نحن والإرهاب

نحن والإرهاب
بقلم :آصف قزموز

لغط كثير ومواقف وشعارات نارية ناقدة أو معاندة أو مزايدة، تطايرت في سماء فلسطين في الآونة الأخيرة، وظلل دخانها المشهد السياسي الفلسطيني، الذي لم يكن قد نفض عن ذاته غبار المعركة الدبلوماسية التي خاضها في مجلس الأمن من أجل وضع نهاية للاحتلال، وكل هذا تركز حول مشاركة الرئيس أبو مازن في التظاهرة الدولية العارمة التي شهدتها باريس تنديداً بالإرهاب، والبعض منا وصلوا في مواقفهم حداً وكأنهم يريدون بنا ولنا ما يسعى لتحقيقه خصومنا، أي وضعنا في دائرة الشبهات وقائمة الإرهاب، وهو ما سعى ويسعى له نتنياهو وحكومته. لكن ربما كان في شكل وكيفية مشاركة نتنياهو الرعناء وما صاحبها من بعض المواقف والتعليقات التي تصدرت أولاً الصحف الإسرائيلية وردود الأفعال الإعلامية والسياسية والبروتوكولية الرسمية الفرنسية بوجه خاص، خير دليل على صوابية الموقف الفلسطيني الذي آثر المشاركة رغم كل هذا الضجيج والتشويش والتخالف.
لقد شكل الاستيطان والأمن والتهويد الاحتلالي العابر نحو فرض يهودية الدولة، الأرضية الصلبة التي حملت نتنياهو وحكومته وأطالت في عمرها حتى اللحظة، بحيث مكنتها من هيكلة التطرف العدمية الإسرائيلية حد العنصرية والتمييز داخل ذات الدولة وعلى جوانبها بكافة الأشكال الاحتلالية والاجتماعية.
لست أدري ما وجه الغرابة لدى بعضنا الفلسطيني، في استهجانهم وانتقادهم لمشاركة فلسطين برئيسها في مسيرة دولية تندد بالإرهاب وترفضه، وحتى في التضامن مع فرنسا الصديقة الأقرب لشعبنا دوماً والتي انبرت للتصويت الى جانب فلسطين في مجلس الأمن وبذلت جهوداً مبادرة فعالة وبناءة لصالح التحرك الفلسطيني نحو السلام والخلاص من الاحتلال، فالموقف الفلسطيني كان شجاعاً وأخلاقيا وإنسانيا ودبلوماسيا بامتياز، كما لا يمكن أن نطالب فرنسا أو غيرها أن تدعم شعبنا وتقف الى جانبه دون أن نكون نحن أولاً الى جانبهم كي يقفوا الى جانبنا وليس العكس، لا بل يجب أن نخرج نهائياً من سياسة الهَبَل القائمة على أساس مقولة " بدنا قُرْص مْقَرَّص من دَقْنِ مْعَرَّص"، وسياسة إلقوني يا بَقِيعْ"، فهذا كله يندرج تماماً في خانِة الطفولية والهَبَل السياسي المُكلِف لأصحابه دون طائل. فالموقف الفلسطيني والعربي الرسمي من الإرهاب جاء عاقلاً وأخلاقياً وخارجاً عن سياق ونطاق الهوبرة الثأرية وردود الأفعال المتسرعة غير المدروسة في موازين الربح والخسارة قبل الاستعراض والغناء بالكلام العالي الذي طالما كلفنا الكثير ومكَّن خصومنا من رقابنا وصولاً لتلبيسنا ثوب المجرم بينما نحن الضحية الحقيقية. فهل يرغب المعترضون أن يعطوا ذرائع للخصم وإبقاءنا في دائرة الشك والإرهاب الذي لا يخدم أحداً سوى الأعداء والخصوم، الذين يناصبوننا العداء بقصدٍ وسابق إصرار.
نعم يا سادتي، ليس نحن أصحاب المصلحة الأولى والقصوى في إعلان موقفنا الحاسم والواضح ضد الإرهاب بكل أشكاله ومنابته وأجنداته. وحتى ردود الأفعال والتعبيرات الشامتة حين يقع أي عمل إرهابي ضد كائنٍ من كان، تضر بلا شك بمصالحنا كعرب وفلسطينيين ومسلمين كذلك، وتبقينا زوراً ومجاناً في دائرة الاتهام الذي يعزز افتراءات الأعداء والخصوم على حدٍ سواء، ولو عدنا قليلاً لأحداث 11سبتمبر، سنجد أن الكثير من المواقف الفلسطينية والعربية عموماً كانت تتقوقع في مربع الثأرية وردود الأفعال المعهودة غير المحسوبة سياسياً وأخلاقياً ولا مصالحياً، وبقيت في إطار العشوائية السياسية المحمولة على بساط الهوبرة والعَبَط السياسي إن جاز التعبير.
الفلسطينيون هم أول المعنيين بحضور مثل هذه الفعاليات وإدانة الإرهاب، لأننا أصحاب حق وأبرياء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأكثر من اكتوى بناره كإرهاب دولة ممنهج ومنظم وخارج عن الدين والقانون في وضح النهار.
لكن لو نظرنا للإرهاب كظاهرة تستوطن مجموعات إسلامية أو تستخدم الإسلام كلافتة تستظل بها، لوجدنا أن ثمة أسبابا وجيهة أدت لنشوئها، لا بد من القضاء عليها وردمها بدءا من بعض السياسات الغربية الخاطئة في التعامل مع المسلمين والشرق عموماً، في مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي والموقف غير العادل ولا الحازم منه، مروراً بالشعور بالتمييز والعنصرية المقصودة التي تمارسها وتغذيها قوى عنصرية يمينية واحتلالية كولونيالية في الغرب والشرق كذلك ضد الإسلام والمسلمين، وكذلك السياسات والممارسات الأميركية في العراق والشرق الأوسط إبان عهد بوش الابن، لا سيما التغول على نفط الخليج ومصالح الشعوب العربية عموماً، وتسريح أفراد الجيش العراقي بشكل مهين، وهو الأمر الذي جعل أفراده اليوم يشكلون جزءاً مكوناً للجماعات المتطرفة وفي مقدمتها داعش.
في ضوء كل هذه الحقائق بالمقابل، لا بد أن نقول، أنه قد آن الأوان أن يهتم العالم بالتركيز الى جانب مقاومته للإرهاب، على محاربة الأسباب والمسببات التي نمت وترعرعت على أسَنِها ظاهرة الإرهاب بجميع عناوينها وأشكالها، فمحاربة الأسباب أولى من محاربة النتائج الناجمة عن المنابع والتمويل الخاطئ أصلاً الذي يتجلى بمقولة، "سَمِّن كلبَك يأكلَكْ". ولعل في تزايد العمليات الإرهابية في باريس والغرب عموماً، ما يمكن أن يشكل جرس إنذار متأخر، لإحداث هذه الانعطافة باتجاه البحث عن حلول جذرية وغير عسكرية، في المقدمة منها، حل القضية الفلسطينية ومعالجة وتصويب السياسات والسلوكيات الغربية والشرقية، التي أدت لظهور الإرهاب والإرهابيين من شتى المنابت والأطياف، لا سيما السياسات غير مدروسة العواقب التي تعادي وتستعدي الإسلام عموماً.
الحل سلمي أكثر مما هو عسكري، تماماً كما هو الحال في حل القضية الفلسطينية، خصوصاً إذا حزم المجتمع الدولي وأصحاب النفوذ والقرار أمرهم، وسعوا جادين لسحب البساط من تحت أقدام التطرف الإسرائيلي أولاً، والمتطرفين باسم الدين والدفاع عن الإسلام ومن استخدموا ذلك فزاعة بدعوى تخويف الغرب فأخافونا وخسرنا بسببهم الكثير.

[email protected]

التعليقات