من تبعية العالم  الغربي،  عليه أولا أن يدير حوار جدي مع ذاته ومن ثم مع مجتمعه من خلال تبني ثقافة المساءلة و التقييم الذاتي و المجتمعي لطريقة تفكير جماعية  تطغى عليها ملامح نظرية المؤامرة و إنكار المسئولية الجماعية عما يحدث في المجتمع من خلل في كافة مجالات الحياة  الإنسانية و الاجتماعية  و السياسية و الاقتصادية .

 

التعليقات