بانوراما الحرب والسياسَة

بانوراما الحرب والسياسَة
آصف قزموز
أحداث ومحطات ومخططات مرايا وصوَرْ، عبرت أفق خيالنا وواقعنا على امتداد خط الحُلم المُنتَظَرْ، وطويت شخصيات ودول دون اتعاظٍ من دروسٍ وعِبَرْ. ولو مخرنا عباب ما جرى وتأملنا في الأحداث والصُّوَرْ، لوجدنا كل ما انطوى كان لهدفٍ مُضْمَر ولمُسْتَقَرْ، إلاَّ ما نَدَرْ، ما زال الوطن والإنسان في خَطَرْ، دواعش تفترس البَشَرْ، تقول لإبليسٍ فَشَرْ، تهدد كل معاني الخير وتعض حبات المَطرْ، وأدوا القنديل والزنابقَ في الحُفَرْ، واستهدفوا الشمسَ والإنسان والضياءَ والقَمَرْ ، موتٌ بالنار والسكين ديدنهم والدين ساوره الضَّجَرْ، ويدَّعوا إنْهُم بَشَرْ، لن ترتعد فرائصنا فَشَرْ فَشَرْ ستين فَشَرْ، الليل يفضحه النهار والنور يقتله السَّحَرْ،والأمن تحددهُ قَطَرْ، أمونَه وفتحيه وصَبْحَه وسعاد تهددها سَحَرْ، ونحن نجهل ما الخَبَرْ، إن كان الوتر على وطنٍ أم أن الوطنَ على وترْ. لكن ستشرق الشمس يوماً وتكبر حبات المَطَرْ، والمجرمين إلى زوالٍ في المزابلِ والحُفَرْ، وسيخرجوا من جلدنا وديننا ودمنا وتعلموا أنا بَشَرْ، ويعم الخير والعدالة والسلام المنتظَرْ، وسينجلي نورُ القَمَرْ.
ففي بداية سبعينيات القرن الماضي، أخرجت الثورة الفلسطينية من الأردن لتجري لمستقرٍّ لها في لبنان، بعد أن جرى ما جرى وهُيِّئت كافة الظروف والسيناريوهات اللازمة لبلوغ ذلك المستَقَر.
وفي العام 1978 بدأ التقليص الجدي للوجود الفلسطيني في لبنان، وذلك في منطقة الجنوب من خلال الاجتياح الاسرائيلي الذي سمي باجتياح العام 78 . فشكل ذلك عملياً مقدمات المرحلة الأولى وبداية العد العكسي لإخراج الثورة الفلسطينية من لبنان.
لكن سرعان ما تطورت الأحداث لتشهد تلك الحقبة، إحداث شرخ بين القوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية من جهة والسوريين، تسببت بها اغتيالات وتصفيات لقادة ومسؤولين ورموز لبنانية، مثل كمال جنبلاط، وسليم اللوزي وغيرهم، حيث وجهت أصابع الاتهام في ذلك للسوريين، ما أدى الى توتير العلاقة بين السوريين والفلسطينيين، وتقطعت الصلات والعلاقات بين سورية والقوى الوطنية اللبنانية، الأمر الذي هيأ لمناخات وظروف لاجتياح العام 1982. وفلسطينياً في ذات الإطار والاتجاه، وخدمة لذات السيناريو الجاري لمستقره المرسوم، كان قد جرى في النصف الأول من السبعينيات اغتيال القادة الثلاثة، وأبو علي حسن سلامة، وغسان كنفاني وغيرهم، وتوالت الأحداث المرسومة، وتعمقت الخصومة، بأيدٍ خفية وأخرى معلومة.
وفي العام 1982 قامت إسرائيل بعدوانها على لبنان، وقيل آنذاك إن الاجتياح قد تم بعلم ومعرفة النظام العربي الرسمي، وذلك بهدف استكمال عملية إخراج الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير من لبنان، علماً بأن المنظمة كانت قد حاولت الحصول على دعم عربي استباقي لردع العدوان، فرفض العرب جميعاً تقديم هذا الدعم ولا سيما صواريخ سكود بعيدة المدى.
وكان نتيجة الاجتياح وما بعد حصار بيروت، أن أخرجت الثورة الفلسطينية الى تونس بعد الاتفاق الذي أبرمه فيليب حبيب، على أساس تعاقد لمدة عشر سنوات من 1982- 1992 مع تونس. وخلال العشر سنوات، تم ضرب العراق كقوة لا يستهان بها، باعتبارها عاملا معرقلا للمخطط المرسوم للمنطقة، إذ لم يكن بمقدور العرب ولا الفلسطينيين ولوج مشروع السلام بوجود عراق قوي.
وعلى الصعيد الدولي كان يجري هدم الجدار الاستنادي المتمثل بالمنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي ودول عدم الانحياز، وما كان في فلكها من دول وأحلاف مؤازرة للشعب الفلسطيني وثورته المعاصرة.
وهكذا فتحت قناة الاتصال الفلسطينية الأميركية عام 1989، وذلك بالاعتراف بمنظمة التحرير، وتخلي الأخيرة عملياً عن الكفاح المسلح، والإقرار بالمفاوضات المباشرة ومبدأ الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وكان المجلس الوطني الذي عقد عام 1988 في الجزائر، قد شكل بقراراته عربون محبة، ومقدمة لهذا الاعتراف المتبادل، الذي امتد بنا لأوسلو عبر مدريد. حيث كانت مدريد في العام 1993 تشكل ساحة التفاوض المعلنة، بينما كانت أوسلو تشكل بالتوازي القناة والساحة السرية التي أوصلتنا للاتفاق مع الإسرائيليين. وما كان لكل هذا أن يتم، لولا ما سبقه من هزائم فلسطينية وعربية ودولية، وذلك بانهيار كافة الجدران الاستنادية الداعمة والمؤيدة للثورة الفلسطينية، ولا سيما من خلال الحصار المالي وتجفيف الموارد قبيل توقيع اتفاق أوسلو بأكثر من أربع سنوات، ناهيك عن تضييق الخناق على حركة الفلسطينيين بين البلدان المختلفة في العالم العربي والعالم، وفي كل هذا استحقاقات وتبعات يجب أن نراها بعينٍ وبصيرة.
ولم يكن اعترافنا بقرارات 242 و338 ، إلاَّ التوطئة والفرشَة اللازمة لإدخالنا معترك الاعتراف المتبادل عبر أوسلو، برغم كل الصعوبات التي واجهها الرئيس الشهيد ياسر عرفات في التصويت داخل المجلس الوطني في العام 1988، من أجل الحصول على موافقة المجلس على القرارين المذكورين.
وعلى الشاطئ الآخر لهذه السيناريوهات المرسومة والتصفيات وعمليات الإزاحة، نذكر ولا ننسى، أن رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه، الذي كان معروفاً بمواقفه الصريحة والجريئة فيما يتعلق بقضايا السلم والديمقراطية والأمن في العالم، وتأييده للقضية الفلسطينية، وبعلاقاته المميزة مع فيديل كاسترو وصدام حسين وياسر عرفات، قد اغتيل.
وقبله لم يكن مصير الكونت برنادوت أفضل من مصير مواطنه بالمه، حيث كان وسيطاً للسلام بين المتحاربين في الحرب العالمية الثانية، ونستون تشرشل وهاري ترومان، وأسهم في إنقاذ آلاف الأسرى من معسكرات الاعتقال النازية، ليحل وسيطاً باسم الأمم المتحدة في العام 1948 لوقف المواجهات بين العرب واليهود في فلسطين، فحقق الهدنة ونجح في الدعوة لمفاوضات رودوس العام1948، فأثارت اقتراحاته برفض ضم بعض الأراضي الفلسطينية الى اسرائيل بعد قرار التقسيم، واقراحاته الأخرى بوضع حد للهجرة اليهودية، ووضع مدينة القدس بأكملها تحت السيادة الفلسطينية، فاغتيل في أيلول عام1948 في الجزء الغربي من مدينة القدس، على يد عصابتي شتيرن والأراغون بزعامة اسحق شامير ومناحيم بيغن. والطريف المحزن، أنه تم خلال 24ساعة توقيف 250 عضواً من منظمة شتيرن التي تم حلها في اليوم التالي في إطار ما سمي بمكافحة الإرهاب، كما أن زتلر الذي نفذ عملية الاغتيال كان قد أكد أنه تلقى ضمانات من وزير الداخلية غرونباوم آنذاك، بأنه سيتم معاقبته إرضاءً للمجتمع الدولي وبالتالي سيتم العفو عنه فيما بعد، وهذا ما حصل.
وخلال مهرجان خطابي مؤيد للسلام في تل أبيب العام 1995 ، اغتيل رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق اسحق رابين على يد المتطرف الإسرائيلي يغئال عمير، ليخط بمقتله مسار الانكفاء الإسرائيلي عن المصالحة التاريخية التي أبرمها مع الفلسطينيين، وبدء عمليات هدم بذور وجذور تمكين السلام الوليد في مهده آنذاك.
وما لبث أن استمر السيناريو بجملة متسلسلة من الأحداث التي شكَّلت التوطئة اللازمة لاغتيال الشهيد ياسر عرفات، باعتباره من منظورهم العقبةً الكأداء في وجه سيناريوهاتهم وخططهم مسبقة الإعداد والتحضير والتهيئة والرؤى البعيدة، فقتل ياسر عرفات لتسدل الستارة على كامل تلك المرحلة التاريخية الطويلة إيذاناً بميلاد المرحلة الجديدة التي نحن في خضمها ومعمعانها. وعلشان هيك وفي سياق ذات الأهداف والغايات المشابهة قتل جون جارانج في السودان مثلاً لأنه كان ضد الانفصال وجيء بسلفاكير الذي حقق الانفصال وكانت إسرائيل ضيف الشرف وجرت الأمور لمستقر لها تحت رعايتها.
وبالتالي، هي إزاحات واغتيالات برسم السياسات وحروب توظف لحساب الأجندات، ناهيك عمن استمرؤوا اليوم ذبح الناس وحرقهم بدمٍ بارد بدعوى الدفاع عن الإسلام. ولم تكن أحداث هذه السيناريوهات وإزاحة القادة والشخصيات تجري، معزولة عما خُطِّط له وجرى في دول عديدة لا سيما في منطقتنا بالمعنى الواسع للكلمة، فما يجري في مصر مربوط بما يجري في سورية والعراق وليبيا وعموم دول المنطقة، ما يذكرني بمقولة الفنان السوري الراحل حسني البورزان، "إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا يجب أن نعرف ماذا في البرازيل".
أخيراً ما أود قوله، إنه الإرهاب وذات الإجرام، تعددت أشكاله وعناوينه ومراحله التاريخية في مسار ممتد، لكن من المحزن والمحبط أن نقرأ ونرى أبعاد وأهداف هذه الأحداث ومآلاتها الظاهرة تجلياتها للأعمى والبصير، ويستمر بعضنا باجترار مواقف وسياسات حالمة أو غايبِة فِيلِهْ، وكأنهم خارج الكوكب.
[email protected]

التعليقات