عائلات فلسطينية شتتها العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على غزة تحلم بلم شملها

رام الله - دنيا الوطن
لم يعد بمقدور الثلاثيني عاهد أبو العطا الالتقاء بوالدته صباح كل يوم كما كان يفعل قبل العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة التي دمر خلالها منزل العائلة.
 
وكان أبو العطا يقطن مع زوجته وثلاثة من أبنائه في شقة داخل منزل العائلة المكون من أربعة طوابق على الحدود الشرقية لحي الشجاعية شرقي مدينة غزة قبل أن يتم تدميره بالكامل.
 
ويقول أبو العطا الذي سكن الآن مع أسرته في بيت مستأجر بعيدا عن عائلته "إن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة فرقت أفراد العائلة بعد قصف المنزل وتحويله إلى ركام".
 
ويضيف بنبرة حزينة "حسبنا الله عليهم فرقونا (...) كل شخص الآن يعيش في مكان استطاع أن يستأجر شقة به على نفقته الخاصة".
 
ويتابع "أنا وزوجتي وأولادي نعيش في شقة لوحدنا بعيدا عن أهلي وإخواني الذين رحلوا إيضا إلى بيوت في مناطق أخرى".
 
ويردف أبو العطا، "كل منا يعيش في منطقة بعيدا عن الآخر، وأنا الآن وصلت إلى بيت والدتي التي تتمنى أن أزورها كل يوم لكن المسافة بيننا أصبحت بعيدة".
 
ويعرب أبو العطا عن أمله، أن يتم اعادة اعمار قطاع غزة بشكل سريع حتي يعاد لم شمل العائلات الفلسطينية التي فقدت منازلها، مطالبا السلطة الفلسطينية بضرورة الضغط على الدول المانحة للوفاء بالتزاماتها.
 
وشنت إسرائيل هجوما عسكريا على قطاع غزة في الفترة من 8 يوليو حتى 26 أغسطس الماضيين خلف مقتل أكثر من 2140 فلسطينيا وأكثر من 10 آلاف جريح مقابل 71 قتيلا إسرائيليا إلى جانب هدم آلاف المنازل السكنية ودمار هائل في البني التحتية في القطاع.
 
وتعهدت الدول المانحة خلال مؤتمر عقد في القاهرة برعاية مصرية ونرويجية في 12 أكتوبر الماضي، بمبلغ 5.4 مليار دولار يخصص نصفه لصالح إعادة إعمار قطاع غزة.
 
بدوره ، يلجأ حسني سكر (55 عاما) كل يوم للاتصال ببناته المتزوجات عن طريق الهاتف بعد أن كانوا يسكنون معه في نفس المنزل المكون من أربعة طوابق شرقي مدينة غزة والذي فقده خلال الحرب الأخيرة.
 
ورغم أن المنزل الذي يقيم به سكر مستأجر على نفقة وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بقيمة 300 دولار شهريا ضمن برنامجها الخاص بدفع الإيجارات لمن هدمت منازلهم خلال الحرب الأخيرة على غزة من اللاجئين، إلا أن سكر يعرب عن امتعاضه لما وصلت إليه عائلته من تشتت.
 
يقول سكر، إن الوضع الاجتماعي "أصبح سيئا جدا والعائلة تفرقت وكل منا يعيش في مكان بعيدا عن الآخر".
 
ويتابع "بيتي كان مكونا من أربعة طوابق ويضم سبعة شقق ولي بنتين متزوجتين كانتا تعيشان عندي، ولكن الآن أصبحت واحدة منهن في شمال قطاع غزة، والأخرى في جنوبه".
 
ويردف سكر "تفرقت العائلة وتشتت واليوم أصبحنا لا نجلس مع بعضنا إلا ما قل ونذر"، مشيرا إلى أنه "بالكاد يرى بناته واخوانه مرة في الشهر بعد أن استأجر كل واحد منا بيتا بعيدا عن الآخر".
 
ويشكو سكر من تنقله بين البيوت بحثا عن منزل ملائم ليؤويه وأفراد عائلته بعد أن كان ينعم بالراحة داخل بيته.
 
ويقول "في كل لحظة أحلم أن يعمر بيتي الذي خسرته (...) أحلم بالاستقلال بعيدا عن جيران لا تربطني بهم أي صلة لأن البيت والعائلة أهم ما في الحياة".
 
ويوضح بنبرة غاضبة "الإقامة في بيت إيجار ليس ملكنا نكون فيه كغرباء ، ومن الممكن أن يأتي مالكه في أي وقت يطالبنا بالرحيل منه وبالتالي أين نتوجه بعد ذلك".
 
ويعرب سكر عن أمنياته بأن "لا يقيم في منازل مستأجرة إلى ما لا نهاية، وإنما العودة إلى أحضان منزله بعد إعادة إعماره ليضمه مع عائلته"، مشيرا إلى أن وضعه الاقتصادي الصعب يمنعه من بناء منزل على نفقته الخاصة.
 
ودعا سكر كافة الدول المانحة، إلى تحويل أموال إعادة الإعمار من أجل بناء المنازل المدمرة لأن أوضاعهم التي يعيشوها صعبة ومأساوية في ظل البرد القارص .
 
ويحتاج قطاع غزة بحسب مسؤولين محليين، ما يزيد على مليون ونصف المليون طن من الأسمنت، وأكثر من 5 ملايين طن من المواد الإنشائية لعمليات إعادة الإعمار.
 
وأعلنت (أونروا) أنها صرفت ما يزيد على 77 مليون دولار أمريكي على شكل دفعات نقدية للأسر المستحقة للاستفادة من حزم المساعدات الخاصة بالمساكن التي تقدمها الأونروا.
 
وقالت أونروا في بيان لها، إن الدفعات النقدية تتضمن صرف ما مجموعه 67 مليون دولار أمريكي لما يزيد على 59 ألف أسرة لاجئة للإصلاحات، إضافة إلى صرف ما يزيد على 10 ملايين دولار أمريكي لمخصصات بدل الإيجار، وحزم إعادة الإدماج المقدمة لأسر اللاجئين التي دمرت مساكنها أو أصبحت غير صالحة للعيش.
 
وأكدت أنها مستمرة في دعم اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة لإعادة بناء مساكنهم في أعقاب الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
 
وأشارت إلى أنها قيمت الأضرار لأكثر من 98 ألف مسكن متضرر من مساكن اللاجئين، داعية المجتمع الدولي إلى تأمين تمويل إضافي لكي تتمكن من الاستمرار في توفير حزم المساعدات الخاصة بالمساكن خلال العام الجاري .
 
وقدرت أونروا حاجتها إلى ما مجموعه 720 مليون دولار أمريكي لمخصصات بدل الإيجار وحزم إعادة الإدماج و إصلاح وإعادة إعمار مساكن اللاجئين الفلسطينيين التي دمرت أو أصابها ضرر خلال الصراع الأخير في غزة.
 
وبحسب البيان، تستمر أونروا في توفير المآوى الملائمة لأكثر من 14 ألف نازح داخلي متواجدين في 18 مدرسة من مدارسها والتي تستخدم حاليا كمراكز تجمع لعدد ممن دمرت منازلهم.
 
ويقول دكتور علم النفس في جامعة الأقصي في غزة فضل أبو هين، إن الحرب "لم تشتت العائلات الفلسطينية فحسب، إنما جعلت الوضع حاليا دون أفق سياسي أو اجتماعي أو أمني ولا نعرف ماذا سيحدث في المستقبل".
 
ويضيف أبو هين، أن "العائلات الفلسطينية في غزة تفرقت بدل الالتئام، وأصبح هناك انفراط للعقد الاجتماعي وبالتالي فإن التأثيرات السلبية للحرب الأخيرة على غزة تزيد".
 
ويتابع " أن أفراد العائلات في غزة معتادون على العيش إلى جانب بعضهم البعض وكلما كانوا في ظل الأزمات والضغوطات قريبين من بعضهم البعض تكون مساندتهم لبعضهم أكبر، ولكن كلما ابتعدوا عن بعضهم مثل ما حدث بعد الحرب تكون المساندة أقل".
 
ويشير أبو هين، إلى أن التشتت العائلي والتفرقة وبعد أفراد العائلات عن بعضهم البعض "يؤثر على الصحة النفسية لتلك العائلات".
 
ويرى أبو هين، أن "زوال التأثيرات عادة ما يكون بزوال الحرب، لكن ما تركته الحرب الأخيرة على غزة ومنها تشتت العائلات مازال باق إلى حد الآن ولا أفق لإزالته في ظل مرور ستة أشهر على انتهائها من دون الشروع بإعادة الإعمار".

التعليقات