خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

رام الله - دنيا الوطن
 ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله. ولبلوغ التَّقوى، علينا أن نستهدي بهذه القصَّة، حيث يُذكر أنّ رجلاً مجوسياً يعبد النّار، طلب من النّبي إبراهيم استضافته، لكنَّ النبي(ع) أراد الاستفادة من طلبه، بدعوته إلى الإيمان، فقال له: "إن آمنت برسالتنا استضفتك"، فتركه المجوسي وانصرف.. فأوحى الله إلى النّبي إبراهيم(ع): "لمَ لا تطعمه إلا بتغيير دينه، وأنا أطعمته سبعين عاماً على كفره؟ ماذا عليك لو استضفته الليلة؟".

فأخذ النّبيّ إبراهيم(ع) يعدو خلف هذا الرجل، ويدعوه للضّيافة، فقال له المجوسي: "لن أرجع إليك إلا أن تخبرني"، فأخبره، فهزّ هذا الخبر المجوسي، وقال: "يا سبحان ربي، هكذا يعاملني وأنا أعبد سواه، ثم تاب وآمن وصدق في إيمانه".

أيها الأحبّة، هذا هو الله الَّذي نعبده، شمسه تشرق على الجميع؛ من أطاعه ومن عصاه، ومطره ينزل على الجميع؛ من آمن به ومن عاداه، ورزقه مبسوط حتى لمن عارضه بالذنوب. ومتى امتثلنا لأوامر الله، سنكون أكثر قدرةً على مواجهة التحديات، وما أكثرها!

والبداية من العدوان الصّهيوني الَّذي حصل في الأيام الماضية؛ هذا العدوان الذي أظهر مجدداً طبيعة هذا الكيان، الذي لا تقف طموحاته عند حدود، بل تمتدّ إلى كلّ مكان يمكنه الوصول إليه، كما يقول قادته.

لقد ظنّ العدو للوهلة الأولى أنه استطاع من خلال عملية الاغتيال التي قام بها، أن يكسب جولة جديدة من جولات الصّراع مع المقاومة، ولكن كلَّ الوقائع السّابقة، أثبتت أنَّ هذه المقاومة لا تضعف بسقوط قادتها ومجاهديها، ولا تنكسر شوكتها، بل إنَّ عودها يقوى بشهدائها، وجمهورها يكثر بهم، وتصبح أكثر حضوراً وفاعلية.

ولعلَّ ما يزيد من خوف العدو وارتباكه، هو حكمة المقاومة، وتأنّيها، وصبرها، وعدم تسرّعها وخضوعها لردود الفعل، فهي بالطّبع ستثأر لشهدائها، ولن تنام على الضّيم، ولن تترك العدوّ يهنأ بفعلته، ولكنَّها أيضاً تدرس كلّ الظروف، وتأخذ بعين الاعتبار كلّ الحسابات، وكان هذا سرّ قوتها، وسيبقى كذلك.

وهنا، نستغرب أن تنطلق بعض الأصوات الَّتي تبرّر للعدوّ جريمته، عندما تتحدَّث عن سبب وجود المقاومين في هذا المكان، فيما لا تتحدّث عن سبب استهداف العدو لهم، وكأنَّ للعدو الحقّ في أن يضرب ساعة يشاء، وساعة يريد، وفي أيّ مكان! كما أننا نستغرب أحاديث البعض ممّن اعتبروا أن هذه الصّورة ليست صورة لبنان، وهم في ذلك يتنكّرون لكلّ ما فعلته المقاومة في السّابق، عندما حرّرت الأرض، وما تقوم به اليوم، من لجم العدوّ، ومنعه من العبث بأمن هذا البلد.

إنَّنا نعتبر أنَّ ما حدث ينبغي أن يكون دافعاً للجميع، لوعي خطورة هذا العدو، الّذي لن يكون في أيّ وقت من الأوقات صديقاً لأحد أو حليفاً، ولا يمكن الوقوف معه على أرض مشتركة، كما قد يعتقد البعض.. ويكفي في ذلك تجارب التاريخ والحاضر.

ومن هنا، فإنَّنا نرى ضرورة أن تتوحّد كلّ الجهود لمواجهة هذا العدوّ في هذه المرحلة، وأن تذوب كلّ الحساسيّات والخلافات الّتي أنتجتها الأيام السّابقة.. فلنجمد كلّ الحروب الداخليّة لحساب الوقوف صفاً واحداً في مواجهته، فهو السَّبب في كلّ ما يجري من فتن وحروب، والغاية من كلّ ذلك، أن يكون الأقوى في المنطقة.

ومن هنا، نتطلَّع إلى ما يجري في سوريا، الّتي هي موقع الاستهداف، والتي يشتدّ فيها الصّراع لتدمير قوّتها، ولكي لا تكون قادرة على لعب دورها في مواجهة العدو الصّهيونيّ. وهنا، نعيد التَّشديد على ضرورة الاستفادة من كلّ فرص التّلاقي، سواء الّتي تجري في القاهرة، أو تلك الّتي يُراد لها أن تجري في سوريا، والعمل على إنجاحها، لعلَّها تؤدي إلى إخراج هذا البلد من معاناته، فليس هناك رابح في هذا الاستنزاف سوى الأعداء، وليكن الشّعار في ذلك: لنسلمنّ من أجل أن تسلم سوريا.

ونحن في هذا المجال، ننظر بإيجابيّة إلى كلّ المصالحات الّتي تجري في بعض خطوط التّماس، ما يقلّص رقعة الحرب، ويساعد على استكمال هذا السّعي إلى المساحات الأخرى.

وإلى البحرين، حيث كنّا نأمل أن تصغي السّلطات فيها إلى كلّ الدّعوات التي انطلقت لإطلاق سراح الشيخ علي سلمان، لكون ذلك يشكّل رسالة إيجابية يمكنها أن تساهم في التخفيف من التوتر الذي يشهده هذا البلد.

إنَّنا أمام ذلك، نعيد دعوة السّلطات في البحرين إلى أن تعود عن القرار بمحاكمته، وأن تفتح الأبواب واسعة للإصغاء إلى متطلّبات الشَّعب البحريني الحريص على وطنه وعلى أمنه واستقراره.

وأخيراً، نعود إلى فلسطين، الَّتي يبقى شعبها مصراً على مقاومته بإمكانات متواضعة، رغم معاناته في غزة والضفة، والحصار المطبق عليه، وصعوبة حصوله على لقمة العيش، وهذا ما تجلّى في العمليَّة الأخيرة التي قام بها شاب فلسطينيّ في تلّ أبيب، والَّتي أراد من خلالها أن يؤكّد أن لا سلام لهذا الكيان ما دام الشّعب الفلسطيني يعاني ويتألم، وتُدنّس مقدّساته.

 

التعليقات