لقاء مع نصر الله
رام الله - دنيا الوطن
كتب محمد حسنين هيكل
رياح التغيير من مصر الى الجزيرة ...
هو سيد كما يصفون ، سيد في النسب فجده نبي الامة ، وسيد في الكلام والخطابة ، وهو سيد في الوقار واللين ، وسيد في القيادة والحنكة .
كثر قد كتبوا مطولات في مقدمات مقابلاتهم معه ، ولو شئت لاطلت الحديث وطاوعتني كل الكلمات ، لكنه اجلى من ان يعرف لذا اقتصر على ما اوردت لاقول انني لا استطيع ان اكشف عن تفاصيل لقاء دام لاربع ساعات على مرحلتين في مقال واحد ، فكيف اذا كان اللقاء مع السيد حسن نصر الله امين عام حزب الله اللبناني ، والذي اتضح بعد لقائي الاخير معه انه اكبر من لبنان بكثير .
وطبعا اتحفظ عن ذكر كثير من المعلومات نظرا لطبيعتها الامنية والسرية ، وانني لم اكن بوارد ان افصح عن اي تفصيل من الجلسة التي مر عليها شهور ولم ينشر اي تسريب عنها لا في صحيفة ولا في اي وسيلة اعلامية .
لكن الذي استفزني للكتابة ما ذكره السيد نصر الله في خطابه الاخير الذي وجه فيه رسائل واضحة وقوية للبحرين بل للخليج ، هي نفس الرسالة التي وصلت الى حسني مبارك قبل سنوات من سقوطه ، حيث قرر القضاء علي حركة التشيع التي اخذت تنتشر في مصر باعتبار انها امتداد للثورة الايرانية وانها تشكل خطرا على الكيان المصري ، لكن نصيحة امنية من جهاز المخابرات المصرية جعلت مبارك يعدل عن رايه ، والنصيحة تفترض ان السماح لشيعة مصر بالبقاء بمستوى محدود يشكل مانعا قويا من تمدد حركة الاخوان التي تشكل الخطر الاكبر ، لذلك وافق مبارك واقتنع بالنصيحة وارسل خلف وجوه الشيعة ليرسم لهم حدود بقائهم ، فسمع منهم انهم غير معنيين بالعمل السياسي وان همهم ثقافي بحت ، وانه ان كان عند الدولة خوف منا فانا مستعدون ان نقدم لسيادة الرئيس مليون صوتا في الانتخابات نضمن تصويتها كلها لمحمد حسني مبارك .
والعبارة الاخيرة هي الرسالة ، ليس من حيث العدد الضخم وهو مليون ناخب ، وانما ضمان ان يقترع هذا المليون لشخص واحد ، فان مثل هكذا انجاز لا يمكن ان يتم الا من خلال وجود قيادة مؤثرة وقاعدة مطيعة ، انها ولاية الفقيه .
بهذه القصة بدا السيد الجلسة في حديثه عن مصر بعد ان سرد شيئا من التاريخ الفرعوني وصولا الى الاسلامي فالفاطمي فالحديث ، ليقول ان التاريخ يعيد نفسه فالفرعون الذي استضاف موسى في قصره ، اعاد استضافته في مصره .
والغريب انه لم يتوسع كثيرا في الحديث عن مشاركة مصر في الحرب على اسرائيل بل عندما وصل الي العصر الحديث سرعان ما وصل الى عصر مبارك وتناول الفساد والظلم من جهة ووجود مصر كاكبر دولة عربية من حيث السكان والمثقفين ليدخل من المثقفين الى تبني خيار المقاومة ونهج ايران ليصل منها الى موقف الشيعة مع مبارك الذي ذكرت ثم ليقول ان هؤلاء كانوا على قدر كلامهم ووعدهم ولم يقوموا باي عمل سياسي حتى اخر انتخابات رئاسية في عهد مبارك ، لا لضعف فيهم وانما حفاظا علي الوعد الذي قطعوه ، لكن الامور تغيرت بعد اخر انتخابات ، فكانت الثورة التي شاركوا في صنعها لكن هيمنة الاخوان عليها اولا وعودة نظام اخر بشكل اخر عبر السيسي ثانيا منعتهم من العمل بشكل علني وواضح ، لكن هؤلاء شاركوا في العمل الثوري وان من قيادات الثورة من ينتسب اليهم ، ومن انتظر عشرات السنوات يستطيع اليوم ان ينتطر بعض الشهور او السنوات ، لكن ان كان عملهم بالامس اقتصر على الثقافة واليوم على العمل الثوري السلمي ، فان غدا يحمل رؤية مغايرة .
لقد كنت واعيا لكل كلمة يقولها واقرأ خلف كل كلمة اشارات وتنبيهات ، ولكنني كنت اقول في نفسي ، لماذا يوجه الي هذا النوع من الرسائل ، لماذا لا يقول هذا في خطاب او مقابلة تلفزيونية او مع اي شخص اخر غيري ، عندها قال : ان مصر لا يغيرها الا اهلها .
وعند هذه العبارة توقفت وغيري كثيرا وفهمتها ووعيتها ، واليوم عند خطابه عن البحرين ، عرفت ان استراتيجية الرجل تغيير الانظمة من الداخل ، فهو قادر على ارسال المال والسلاح والمقاتلين الى البحرين ، لكنهم اي السيد وحلفائه اظنهم يطمحون لتكرار سيناريو اليمن .
وعلى اي حال فقد اكبرت احترام الرجل لخصوصية مصر التي حقا لا يغيرها الا اهلها .
لقد قال فيما قال ، استاذ هيكل ان صراعنا مع اسرائيل لن ينته الا بزوالها ، وقد تجاوزنا حدود اسرائيل وان مسالة زوالها مسالة وقت ، لكن الذي يشعل المنطقة اليوم هو هذا الصراع الفتنوي الذي اشعلته اسرائيل وامريكا واعوانهما وهو الطلقة الاخيرة بسلاحهم ونحن في طور استعادة المبادرة ونعلم ان المعركة طويلة وطويلة جدا وان كانوا يتحدثون عن ثلاثين سنة فاننا نقدر ان تطول لسنوات اكثر ونحن جاهزون ومستعدون لها ، بل ان حلفنا مستعد لما هو اسوأ من ذلك ، سياتي يوم تكون كل الدول المحيطة بايران موطنا للتكفيريين ، وحتى تركيا ستدخل في يوم ما بالحرب بشكل مباشر عندما تري ان ادواتها لا تفي بالغرض ، ونحن نعلم ان التضحيات ستكون كبيرة وان معركتنا مع هؤلاء ستكبدنا خسائر باضعاف مضاعفة عما نقدمه في معركتنا ضد راس الافعى اسرائيل ، وقد كنا نقاتل من قبل في بقعة صغيرة في الجنوب باعتبار اننا ندافع عن ارضنا وشعبنا ، ولكن فاتهم اننا نعتبر ان كل الارض ارضنا وكل الشعوب شعوبنا ، ولذلك تدخلنا في سوريا ومستعدون لان نكون في اي مكان نري فيه مصلحة بوجودنا من اجل الدفاع عن شرف الامة ، ولكن قيادات العالم لا تعتبر ، هل نظروا الى حقيقة ما يجري في سوريا وهل اخذوا العبر ؟ بل حتى حرب تموز التي اقاموا بعدها لجان تحقيق لاخذ العبر ، لكن هل اخذوا بها ؟
فلينظروا اليوم مليا الى ما يجري في سوريا والى ما سيجري في العراق واليمن والبحرين والحجاز وصولا الى مصر والمغرب العربي .
لن يحارب عنك احد ، وليس في الوجود من هو مستعد للموت من اجلك ، نعم قد تتقاطع المصالح ، وقد يوجد من يستفيد منك ، وهذا ما يحدث اليوم بين القوى العظمى والحركات التكفيرية ، فالتكفيري ليس مستعدا للموت من اجل امريكا او اسرائيل ، نعم تتقاطع مصالحهما في محاربة قوى المقاومة ، لكن هذا وحده لا يكفي لاقامة مشروع في المنطقة ، هذا فضلا عن ان المشروع التكفيري سيسقط بيدنا كما سقطت اسرائيل من قبل .
عليهم ان ينظروا الى الواقع ، ليس فقط في لبنان او سوريا ، فليوسعوا دائرة نظرهم لتشمل العراق ، اليمن ، وحتى مصر ، بل حتى قلب الجزيرة العربية ، فان فيها جرحا عميقا اسمه البحرين والمنطقة الشرقية ، وهم لا يقدرون ما يمكن ان تحمله رياح التغيير التي ستهب من تلك المنطقة لكنهم يعولون على ما عول عليه مبارك وفاتهم ان ما هرب منه وقع فيه . فليستمروا بهذا النهج ولكن عليهم ان يعلموا ان الصمت لا يعني ضعفا او خوفا ، فان اهل مصر كانوا صامتين ملتزمين بوعد ، اما اليوم فليس بيننا وبين احد وعد ، وانما ننتطر وعد الله ، ولذا ترى انهم يستفيدون من المدة التي يمهلهم الله اياها في زيادة ظلمهم ، ولكن مع انتهاء المدة وعندما يحين الوقت ، ستشهد المنطقة تغيرا كبيرا ، وستسقط انظمة سقوطا حقيقيا ، ولن تنته القصة التي ستبدأ بمصر في الشرق الاوسط ، بل سيكون مسرحها كل العالم .
نهاية الجزء الاول
كتب محمد حسنين هيكل
رياح التغيير من مصر الى الجزيرة ...
هو سيد كما يصفون ، سيد في النسب فجده نبي الامة ، وسيد في الكلام والخطابة ، وهو سيد في الوقار واللين ، وسيد في القيادة والحنكة .
كثر قد كتبوا مطولات في مقدمات مقابلاتهم معه ، ولو شئت لاطلت الحديث وطاوعتني كل الكلمات ، لكنه اجلى من ان يعرف لذا اقتصر على ما اوردت لاقول انني لا استطيع ان اكشف عن تفاصيل لقاء دام لاربع ساعات على مرحلتين في مقال واحد ، فكيف اذا كان اللقاء مع السيد حسن نصر الله امين عام حزب الله اللبناني ، والذي اتضح بعد لقائي الاخير معه انه اكبر من لبنان بكثير .
وطبعا اتحفظ عن ذكر كثير من المعلومات نظرا لطبيعتها الامنية والسرية ، وانني لم اكن بوارد ان افصح عن اي تفصيل من الجلسة التي مر عليها شهور ولم ينشر اي تسريب عنها لا في صحيفة ولا في اي وسيلة اعلامية .
لكن الذي استفزني للكتابة ما ذكره السيد نصر الله في خطابه الاخير الذي وجه فيه رسائل واضحة وقوية للبحرين بل للخليج ، هي نفس الرسالة التي وصلت الى حسني مبارك قبل سنوات من سقوطه ، حيث قرر القضاء علي حركة التشيع التي اخذت تنتشر في مصر باعتبار انها امتداد للثورة الايرانية وانها تشكل خطرا على الكيان المصري ، لكن نصيحة امنية من جهاز المخابرات المصرية جعلت مبارك يعدل عن رايه ، والنصيحة تفترض ان السماح لشيعة مصر بالبقاء بمستوى محدود يشكل مانعا قويا من تمدد حركة الاخوان التي تشكل الخطر الاكبر ، لذلك وافق مبارك واقتنع بالنصيحة وارسل خلف وجوه الشيعة ليرسم لهم حدود بقائهم ، فسمع منهم انهم غير معنيين بالعمل السياسي وان همهم ثقافي بحت ، وانه ان كان عند الدولة خوف منا فانا مستعدون ان نقدم لسيادة الرئيس مليون صوتا في الانتخابات نضمن تصويتها كلها لمحمد حسني مبارك .
والعبارة الاخيرة هي الرسالة ، ليس من حيث العدد الضخم وهو مليون ناخب ، وانما ضمان ان يقترع هذا المليون لشخص واحد ، فان مثل هكذا انجاز لا يمكن ان يتم الا من خلال وجود قيادة مؤثرة وقاعدة مطيعة ، انها ولاية الفقيه .
بهذه القصة بدا السيد الجلسة في حديثه عن مصر بعد ان سرد شيئا من التاريخ الفرعوني وصولا الى الاسلامي فالفاطمي فالحديث ، ليقول ان التاريخ يعيد نفسه فالفرعون الذي استضاف موسى في قصره ، اعاد استضافته في مصره .
والغريب انه لم يتوسع كثيرا في الحديث عن مشاركة مصر في الحرب على اسرائيل بل عندما وصل الي العصر الحديث سرعان ما وصل الى عصر مبارك وتناول الفساد والظلم من جهة ووجود مصر كاكبر دولة عربية من حيث السكان والمثقفين ليدخل من المثقفين الى تبني خيار المقاومة ونهج ايران ليصل منها الى موقف الشيعة مع مبارك الذي ذكرت ثم ليقول ان هؤلاء كانوا على قدر كلامهم ووعدهم ولم يقوموا باي عمل سياسي حتى اخر انتخابات رئاسية في عهد مبارك ، لا لضعف فيهم وانما حفاظا علي الوعد الذي قطعوه ، لكن الامور تغيرت بعد اخر انتخابات ، فكانت الثورة التي شاركوا في صنعها لكن هيمنة الاخوان عليها اولا وعودة نظام اخر بشكل اخر عبر السيسي ثانيا منعتهم من العمل بشكل علني وواضح ، لكن هؤلاء شاركوا في العمل الثوري وان من قيادات الثورة من ينتسب اليهم ، ومن انتظر عشرات السنوات يستطيع اليوم ان ينتطر بعض الشهور او السنوات ، لكن ان كان عملهم بالامس اقتصر على الثقافة واليوم على العمل الثوري السلمي ، فان غدا يحمل رؤية مغايرة .
لقد كنت واعيا لكل كلمة يقولها واقرأ خلف كل كلمة اشارات وتنبيهات ، ولكنني كنت اقول في نفسي ، لماذا يوجه الي هذا النوع من الرسائل ، لماذا لا يقول هذا في خطاب او مقابلة تلفزيونية او مع اي شخص اخر غيري ، عندها قال : ان مصر لا يغيرها الا اهلها .
وعند هذه العبارة توقفت وغيري كثيرا وفهمتها ووعيتها ، واليوم عند خطابه عن البحرين ، عرفت ان استراتيجية الرجل تغيير الانظمة من الداخل ، فهو قادر على ارسال المال والسلاح والمقاتلين الى البحرين ، لكنهم اي السيد وحلفائه اظنهم يطمحون لتكرار سيناريو اليمن .
وعلى اي حال فقد اكبرت احترام الرجل لخصوصية مصر التي حقا لا يغيرها الا اهلها .
لقد قال فيما قال ، استاذ هيكل ان صراعنا مع اسرائيل لن ينته الا بزوالها ، وقد تجاوزنا حدود اسرائيل وان مسالة زوالها مسالة وقت ، لكن الذي يشعل المنطقة اليوم هو هذا الصراع الفتنوي الذي اشعلته اسرائيل وامريكا واعوانهما وهو الطلقة الاخيرة بسلاحهم ونحن في طور استعادة المبادرة ونعلم ان المعركة طويلة وطويلة جدا وان كانوا يتحدثون عن ثلاثين سنة فاننا نقدر ان تطول لسنوات اكثر ونحن جاهزون ومستعدون لها ، بل ان حلفنا مستعد لما هو اسوأ من ذلك ، سياتي يوم تكون كل الدول المحيطة بايران موطنا للتكفيريين ، وحتى تركيا ستدخل في يوم ما بالحرب بشكل مباشر عندما تري ان ادواتها لا تفي بالغرض ، ونحن نعلم ان التضحيات ستكون كبيرة وان معركتنا مع هؤلاء ستكبدنا خسائر باضعاف مضاعفة عما نقدمه في معركتنا ضد راس الافعى اسرائيل ، وقد كنا نقاتل من قبل في بقعة صغيرة في الجنوب باعتبار اننا ندافع عن ارضنا وشعبنا ، ولكن فاتهم اننا نعتبر ان كل الارض ارضنا وكل الشعوب شعوبنا ، ولذلك تدخلنا في سوريا ومستعدون لان نكون في اي مكان نري فيه مصلحة بوجودنا من اجل الدفاع عن شرف الامة ، ولكن قيادات العالم لا تعتبر ، هل نظروا الى حقيقة ما يجري في سوريا وهل اخذوا العبر ؟ بل حتى حرب تموز التي اقاموا بعدها لجان تحقيق لاخذ العبر ، لكن هل اخذوا بها ؟
فلينظروا اليوم مليا الى ما يجري في سوريا والى ما سيجري في العراق واليمن والبحرين والحجاز وصولا الى مصر والمغرب العربي .
لن يحارب عنك احد ، وليس في الوجود من هو مستعد للموت من اجلك ، نعم قد تتقاطع المصالح ، وقد يوجد من يستفيد منك ، وهذا ما يحدث اليوم بين القوى العظمى والحركات التكفيرية ، فالتكفيري ليس مستعدا للموت من اجل امريكا او اسرائيل ، نعم تتقاطع مصالحهما في محاربة قوى المقاومة ، لكن هذا وحده لا يكفي لاقامة مشروع في المنطقة ، هذا فضلا عن ان المشروع التكفيري سيسقط بيدنا كما سقطت اسرائيل من قبل .
عليهم ان ينظروا الى الواقع ، ليس فقط في لبنان او سوريا ، فليوسعوا دائرة نظرهم لتشمل العراق ، اليمن ، وحتى مصر ، بل حتى قلب الجزيرة العربية ، فان فيها جرحا عميقا اسمه البحرين والمنطقة الشرقية ، وهم لا يقدرون ما يمكن ان تحمله رياح التغيير التي ستهب من تلك المنطقة لكنهم يعولون على ما عول عليه مبارك وفاتهم ان ما هرب منه وقع فيه . فليستمروا بهذا النهج ولكن عليهم ان يعلموا ان الصمت لا يعني ضعفا او خوفا ، فان اهل مصر كانوا صامتين ملتزمين بوعد ، اما اليوم فليس بيننا وبين احد وعد ، وانما ننتطر وعد الله ، ولذا ترى انهم يستفيدون من المدة التي يمهلهم الله اياها في زيادة ظلمهم ، ولكن مع انتهاء المدة وعندما يحين الوقت ، ستشهد المنطقة تغيرا كبيرا ، وستسقط انظمة سقوطا حقيقيا ، ولن تنته القصة التي ستبدأ بمصر في الشرق الاوسط ، بل سيكون مسرحها كل العالم .
نهاية الجزء الاول

التعليقات