غزة ... وضياع الأجيال
همام اليازجي
فكرت كثيرا بعد أن نشرت مقالتي السابقة بعنوان " نظرة على الساحة العربية ومستقبل غزة" بالخطوة التالية، وما هي المواضيع التي من الممكن التطرق إليها ؟!، فاتخذت قراري بأن أتطرق لموضوع غاية في الأهمية ويلامس كل ملامح حياتنا اليومية، ألا وهو موضوع الشباب في غزة والمستقبل المظلم الذي ينتظرنا.
وما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع تحديدا هو أنني بعد عودتي لغزة من فترة ليست بعيدة وأنا أعاني يوميا ما يعانيه كل شباب الوطن من ضياع البوصلة والتخبط والإحباط وفقدان الأمل، فلا يوجد عندي أدنى فكرة عن مستقبلي ومستقبل هؤلاء الشباب في هذا البلد المنكوب.
فإذا ما نظرنا لحياتنا نحن فئة الشباب في غزة ونحن نمثل الغالبية العظمى من هيكلة التعداد السكاني فسنجد أننا عشنا طفولتنا في الانتفاضة الأولى ولم نتمتع بها كباقي أطفال العالم، فعانينا من الاحتلال والخوف وسياسة تكسير العظام ، والإضرابات المتتالية والاضطراب في التعليم، ومنع التجوال من الثامنة مساءً حتى الصباح، ومازالت ترن في أذني حتى يومنا هذا مناداة جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر مكبرات الصوت معلناً عن بدء حظر منع التجول قائلا "يا أهالي قطاع غزة يفرض عليكم نظام منع التجول من الآن وحتى إشعار آخر" وكأن ذاكرة تلك الأيام نقشت في عقلي الباطن وأصبحت تتداول كالأفلام القصيرة بين الحين والآخر.
وبعد انتهاء انتفاضة الحجارة وتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في أيلول ١٩٩٣ شعرنا بالحرية للمرة الأولى في تاريخنا وعاصرنا الانفتاح على العالم الخارجي وسهولة الحركة عبر معبر رفح ومطار غزة الجوي وتوافد الوفود العربية والأجنبية بالإضافة لإخواننا من عرب ٤٨ واستمتعنا بالسفر إلى الأراضي المحتلة عبر الممر الآمن والتمتع بالوطن المسلوب، فعاشت غزة انتعاشة اقتصادية وسياحية غير مسبوقة، وهذه الفترة لا تتعدى الست سنوات فقط، انتهت باقتحام شارون وتدنيسه للمسجد للأقصى، حيث بدأت الانتفاضة الثانية وعادت الاضطرابات والإغلاقات والحصار وكتب علينا خوض ثلاث حروب متتالية كفيلة بتدمير نفسية أمة بأكملها.
فأما عن الانقسام فحدث ولا حرج، فمنذ الحرب الأهلية عام ٢٠٠٧ أو كما يسميها البعض بالأحداث الفلسطينية، فإننا أصبحنا نعاني من مشكلات لا حصر لها بسبب التخبط بين حكومات الوطن ودفع هذا الحكومات بالمواطن نحو المجهول والاستخفاف به والتلاعب بمستقبله وقوته اليومي وقوت أبنائه ، ومن بين هذه المشكلات التي لا تخفى على أحد هي مشكلات المياه والكهرباء والغاز والبنزين وسياسة تكتيم الأفواه وتقويض الحريات وتهميش دور المرأة في المجتمع مع أنها تمثل نصف المجتمع وهي من أنجبت النصف الآخر، ومشكلة الفقر وعدم توفر فرص عمل للخريجين وأصحاب الكفاءات فوصلت معدلات البطالة لنسب قياسية قد تعدت ٥٠٪ بالإضافة لغياب الدعم للمواهب والطاقات، فبدل أن يدعموا الفاشل حتي ينجح، ضيقوا وقيدوا الناجح حتى فشل، ناهيك عن هجرة العقول البشرية ورأس المال للبحث عن بيئة آمنة للإستثمار ومكان يقدر العقول والكفاءات البشرية المنتجة.
وبالإضافة إلى هذا كله، حكم على سكان قطاع غزة بالعيش في أكبر سجن عرفته البشرية، وأصبحنا جميعاً معزولين عن العالم الخارجي، وأصبحنا نرى العالم عبر شاشات التلفاز ونتواصل معه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعدنا بعداد الزمن للعصور الحجرية، فأصبحنا جميعا مرضى نفسياً "وأنا أوّلكم" !!
فلعل سفن الموت والهجرة الغير شرعية كانت أرحم من واقع غزة لبعض الشباب وعائلاتهم ممن أنهكتهم الأوضاع السيئة في أوطانهم، أما البعض الآخر آثر الهرب إلى الطرف الآخر من الوطن عبر اجتياز السياج الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة تحت صليات الرصاص، والبعض اتجه إلى الإدمان على "الترامادول" ليغيب عن الواقع المرير الذي يعيشه، وأما البقية المتبقية يحاولون التعايش مع الواقع وينتظرون أن يأتي الفرج من السماء.
فإذا جلست في المقهى مع بعض الأصدقاء ستجد أن الأحاديث لا تخلو من المشاكل التي تم ذكرها، بالإضافة إلى الذُل والمهانة التي تلحق بمن هم من سكان غزة في المطارات والمعابر العربية والدولية وكأنهم مرض طاعون، الكل يريد التخلص منهم، بالإضافة إلى إعادة الإعمار وعدم وفاء المتعهدين بوعودهم وتبادل الاتهامات هنا وهناك، ناهيك عن الحديث عن الحرب وويلاتها والتنبؤ بموعد الحرب القادمة، وكأننا أصبحنا جميعا خبراء عسكريين.
أما غزة فهي مدينة غريبة الأطوار، عصية على الأعداء، قاسية على أبنائها ، ولم يستطع الغزاة أن يحكموها، فبعضهم قتل على أبوابها وبعضهم انهارت قواته من بسالة جنودها والبعض الآخر تمنى أن يبتلعها البحر، والبعض من أبنائها رمى همومه في البحر وسد أذنيه عن الاستماع لمطالب أهلها ، فهي مدينة مغلوبة على أمرها، وأنت بداخلها تكرهها وتدفع الغالي والنفيس للخروج منها والابتعاد عنها، ولكن بعد لحظات من تركها تشتاق إليها وتحن للعودة لها، فيصفها البعض تارة بالأم الحنون التي تدافع عن أبنائها باستماتة ، وأشخاص آخرون يصفونها بالبحر الغادر الذي يلتهم كل شيء في باطنه كما التهم الكثير من أبنائها في سفن الموت، وكأن طائر العنقاء الذي يخرج من بين الدمار والركام لم يأت من الفراغ ليكون شعاراً لغزة، و أما بالنسبة لي فهي مفصومة الشخصية أراها في اليوم بألف حال وكأن أحداً ما من السلف قد نثر فيها حبات من السحر وقرأ عليها تعويذته لتظل مفصومة إلى الأبد.
وبعد استماعي وحديثي المطول مع الكثير من الأصدقاء والمعارف وبعد أن تبادلنا أطراف الحديث عن أوضاع البلد وفكرة كل منهم أستطيع أن ألخص حديثي بالتالي:
أصبح الهدف الإستراتيجي للكثير من أبناء الشعب الهجرة للخارج والحصول على جواز سفر يكفل لهم مستقبلهم ومستقبل أبنائهم ومن ضمنهم أشخاص وضعهم الاجتماعي والاقتصادي ممتاز جدا.
كل شيء يحدث هنا وهناك نتهم الاحتلال فيه على أنه السبب، وأنا لا أبرئ الاحتلال من مشاكلنا ولكن الاحتلال مسؤول بشكل مباشر عن الكثير من مشاكلنا الأساسية، أما المشكلة الجوهرية وهي مشكلة الانقسام فنحن من نتحمل عواقبها، فبعد أن كنا ندافع عن القدس واللاجئين وحق العودة، أصبح أكبر همنا لقمة العيش وفتح المعابر وانتظام جدول الكهرباء الذي حفظه البعض منا عن ظهر قلب كأننا عدنا بالزمن لجدول الضرب.
إذا أردنا حل أي مشكلة فعلينا تحليلها ومعرفة أسبابها وتبعياتها ومدى تأثيرها فإذا عرفنا هذه الأمور يمكننا وضع إستراتيجية لحلها، فأول مشاكلنا هي الانقسام وتشتت البوصلة وعدم وجود رؤية واضحة لدى الساسة عن المستقبل. فسياسة اليوم هي إن لم تكن تنتمي إلينا فأنت متهم إنك مع الطرف الآخر!! فأنا وغيري من الشباب لا معكم ولا مع الطرف الآخر ، فلن يدهشني إذا قررت غزة فتح مكتب تمثيل لها في رام الله ورام الله تفتح مكتب تمثيل لها في غزة، بعد أن باءت كل محاولات المصالحة والوساطة بالفشل.
فيجب علينا التكاتف جميعاً من أفراد, ونشطاء ومثقفين ومؤسسات مجتمع مدني وكل إنسان غيور على هذا الوطن بالضغط على طرفي النزاع من قادة وساسة للدفع بهم لإنهاء المسرحية الهزلية التي عانينا منها جميعا خلال الثماني سنوات العجاف المنصرمة للخروج من هذا الوضع المخجل الذي وصلنا إليه بأيدينا ورأب الصدع بين شطري الوطن الجريح الذي يتسع للجميع وليس حكراً على تنظيم أو جماعة معينة, ومن ثم العمل على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بجدول زمني معين، والتي من وجهة نظري سيكون النصيب الأكبر بها للمستقلين والمثقفين بالإضافة إلى النشطاء الغيورين على الوطن، ولن تكون كسابق عهدها باكتساح تنظيم أو حركة معينة لجميع مقاعد البرلمان، بل ستكون محاصصة ومناصفة بعد أن خسرت التنظيمات الكثير من قاعدتها الشعبية خلال الأعوام المنصرمة نتيجة عدم وفائها بتعهداتها وعدم تطبيقها برنامجها الانتخابي, بعد أن أصبحت المصلحة الحزبية في فلسطين أولى من مصالح الشعب.
بهذا المقال ألخص وضع الشباب في غزة والمستقبل الذي ينتظرنا إن لم نعمل معا على خلق مستقبل أفضل يرقى إلى حجم تضحيات أبناء الوطن، فإن لم نفعل فلن يكون هناك وطن، فحالي كحال الكثير من أبناء شعبي الغيورين على تراب هذا الوطن، مواطن يريد العيش في وطنه كريما بأمان، يؤدي واجباته تجاه الوطن على أكمل وجه ويأخذ حقوقه التي كفلها له القانون دون أي أدنى نقص، وأحمد الله أنني لا أتلقى راتب من هنا أو هناك، فلو كنت كذلك لما كتبت هذا المقال.
وفي نهاية مقالي أدعو أصحاب القرار من أبناء شعبي أن يضعوا الطموحات السياسية جانباً وأن يفكروا ويخططوا لأبناء هذا الوطن، كما يفكروا ويخططوا لأبنائهم وأحفادهم، فنحن أيضا أبناؤكم، والوطن أنا وأنت وليس أنا أو أنت، " فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ، "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ".
فكرت كثيرا بعد أن نشرت مقالتي السابقة بعنوان " نظرة على الساحة العربية ومستقبل غزة" بالخطوة التالية، وما هي المواضيع التي من الممكن التطرق إليها ؟!، فاتخذت قراري بأن أتطرق لموضوع غاية في الأهمية ويلامس كل ملامح حياتنا اليومية، ألا وهو موضوع الشباب في غزة والمستقبل المظلم الذي ينتظرنا.
وما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع تحديدا هو أنني بعد عودتي لغزة من فترة ليست بعيدة وأنا أعاني يوميا ما يعانيه كل شباب الوطن من ضياع البوصلة والتخبط والإحباط وفقدان الأمل، فلا يوجد عندي أدنى فكرة عن مستقبلي ومستقبل هؤلاء الشباب في هذا البلد المنكوب.
فإذا ما نظرنا لحياتنا نحن فئة الشباب في غزة ونحن نمثل الغالبية العظمى من هيكلة التعداد السكاني فسنجد أننا عشنا طفولتنا في الانتفاضة الأولى ولم نتمتع بها كباقي أطفال العالم، فعانينا من الاحتلال والخوف وسياسة تكسير العظام ، والإضرابات المتتالية والاضطراب في التعليم، ومنع التجوال من الثامنة مساءً حتى الصباح، ومازالت ترن في أذني حتى يومنا هذا مناداة جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر مكبرات الصوت معلناً عن بدء حظر منع التجول قائلا "يا أهالي قطاع غزة يفرض عليكم نظام منع التجول من الآن وحتى إشعار آخر" وكأن ذاكرة تلك الأيام نقشت في عقلي الباطن وأصبحت تتداول كالأفلام القصيرة بين الحين والآخر.
وبعد انتهاء انتفاضة الحجارة وتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في أيلول ١٩٩٣ شعرنا بالحرية للمرة الأولى في تاريخنا وعاصرنا الانفتاح على العالم الخارجي وسهولة الحركة عبر معبر رفح ومطار غزة الجوي وتوافد الوفود العربية والأجنبية بالإضافة لإخواننا من عرب ٤٨ واستمتعنا بالسفر إلى الأراضي المحتلة عبر الممر الآمن والتمتع بالوطن المسلوب، فعاشت غزة انتعاشة اقتصادية وسياحية غير مسبوقة، وهذه الفترة لا تتعدى الست سنوات فقط، انتهت باقتحام شارون وتدنيسه للمسجد للأقصى، حيث بدأت الانتفاضة الثانية وعادت الاضطرابات والإغلاقات والحصار وكتب علينا خوض ثلاث حروب متتالية كفيلة بتدمير نفسية أمة بأكملها.
فأما عن الانقسام فحدث ولا حرج، فمنذ الحرب الأهلية عام ٢٠٠٧ أو كما يسميها البعض بالأحداث الفلسطينية، فإننا أصبحنا نعاني من مشكلات لا حصر لها بسبب التخبط بين حكومات الوطن ودفع هذا الحكومات بالمواطن نحو المجهول والاستخفاف به والتلاعب بمستقبله وقوته اليومي وقوت أبنائه ، ومن بين هذه المشكلات التي لا تخفى على أحد هي مشكلات المياه والكهرباء والغاز والبنزين وسياسة تكتيم الأفواه وتقويض الحريات وتهميش دور المرأة في المجتمع مع أنها تمثل نصف المجتمع وهي من أنجبت النصف الآخر، ومشكلة الفقر وعدم توفر فرص عمل للخريجين وأصحاب الكفاءات فوصلت معدلات البطالة لنسب قياسية قد تعدت ٥٠٪ بالإضافة لغياب الدعم للمواهب والطاقات، فبدل أن يدعموا الفاشل حتي ينجح، ضيقوا وقيدوا الناجح حتى فشل، ناهيك عن هجرة العقول البشرية ورأس المال للبحث عن بيئة آمنة للإستثمار ومكان يقدر العقول والكفاءات البشرية المنتجة.
وبالإضافة إلى هذا كله، حكم على سكان قطاع غزة بالعيش في أكبر سجن عرفته البشرية، وأصبحنا جميعاً معزولين عن العالم الخارجي، وأصبحنا نرى العالم عبر شاشات التلفاز ونتواصل معه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعدنا بعداد الزمن للعصور الحجرية، فأصبحنا جميعا مرضى نفسياً "وأنا أوّلكم" !!
فلعل سفن الموت والهجرة الغير شرعية كانت أرحم من واقع غزة لبعض الشباب وعائلاتهم ممن أنهكتهم الأوضاع السيئة في أوطانهم، أما البعض الآخر آثر الهرب إلى الطرف الآخر من الوطن عبر اجتياز السياج الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة تحت صليات الرصاص، والبعض اتجه إلى الإدمان على "الترامادول" ليغيب عن الواقع المرير الذي يعيشه، وأما البقية المتبقية يحاولون التعايش مع الواقع وينتظرون أن يأتي الفرج من السماء.
فإذا جلست في المقهى مع بعض الأصدقاء ستجد أن الأحاديث لا تخلو من المشاكل التي تم ذكرها، بالإضافة إلى الذُل والمهانة التي تلحق بمن هم من سكان غزة في المطارات والمعابر العربية والدولية وكأنهم مرض طاعون، الكل يريد التخلص منهم، بالإضافة إلى إعادة الإعمار وعدم وفاء المتعهدين بوعودهم وتبادل الاتهامات هنا وهناك، ناهيك عن الحديث عن الحرب وويلاتها والتنبؤ بموعد الحرب القادمة، وكأننا أصبحنا جميعا خبراء عسكريين.
أما غزة فهي مدينة غريبة الأطوار، عصية على الأعداء، قاسية على أبنائها ، ولم يستطع الغزاة أن يحكموها، فبعضهم قتل على أبوابها وبعضهم انهارت قواته من بسالة جنودها والبعض الآخر تمنى أن يبتلعها البحر، والبعض من أبنائها رمى همومه في البحر وسد أذنيه عن الاستماع لمطالب أهلها ، فهي مدينة مغلوبة على أمرها، وأنت بداخلها تكرهها وتدفع الغالي والنفيس للخروج منها والابتعاد عنها، ولكن بعد لحظات من تركها تشتاق إليها وتحن للعودة لها، فيصفها البعض تارة بالأم الحنون التي تدافع عن أبنائها باستماتة ، وأشخاص آخرون يصفونها بالبحر الغادر الذي يلتهم كل شيء في باطنه كما التهم الكثير من أبنائها في سفن الموت، وكأن طائر العنقاء الذي يخرج من بين الدمار والركام لم يأت من الفراغ ليكون شعاراً لغزة، و أما بالنسبة لي فهي مفصومة الشخصية أراها في اليوم بألف حال وكأن أحداً ما من السلف قد نثر فيها حبات من السحر وقرأ عليها تعويذته لتظل مفصومة إلى الأبد.
وبعد استماعي وحديثي المطول مع الكثير من الأصدقاء والمعارف وبعد أن تبادلنا أطراف الحديث عن أوضاع البلد وفكرة كل منهم أستطيع أن ألخص حديثي بالتالي:
أصبح الهدف الإستراتيجي للكثير من أبناء الشعب الهجرة للخارج والحصول على جواز سفر يكفل لهم مستقبلهم ومستقبل أبنائهم ومن ضمنهم أشخاص وضعهم الاجتماعي والاقتصادي ممتاز جدا.
كل شيء يحدث هنا وهناك نتهم الاحتلال فيه على أنه السبب، وأنا لا أبرئ الاحتلال من مشاكلنا ولكن الاحتلال مسؤول بشكل مباشر عن الكثير من مشاكلنا الأساسية، أما المشكلة الجوهرية وهي مشكلة الانقسام فنحن من نتحمل عواقبها، فبعد أن كنا ندافع عن القدس واللاجئين وحق العودة، أصبح أكبر همنا لقمة العيش وفتح المعابر وانتظام جدول الكهرباء الذي حفظه البعض منا عن ظهر قلب كأننا عدنا بالزمن لجدول الضرب.
إذا أردنا حل أي مشكلة فعلينا تحليلها ومعرفة أسبابها وتبعياتها ومدى تأثيرها فإذا عرفنا هذه الأمور يمكننا وضع إستراتيجية لحلها، فأول مشاكلنا هي الانقسام وتشتت البوصلة وعدم وجود رؤية واضحة لدى الساسة عن المستقبل. فسياسة اليوم هي إن لم تكن تنتمي إلينا فأنت متهم إنك مع الطرف الآخر!! فأنا وغيري من الشباب لا معكم ولا مع الطرف الآخر ، فلن يدهشني إذا قررت غزة فتح مكتب تمثيل لها في رام الله ورام الله تفتح مكتب تمثيل لها في غزة، بعد أن باءت كل محاولات المصالحة والوساطة بالفشل.
فيجب علينا التكاتف جميعاً من أفراد, ونشطاء ومثقفين ومؤسسات مجتمع مدني وكل إنسان غيور على هذا الوطن بالضغط على طرفي النزاع من قادة وساسة للدفع بهم لإنهاء المسرحية الهزلية التي عانينا منها جميعا خلال الثماني سنوات العجاف المنصرمة للخروج من هذا الوضع المخجل الذي وصلنا إليه بأيدينا ورأب الصدع بين شطري الوطن الجريح الذي يتسع للجميع وليس حكراً على تنظيم أو جماعة معينة, ومن ثم العمل على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بجدول زمني معين، والتي من وجهة نظري سيكون النصيب الأكبر بها للمستقلين والمثقفين بالإضافة إلى النشطاء الغيورين على الوطن، ولن تكون كسابق عهدها باكتساح تنظيم أو حركة معينة لجميع مقاعد البرلمان، بل ستكون محاصصة ومناصفة بعد أن خسرت التنظيمات الكثير من قاعدتها الشعبية خلال الأعوام المنصرمة نتيجة عدم وفائها بتعهداتها وعدم تطبيقها برنامجها الانتخابي, بعد أن أصبحت المصلحة الحزبية في فلسطين أولى من مصالح الشعب.
بهذا المقال ألخص وضع الشباب في غزة والمستقبل الذي ينتظرنا إن لم نعمل معا على خلق مستقبل أفضل يرقى إلى حجم تضحيات أبناء الوطن، فإن لم نفعل فلن يكون هناك وطن، فحالي كحال الكثير من أبناء شعبي الغيورين على تراب هذا الوطن، مواطن يريد العيش في وطنه كريما بأمان، يؤدي واجباته تجاه الوطن على أكمل وجه ويأخذ حقوقه التي كفلها له القانون دون أي أدنى نقص، وأحمد الله أنني لا أتلقى راتب من هنا أو هناك، فلو كنت كذلك لما كتبت هذا المقال.
وفي نهاية مقالي أدعو أصحاب القرار من أبناء شعبي أن يضعوا الطموحات السياسية جانباً وأن يفكروا ويخططوا لأبناء هذا الوطن، كما يفكروا ويخططوا لأبنائهم وأحفادهم، فنحن أيضا أبناؤكم، والوطن أنا وأنت وليس أنا أو أنت، " فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ، "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ".

التعليقات