خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله
رام الله - دنيا الوطن
ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، فهي صمّام الأمان من الزلل والانحراف، وقد جعلها الله مفتاحاً للفرج، وعوناً على المصاعب والتّحديات.
لقد أقفل الأسبوع الماضي على أصداء العمليّة النّوعيّة الَّتي جرت في مزارع شبعا، والَّتي أظهرت مدى القوّة والعزيمة والإرادة التي تمتلكها هذه الأمّة، وأثبت أنَّها قادرة، إن وحّدت جهودها وطاقاتها، ووجَّهت بوصلتها تجاه هذا العدوّ، على دحره ومنعه من امتلاك حريّته في العبث بالأمن والمقدّسات، رغم معرفتنا بحجم الصّعوبات والتّضحيات.
فهذا العدوّ يستفيد دائماً من تشتّتنا، ومن تضييع البعض منا للبوصلة، ومن الّذين يصرّون على نقل المعارك إلى داخل هذه الأمّة، ويوجّهون العداء إلى هذا المذهب أو ذاك، أو هذا الدّين أو ذاك، أو هذا البلد أو ذاك، أو هذه القوميّة أو تلك، بدلاً من العداء لعدوّها الأساس، بحيث يُترك العدوّ يتغطرس ويتجبّر، بل قد يسعى البعض إلى الاستقواء به ومداهنته.
وقد تكون الخطورة أكبر عندما يستعير البعض العنوان الإسلاميّ والشّعارات والفتاوى الإسلاميّة، بحيث يستبيح الدّماء والبلدان، ويعبث بالأمن والاستقرار، ويهدّد كلّ مواقع القوّة الموجودة في أكثر من بلد، تحت هذه العناوين، وهذا الّذي نعانيه في هذه المرحلة، فيما بات يُسمى بالمنطق التكفيريّ، الَّذي يعبَّر عنه بأكثر من مجموعة.
إنّ هذا المنطق هو ما يتهدّد لبنان في أمنه، سواء في الداخل أو في حدوده الشّرقيّة، وقد بات الخطر الأساس في سوريا والعراق واليمن وليبيا، كما أنه يستنزف الجيش المصريّ في سيناء، ويفجِّر المساجد في باكستان، كما حدث في صلاة الجمعة الفائتة، ويتفنّن في قتل الأسير دون مراعاة لأخلاقية التعامل معه، كما حدث للطّيار الأردني، ويستبيح الزائرين اللبنانيين في دمشق، والقائمة تطول.
إنَّ هذا الواقع الخطير الَّذي لم تعد تقف حدوده عند ما يتعرَّض له الحجر والبشر، وما يُستتبع من استنزاف للقدرات وللقوة، بات يسيء إلى صورة العالم العربيّ والإسلاميّ، وإلى قيم الإسلام ونصاعتها وإشراقتها، حتى باتت أفعال هؤلاء تشكّل حاجزاً يمنع من وصول الإسلام إلى عقول الآخرين، ويهدّد انتشاره.
ومن هنا، نحن بحاجة إلى استنفار كلّ الجهود، وبذل كلّ الطاقات، لمواجهة هذه الظّاهرة، لتوازي حجم الأخطار الّتي تنتجها، فلا ينبغي الاقتصار فيها على المعالجة الأمنيّة، بل قد تؤدّي هذه المعالجة وحدها إلى تقوية حضورها، بحيث تبدو في وجدان الكثيرين أنها مظلومة، ولا سيَّما إذا كانت الحرب تتحرك تحت عنوان دوليّ، كما يحصل في التّحالف الدّوليّ، لذلك، لا بدَّ من أن يواكب الجهد الأمنيّ بجهد فكريّ، فهذه الجهات تتغذّى على أفكار ومدارس فكريّة، لا بدَّ من إظهار تهافتها، وعدم ثبوتها أمام النقد. وهنا، دعونا ولا نزال ندعو إلى ضرورة تنقية الكتب من كلّ ما يستفيد منه هذا المنطق، في تكفيره وإجرامه.
ويبقى الأساس هو الحاضنة الَّتي تؤمّن لهؤلاء الإمكانات الماليّة والدَّعم السّياسيّ والأمنيّ، وأن لا يكون هناك إرهاب مقبول، لأنه ابن ستّ، وآخر غير مقبول، لأنه ابن جارية، ويُصفَّق لإرهاب يتعرَّض لمذهب معيّن أو بلد، فيما يندّد به عندما يتعرّض لمذهب آخر، أو دين آخر، أو بلد آخر..
لذلك، نقول لمن يواجهون الإرهاب: إنّ هذا الإرهاب لا بدَّ من أن يواجه بالجملة، وإلا كما رأينا في الواقع، سينعكس في النهاية على الَّذين غضّوا النظر عنه، أو صفَّقوا له، أو أيّدوه. والحاضنة الأساس لهذا الإرهاب، تبقى في هذه المرحلة متمثلةً بالتّوتّر والانقسام والخلاف الحادّ.. ومن هنا، نرى أنّ مواجهة هذا الإرهاب، تكون بالعمل على تبريد السّاحات الدّاخليّة، وإزالة التّوتّر والتّشنّج من داخلها، فقد كان ذلك كلّه بمثابة الرئة الّتي يتنفس منها.. فلا يمكن للمواجهة أن تثمر في ظلّ هذا التوتر الّذي يعبث بالسّاحات المختلفة.
ومن هنا، تدعو الحاجة إلى تعزيز لغة الحوار والتواصل، ومدّ الجسور، وقبول الآخر، لتكون بديلاً من لغة التقاطع والتراشق بالكلمات الحادّة والسّباب واللعن.. ونحن عندما ندعو إلى حوار، فلا ندعو إلى أيّ حوار، بل إلى الحوار الجادّ والموضوعي الهادف الّذي يؤدي إلى نتائج، لا حوار الشّكليات.
وفي الوقت الّذي نبارك اليقظة التي يعيشها العالم العربيّ في مواجهة هذا الاتجاه الإرهابي التكفيري، نستغرب أن يكون من في هذا العالم قد استيقظ الآن، والتفت إلى خطورته، بعدما أمعن في بلادنا في السّابق خراباً وتفتيتاً، حتى بات علاجه صعباً.
ونحن في لبنان، وانطلاقاً من الحرص على مواجهة هذا المنطق التكفيري الَّذي بات يتهدّدنا، نؤكّد أهمية الحوار الجاري، وندعو إلى تثبيته، وإلى أن يتوسّع ليشمل مواقع أخرى، فلا يمكن مواجهة هذا التحدّي بالترهّل والانقسام والضّعف الداخليّ..
ونحن هنا، نثمّن القرارات الّتي اتخذت، والّتي عبّرت عن جدّيتها مسارعة الجميع إلى البدء بتنفيذها قبل ساعة الصّفر التي حُدِّدت، وذلك بإزالة الشّعارات واللوحات الحزبيّة، والتوافق على ذلك، وكلٌّ في موقعه، وبالتعاون مع الدولة، ومواجهة عادة إطلاق الرصاص الّتي باتت تلازم إطلالة المسؤولين، والَّتي لم تعد تداعياتها الخطيرة تقف عند حدود ملاحقة الرصاص الطائش للناس في بيوتهم، أو سياراتهم، أو في الشوارع، والّتي تصيب منهم مقتلاً أو جرحاً أو رعباً، بل باتت تساهم في استفزاز الآخر في الموقع السّياسيّ أو المذهبيّ أو الدّينيّ، وهي قد تفسح المجال للعابثين بأمن البلد، ليسعِّروا الفتنة، أو يدخلوا من خلالها..
إنَّ هاتين الخطوتين، رغم رمزيّتهما، لهما الكثير من الأهميّة إن استتبعتا بالكفّ عن التصريحات الحادّة، كالتي أطلقت في الأيام السّابقة، بعد ردّ المقاومة في مزارع شبعا..
إنّنا نعيد التشديد على ضرورة اتّساع هذا الحوار وغيره، ليشمل كلّ القضايا الّتي يعانيها المواطن، سواء السياسيّة أو الأمنيّة أو المعيشيّة، ونريد لهذا الحوار أن يدخل كلّ ساحات العالم الإسلاميّ، حتى لا نعيش الإحباط، ونخضع لسياسة التّقسيم النفسيّ الّذي يمهّد للتّقسيم الواقعي.
ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، فهي صمّام الأمان من الزلل والانحراف، وقد جعلها الله مفتاحاً للفرج، وعوناً على المصاعب والتّحديات.
لقد أقفل الأسبوع الماضي على أصداء العمليّة النّوعيّة الَّتي جرت في مزارع شبعا، والَّتي أظهرت مدى القوّة والعزيمة والإرادة التي تمتلكها هذه الأمّة، وأثبت أنَّها قادرة، إن وحّدت جهودها وطاقاتها، ووجَّهت بوصلتها تجاه هذا العدوّ، على دحره ومنعه من امتلاك حريّته في العبث بالأمن والمقدّسات، رغم معرفتنا بحجم الصّعوبات والتّضحيات.
فهذا العدوّ يستفيد دائماً من تشتّتنا، ومن تضييع البعض منا للبوصلة، ومن الّذين يصرّون على نقل المعارك إلى داخل هذه الأمّة، ويوجّهون العداء إلى هذا المذهب أو ذاك، أو هذا الدّين أو ذاك، أو هذا البلد أو ذاك، أو هذه القوميّة أو تلك، بدلاً من العداء لعدوّها الأساس، بحيث يُترك العدوّ يتغطرس ويتجبّر، بل قد يسعى البعض إلى الاستقواء به ومداهنته.
وقد تكون الخطورة أكبر عندما يستعير البعض العنوان الإسلاميّ والشّعارات والفتاوى الإسلاميّة، بحيث يستبيح الدّماء والبلدان، ويعبث بالأمن والاستقرار، ويهدّد كلّ مواقع القوّة الموجودة في أكثر من بلد، تحت هذه العناوين، وهذا الّذي نعانيه في هذه المرحلة، فيما بات يُسمى بالمنطق التكفيريّ، الَّذي يعبَّر عنه بأكثر من مجموعة.
إنّ هذا المنطق هو ما يتهدّد لبنان في أمنه، سواء في الداخل أو في حدوده الشّرقيّة، وقد بات الخطر الأساس في سوريا والعراق واليمن وليبيا، كما أنه يستنزف الجيش المصريّ في سيناء، ويفجِّر المساجد في باكستان، كما حدث في صلاة الجمعة الفائتة، ويتفنّن في قتل الأسير دون مراعاة لأخلاقية التعامل معه، كما حدث للطّيار الأردني، ويستبيح الزائرين اللبنانيين في دمشق، والقائمة تطول.
إنَّ هذا الواقع الخطير الَّذي لم تعد تقف حدوده عند ما يتعرَّض له الحجر والبشر، وما يُستتبع من استنزاف للقدرات وللقوة، بات يسيء إلى صورة العالم العربيّ والإسلاميّ، وإلى قيم الإسلام ونصاعتها وإشراقتها، حتى باتت أفعال هؤلاء تشكّل حاجزاً يمنع من وصول الإسلام إلى عقول الآخرين، ويهدّد انتشاره.
ومن هنا، نحن بحاجة إلى استنفار كلّ الجهود، وبذل كلّ الطاقات، لمواجهة هذه الظّاهرة، لتوازي حجم الأخطار الّتي تنتجها، فلا ينبغي الاقتصار فيها على المعالجة الأمنيّة، بل قد تؤدّي هذه المعالجة وحدها إلى تقوية حضورها، بحيث تبدو في وجدان الكثيرين أنها مظلومة، ولا سيَّما إذا كانت الحرب تتحرك تحت عنوان دوليّ، كما يحصل في التّحالف الدّوليّ، لذلك، لا بدَّ من أن يواكب الجهد الأمنيّ بجهد فكريّ، فهذه الجهات تتغذّى على أفكار ومدارس فكريّة، لا بدَّ من إظهار تهافتها، وعدم ثبوتها أمام النقد. وهنا، دعونا ولا نزال ندعو إلى ضرورة تنقية الكتب من كلّ ما يستفيد منه هذا المنطق، في تكفيره وإجرامه.
ويبقى الأساس هو الحاضنة الَّتي تؤمّن لهؤلاء الإمكانات الماليّة والدَّعم السّياسيّ والأمنيّ، وأن لا يكون هناك إرهاب مقبول، لأنه ابن ستّ، وآخر غير مقبول، لأنه ابن جارية، ويُصفَّق لإرهاب يتعرَّض لمذهب معيّن أو بلد، فيما يندّد به عندما يتعرّض لمذهب آخر، أو دين آخر، أو بلد آخر..
لذلك، نقول لمن يواجهون الإرهاب: إنّ هذا الإرهاب لا بدَّ من أن يواجه بالجملة، وإلا كما رأينا في الواقع، سينعكس في النهاية على الَّذين غضّوا النظر عنه، أو صفَّقوا له، أو أيّدوه. والحاضنة الأساس لهذا الإرهاب، تبقى في هذه المرحلة متمثلةً بالتّوتّر والانقسام والخلاف الحادّ.. ومن هنا، نرى أنّ مواجهة هذا الإرهاب، تكون بالعمل على تبريد السّاحات الدّاخليّة، وإزالة التّوتّر والتّشنّج من داخلها، فقد كان ذلك كلّه بمثابة الرئة الّتي يتنفس منها.. فلا يمكن للمواجهة أن تثمر في ظلّ هذا التوتر الّذي يعبث بالسّاحات المختلفة.
ومن هنا، تدعو الحاجة إلى تعزيز لغة الحوار والتواصل، ومدّ الجسور، وقبول الآخر، لتكون بديلاً من لغة التقاطع والتراشق بالكلمات الحادّة والسّباب واللعن.. ونحن عندما ندعو إلى حوار، فلا ندعو إلى أيّ حوار، بل إلى الحوار الجادّ والموضوعي الهادف الّذي يؤدي إلى نتائج، لا حوار الشّكليات.
وفي الوقت الّذي نبارك اليقظة التي يعيشها العالم العربيّ في مواجهة هذا الاتجاه الإرهابي التكفيري، نستغرب أن يكون من في هذا العالم قد استيقظ الآن، والتفت إلى خطورته، بعدما أمعن في بلادنا في السّابق خراباً وتفتيتاً، حتى بات علاجه صعباً.
ونحن في لبنان، وانطلاقاً من الحرص على مواجهة هذا المنطق التكفيري الَّذي بات يتهدّدنا، نؤكّد أهمية الحوار الجاري، وندعو إلى تثبيته، وإلى أن يتوسّع ليشمل مواقع أخرى، فلا يمكن مواجهة هذا التحدّي بالترهّل والانقسام والضّعف الداخليّ..
ونحن هنا، نثمّن القرارات الّتي اتخذت، والّتي عبّرت عن جدّيتها مسارعة الجميع إلى البدء بتنفيذها قبل ساعة الصّفر التي حُدِّدت، وذلك بإزالة الشّعارات واللوحات الحزبيّة، والتوافق على ذلك، وكلٌّ في موقعه، وبالتعاون مع الدولة، ومواجهة عادة إطلاق الرصاص الّتي باتت تلازم إطلالة المسؤولين، والَّتي لم تعد تداعياتها الخطيرة تقف عند حدود ملاحقة الرصاص الطائش للناس في بيوتهم، أو سياراتهم، أو في الشوارع، والّتي تصيب منهم مقتلاً أو جرحاً أو رعباً، بل باتت تساهم في استفزاز الآخر في الموقع السّياسيّ أو المذهبيّ أو الدّينيّ، وهي قد تفسح المجال للعابثين بأمن البلد، ليسعِّروا الفتنة، أو يدخلوا من خلالها..
إنَّ هاتين الخطوتين، رغم رمزيّتهما، لهما الكثير من الأهميّة إن استتبعتا بالكفّ عن التصريحات الحادّة، كالتي أطلقت في الأيام السّابقة، بعد ردّ المقاومة في مزارع شبعا..
إنّنا نعيد التشديد على ضرورة اتّساع هذا الحوار وغيره، ليشمل كلّ القضايا الّتي يعانيها المواطن، سواء السياسيّة أو الأمنيّة أو المعيشيّة، ونريد لهذا الحوار أن يدخل كلّ ساحات العالم الإسلاميّ، حتى لا نعيش الإحباط، ونخضع لسياسة التّقسيم النفسيّ الّذي يمهّد للتّقسيم الواقعي.

التعليقات