منتدى موسكو مابين الكنة وحماتها

منتدى موسكو مابين الكنة وحماتها
بقلم : بسام البني
موسكو 
في خضم العاصفة السورية التي بدأت منذ أربع سنوات، (وفي الشهر الرابع تحديداً) قلت رأيي علناً بما يحدث، ويومها رحب برأيي بعض الأصدقاء ممن حولي وأثنوا عليه، وأبدى البعض الآخر تحفظه، كما أن هناك من التزم الصمت مع أني كنت أعبر عن ذاتي دون أن أفرض رؤيتي على أحد، تتابعت الأحداث، و ازدادت حدة التطرف في المواقف المتباينة، وعلت أصوات الأطراف المتخالفة في الرأي، و زاد صمت الصامتين.

مرت الأيام والشهور وتزايد حجم الدم المسفوك على مذبح الحرية من جهة، والعبودية من جهة أخرى، و لم ينج دم الصامتين والأبرياء من النزف، فسفك الدماء شمل الجميع. عندما بدأت ملامح عسكرة الحراك المدني وقفت في البداية ضد هذا الأمر، وعبرت يومها عن خشيتي من السلاح الذي سيطلق النار على النظام ولا يعلم أنه سيطلق النار على الدولة.

حاولت بكل طاقتي أن أثني من أحبهم عن عدم انجرارهم نحو حمل السلاح، وكان يأتيني الجواب نفسه ( لا نريد أن نموت رخيصين)، أنشئ ذراع مسلح للثورة فصار الموت يقبض على أرواح السوريين جميعهم، و من كل الأطراف مما زاد التطرف لدى الجانبين، الشيء الذي جعلني أقول يومها إن القادم سيكون أقتم مما نحن فيه، وكنت أقصد حينها ثلاثة أطراف:

أما الأول فهو مستقبل سوريا في المدى القريب، و أما الثاني فهي الرايات السوداء القادمة لا محالة، و الثالث والأهم هو مصير المواطن البسيط الصامت والذي بلا حول ولا قوة و الذي بات رهينة الحرب على السلطة، وذلك بعدما فقدنا الرعيل السلمي الأول للحراك أمثال غياث مطر الذي كان يحمل الورد والماء ليقدمه للجنود، نعم فقدت سوريا أجمل و أرقى شبابها بين مطرقة الثورة وسندان النظام.

بعد مرور حوالي ستة أشهر على بداية الأزمة السورية، بدأت أشعر وكأن هناك من يريد أن يقطع أي حبل قد يؤدي للقاء أبناء البلد الواحد حول رؤية واحدة ، وذلك عن طريق التصعيد والشحن والاستفزاز الإعلامي من كل الجهات، و التصفيات بتهم العمالة و الخيانة لأي صوت قد يكون معتدلاً.

لم يترك أي مجال حتى للصامتين الخائفين على أنفسهم، أو على مستقبل أبنائهم وأحفادهم ليعبروا عن مخاوفهم المشروعة تجاه الوطن، وعندما قالوا أنهم مع سوريا كانوا متهمين بالعهر، و أنهم رماديون ، تخيل لي وكأن الحال في سوريا كحال تيسين يتناطحان بعند و فوقية, وكل من كان في الوسط كان لا بد أن يذهب ضحية هذا التناطح العبثي.

ماذا جنينا في المحصلة وبعد مرور أربع سنوات سوى مئات الآف الشهداء؟ ماذا جنينا غير مخيمات اللاجئين، وملايين مهجرة داخل وخارج الوطن ؟ ماذا جنينا سوى مئات الألوف من المعاقين جسديا،ً وملايين من المعاقين نفسياً وأنا أولهم؟.

أين شباب الجيش الحر الذي أراد الذراع العسكري للثورة من خلاله إسقاط النظام، و بناء دولة المواطنة و القانون؟. الأمر الذي أيدْته بكل طاقتي الكلامية والمعنوية لفترة طويلة؟، أين دول (أصدقاء سوريا) الذين تعهدوا بإسقاط النظام ولم أصدقهم في يوم من الأيام؟.

سأجيبكم.....

الجيش الحر تفكك، واستشهد الكثير من شرفائه، وأكثر من بقي من أفراده تحول تحت ضغط الداعمين إلى جنود تحت لواء الخلافة و الراية السوداء، وأكثر من تعهدوا بنصرة الثورة انكشف أنهم منافقون، واقصد هنا (أصدقاء سوريا) وعلى رأسهم أمريكا.
.
أنا في معرض حديثي هنا لا أدافع عن أحد، و لا أبرئ أحد و لا أملك الحق بذلك، أنا فقط أقول رأيي ووجهة نظري بناء على معلوماتي الشخصية التي عرفتها من خلال مشاركتي في العديد من المؤتمرات و اللقاءات، ثبت أن خمس وتسعين بالمائة ممن يدعون تمثيل الثورة ويطلقون على أنفسهم لقب معارضين , لا يتبنون في أقوالهم وتصويتهم على مرشحيهم إلا مايرضي مموليهم بالمال والغطاء السياسي.

على مدى أربع سنوات وأنا أتعامل مع كل أطياف المعارضة السياسية بدء من أقصى اليمين لأقصى اليسار، ومعظمهم متشابهون، وأكثرهم آخر همهم سوريا، و أول همومهم حضور أي لقاء أو مؤتمر سيعقد هنا أو هناك، اتهامات ومزاودات و تشبيح ثوري، وتناقضات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكل ذلك كي يضمنوا قرصهم في العرس القادم (المؤتمر القادم)، دون أن يولي أحد منهم الانتباه إلى دم العروس الذي سفك على مذبح عهرهم السياسي.

والآن ألا يحق لأبي حنيفة أن يمد رجله؟؟ أعتقد أن الفئة الصامتة و الفئة المغلوبة على أمرها في صفوف المتناطحين هي من تمثل أبا حنيفة وآن الأوان لها أن تمد رجلها وتقول:

كفانا دماً وتهجيراً وتدميراً للبشر والحجر، قاتلتم حوالي أربع سنوات ولا غالب ولا مغلوب، فتعالوا لنتحدث، اتركوا بنادقكم في خنادقكم وتعالوا إلينا لنتكلم، تعالوا لنحافظ على أرواح من بقي، تعالوا لنوحد المصيبة و نحاول أن نجد لها حلاً، فوالله لو أجتمع مقاتلان سوريان من جبهتان متحاربتان في غرفة واحدة، و أغلق عليهما بابها ليوم أو يومين دون سلاح دون تدخل الغرباء، لخرجا منها متصالحين وموحدين ضد كل من خطف سوريا إلى التطرف والحرب، ولتوحدا ضد أمراء الحرب والمال من كل الأطراف.


وأخيراً إثر مراقبتي عن كثب لمنتدى موسكو التشاوري الأول ومن خلال تسريبات جرت في الكواليس، ولقاءاتي مع الكثيرين ممن حضروا إلى موسكو، تأكد لي التالي:

مابين المعارضة أو المعارضات من جهة والنظام أو وفد الحكومة من جهة ثانية، ( مع اختلاف الوصف أو التسمية بين الجعفري وجميل ونعوميكن ولافروف و مرعي وكريدي والعيطة و سليمان إلى آخر القائمة ممن حضروا لموسكو ) شعرت وكأن مابين الكنة وحماتها، نكد بنكد وكيد بكيد.

بعضهم أتى إلى موسكو وعينه على جهات ممولة خدعت الشعب السوري باسم أصدقاء سوريا، وبعضها يختلف مع بعضها الآخر، على أسس التحاصص، وكأن الكعكة جاهزة للتقسيم!!، المدهش حقاً أنهم اختلفوا على شكل حل الأزمة أو الكارثة الإنسانية في سوريا ولكنهم لم يختلفوا على ضرورة الوصول إلى حل.

- يومان من النقاش في موسكو بين وفود المعارضة للاتفاق على ورقة عمل تقدم لوفد النظام في اليوم الثالث، لكن ماجرى أن وفود المعارضات اختلفت فيما بينها في اليوم الأول والثاني، وتباينت آرائها على الإعلام ولم يختلفوا أمام وفد الحكومة، الأمر الذي يطرح أسئلة كثيرة، تتعلق بمنهج ورؤى المعارضات حول تسوية الأزمة السورية.

التباين لدى البعض بشأن قراءة مبادئ موسكو إذ يفضي إلى الاعتقاد بأن تسوية الأزمة السورية، مرتبط بأبعاد إقليمية ودولية تفرضها شروط اللعبة الدولية ومدى ارتهان الأطراف بمسارات هذه الدول ومصالحها تجاه الأزمة، متناسين كل التلميحات والتصريحات الروسية حول ضرورة وضع الانتماء الإقليمي وأجندته على الرف وطرح الأجندة السورية بعيداً عن كل الاعتبارات المعطلة للحل.

ولذلك أرى أنه من المفترض على المشاركين ومن سيشاركون لاحقاً عدم الخلط بين الأولويات، و بين جوهر المسألة وهامشها، فالأولوية لوقف العنف والدمار وفتح الملف الإنساني كاملاً وبقوة ، والاتفاق على مكافحة الإرهاب الدولي بكل أشكاله، سبيلاً لتسوية الأزمة تحت إشراف الأمم المتحدة.

 


التعليقات