الزير سالم الفلسطيني
بقلم : عبدالله عيسى
رئيس التحرير
لقد شاهدنا قصة الزير سالم كمسلسل تلفزيوني رائع ولكن أين دارت أحداث هذه القصة ؟؟ المسلسل لم يذكر شيئا وكأنها في المريخ والحقيقة أن الأحداث دارت على مساحة شاسعة جدا من اليمن وصولا إلى فلسطين مرورا بالسعودية وسوريا ولبنان .
وعثرنا على وثيقة يتيمة توضح علاقة الزير سالم بفلسطين صادرة عن مؤسسة القدس للثقافة والتراث هذا نصها:" السير الشعبية العربية التي تكون تركيباتها وفنيتها وأبعادها الزمنية والمكانية ملاحم ضخمة كثيرة في التراث الشعبي العربي نجد منها مثلاً سيف بن ذي يزن ـ وعنتره العبسي، وحمزة البهلوان وسيرة بني هلال وتغريبتهم ، ثم نجد سيرة الزير سالم ـ المهلهل ، إضافة إلى سيرة ملحمية قليل من يعرفها تدعى (ذات الهمة).
أما ما يتعلق بالسيرة الشعبية أو الملحمة في الفولكلور الفلسطيني فإننا نجد سيرتين، سيرة ذات الهمة وسيرة الزير سالم.
وذات الهمة، هو لقب غلب على امرأة عربية فلسطينية كان زوجها زعيم القبائل العربية في مرج بن عامر. قتل زوجها فأخذت مكانه في زعامة القبائل وأخذت تربي ابنها الوحيد عبد الوهاب حتى صار شاباً وقاد الجيوش إلى معارك طاحنة برفقة أمه ذات الهمة.
فذات الهمة ملحمة دارت حوادثها في أواخر العصر الأموي ودخلت العصر العباسي مدة زمنية طويلة. أهم ما في الملحمة أن ذات الهمة وابنها عبد الوهاب قادا المعارك ضد الروم الذين حاولوا عن طريق البحر استعادة استعمار فلسطين. وظلت تحاربهم عشرات السنين حتى أقنعتهم أن الأرض العربية المحررة لن تعود ثانية تحت وطأة نير الاستعمار، لقد أطلقوا على ساحل فلسطين مناطق الثغور أي المناطق العربية التي وقعت على الحدود مع الدول والأمم الأخرى وباعتبار أن البحر المتوسط يطل على بيزنطة فمعنى ذلك أن لا حدود بينهما سوى الماء.
إن ذات الهمة ـ الملحمة، تقع في 26 ألف صفحة من القطع الوسط وللأسف الشديد أنه لا توجد منها سوى نسخة واحدة كاملة الأجزاء وموجودة في مكتبة برلين وبألمانيا الديمقراطية. تلك المكتبة المركزية التي حفظت ملحمة ذات الهمة رغم آثار الحرب العالمية الثانية التي دمرت كل شيء. وقد روى لنا بعض من تجاوز سن الخمسين من أبناء شعبنا أن كثيراً من القرى والمدن كان يحفظ أبناؤها حوادث طويلة من ذات الهمة وأنها كانت تحكي في شهر رمضان على طريقة (الحكواتي).
وأرى أن ستاً وعشرين ألف صفحة كفيلة بأن تكون أكبر ملحمة عرفتها الأمم، فهي زاخرة بالحوادث، زاخرة بالشعر والنثر والأمثال والمفارقات وتتدخل عناصر كثيرة في الصراع إلى جانب ذلك كله لم يحدث في الملاحم العالمية الكبرى أن قادت امرأة جيوشا جرارة وحاربت عشرات السنين، فهذا بالطبع كما ترى الباحثة نوال السعداوي تقدم حضاري وتطور اجتماعي سبق زمنه وسبق الأمم الأخرى. لما فيه من تركيز على دور المرأة العربية في الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية في الأمة العربية.
بالطبع فإن هذه الملحمة تحتاج لإعادة نظر. وتحتاج بالتالي إلى دراسة عميقة وجماعية وتحتاج أخيراً لأن تنشر على أجزاء حتى ندرك ما ضاع من تراثنا الذي يدل على أصالة شعب له تاريخه الطويل والعريق.
أما الملحمة الثانية فهي سيرة الزير سالم، لقد زهدنا بهذه السيرة كثيراً رغم أننا سمعناها مقروءة من قبل كبارنا، وقد تغنينا بها وبحوادثها وببطولاتها دون أن ندرك ماذا تشكل بالنسبة لنا.
السيرة بحجمها الحالي لا تبلغ المئة صفحة لكن المدقق فيها سيجد أن عشرات الثغرات موجودة فيها وليست تلك الثغرات على المستوى الفني أو الواقعي إنما ما قصدته هو فقدان حلقات وشروحات كثيرة ـ لاسيما وصف المعارك ـ في ثنايا السيرة ولو أنها بقيت كما دونت أول مرة لرأيناها بحجم يفوق الحجم الحالي بعشرات المرات.
وقد يتساءل البعض هل هذه السيرة من الفولكلور الفلسطيني ؟
تقول نعم. والحقائق التالية تثبت ذلك.
1ـ حسب ما جاء في السيرة الشعبية فإن القبائل العربية سكنت في شمال الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، فكان هناك عرب الجنوب اليمينيين وعرب الشمال. أما عرب الشمال فتوزعوا إلى شمال الجزيرة أي إلى الأردن وفلسطين وسورية ولبنان وشمال سيناء.
وحسب ما جاء في السيرة فإن بني بكر بن وائل سكنوا حماة وحمص وشرقهما في بادية الشام وأن بني تغلب سكنوا الجنوب في دمشق وحوران وفلسطين والأردن وكانوا أولاد عم.
2ـ سميت بعض الأماكن في فلسطين باسم زعماء العشائر. فمدينة بئر السبع هي بئر السباع الذي كان يعيش في منطقة الزير سالم وقد ورد ذكر ذلك في السيرة حيث كان الزير قد ترك كليبا أخاه واتخذ لنفسه وللهوة منفى اختياريا في بئر السباع. وحسب ما جاء في السيرة أن الزير يغدر ويجرح جسمه جروحا بليغية فتأتي اليمامة بنت أخيه كليب عنده فيطلب منها أن تضعه في صندوق خشبي ثم تضع حول شقوقه القار حتى لا يتسرب الماء إليه وطلب منها أن ترمي الصندوق في البحر على ساحل حيفا التي كانت خربة ولم تكن ميناء وبعدما شفي وجرى له ما جر يعود بالقارب إلى حيفا ومن هنا يشعلها حربا ضروسا ضد أعدائه إلى نهاية السيرة.
3ـ أكد بعض الباحثين أن مدينة القدس التي سميت بالكنعانية أورشليم ـ قد بناها الزير سالم كعاصمة لملكه. فهي مدينة سالم أوساليم أو سلام وسميت نسبة للزير سالم ومن هؤلاء الباحثين شوقي عبد الحكيم في كتابه القيم. موسوعة الفولكلور والأساطير العربية.
كل ذلك يؤكد أن سيرة الزير سالم هي ملحمة شعبية فلسطينية لم تغادر المنطقة وقد كان مكان وقوع أحداثها في فلسطين ولبنان والأردن وسورية مما يزيد في اتساع مفاهيمنا حول كون الملحمة أكبر من الرواية وأكبر من الحكاية أو الشعر أو غيرها.
4ـ إن اللغة الواردة في السيرة إن كان ذلك في لغة القص أو في لغة الشعر هي أقرب إلى اللهجة المحلية منها إلى الفصحى. حتى أن أكثر أبيات الشعر الواردة فيها مكسرة الوزن العروضي. وأن أكثرها يسير على البحر الوافر الذي هو أقرب إلى موال العتابا والذي يغنى ضمن أغنيات الفن الشعبي الفلسطيني.
لقد أبرزت السيرة الصراع الدائر بين الجنوب والشمال، الجنوب الذي مثله التبابعة وعلى رأسهم الملك تبع حسان والذي قتله كليب عن طريق الحيلة في قصر في اليمن ثم أبرزت أيضاً كيف رفض والد الزير وكليب أن يذل للملك تبع وما لحق ذلك من قتل له ثم الانتقام من قاتله ـ التبع ـ ثم ماجر ذلك من حرب طاحنة دامت أربعين عاماً وسميت حرب البسوس نسبة إلى شقيقة التبع وناقتها الجرباء.
ولا يفوتنا القول إن التبع حسان لما أراد كليب أن يقتله طلب منه التمهل ليتحدث له عما سيحدث في المستقبل وقد أخبره ضمن قصيدة طويلة أحداثاً ستجري حتى يوم القيامة، وهذا أيضاً دليل على سعة الخيال العربي الذي حاك مثل تلك التنبؤات بصيغة شعرية.
وليس عجباً أن نجد كثيراً من النساء والرجال من أبناء شعبنا يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن ما ورد في تنبؤ التبع قد حصل وما لم يحصل سيحصل إن آجلا أو عاجلا.
أخيراً لا بد من الإشارة إلى الوصايا العشر التي أوصى بها كليب لأخيه الزير وكتبها بدمه على الصخرة. وطلب منه فيها أن لا يصالح القادرين مهما فعلوا ومهما قدموا حتى يضنوا جميعا أو يذلوا. إن تلك الوصايا أصبحت مادة يستفيد منها الشعراء المعاصرون، وقد سمعنا قبل سنوات قلائل قصيدة الشاعر المصري أمل دنقل حين أسقط الوصايا على وصايا يوصيها للشعب بأن لا يصالح العدو الصهيوني لأنه فعل كذا وكذا ولا يمكن إلا أن يدب الصراع من جديد مهما وقعت من اتفاقيات.
على كل حال لم يكن هناك المتسع الكافي حتى ندرس السيرتين الدراسة المستحقة. ولم نكن إلا مشيرين إلى أهمية دراسة مثل تلك المأثورات الملاحم الفلوكلورية الفلسطينية حتى نستطيع ـ فعلاً ـ أن نربط الماضي بالحاضر ونحافظ على شخصيتنا الوطنية وعلى تراثنا الذي هو أهم وأعز علينا من نفوسنا." انتهى نص الوثيقة ".
من يريد أن يتأكد يستطيع بسهولة لان قبر الزير سالم قرب حيفا وهناك بئر في نفس المكان يحمل اسمه إلى الآن بئر الزير سالم والمكان الذي قتل فيه كليب هو وادي الحصى او باللهجة الفلسطينية " وادي الصرار " حسب بعض الروايات..والاسود الذي ذهب اليها الزير سالم بناء على طلب الجليلة في مكان معروف الى الان " مدينة بئر السبع " في النقب.
اما عندما وقع في الفخ واثخن بالجراح ورمت به شقيقته على قطع خشبية على سطح الماء في بحر او بحيرة لا يوجد بجزيرة العرب بحر او بحيرة انها بحيرة طبريا حتى وصل الى قلعة حرمون في لبنان وهذه الحقيقة التاريخية أكدها الشاعر الفلسطيني احمد دحبور .
وعندما قام الزير سالم بتشريد البكريين قتلة كليب .. اين هم الآن ؟
جزء منهم يعيش في فلسطين وهم ما اصطلح على تسميتهم بالغجر او النور ويقرون بذلك ان الزير سالم شردهم في بلاد الدنيا.. وبعضهم وصل شمال العراق وشارك لاحقا في معركة ذي قار تحت اسمهم الحقيقي البكريين وتحالفوا مع بني ربيعة " قبيلة الزير بعد وفاته " ضد الفرس .ومنهم من استقر في ديار بكر .
أما ابنة الزير سالم " ليلى " وكان الزير يكنى بابي ليلى المهلهل وتزوجت من كلثوم الشاعر والفارس ونجله عمرو ابن كلثوم الذي قتل الملك عمرو ابن هند ملك المناذرة لان والدته أهانت والدة عمرو ابن كلثوم .
بلا شك ان حرب البسوس شردت بني تغلب وبكر واتجهوا الى بلاد الشام من جنوب السعودية وكانت فلسطين احد اركان الملحمة التاريخية وان كانت جنوب السعودية اصل ومنطلق ملحمة وائل بن ربيعة " كليب" الذي وحد قبائل العرب وانتصر على أعدائهم قبل فتنة حرب البسوس ولا سيما في معركة جبل خزاز في السعودية.
رئيس التحرير
لقد شاهدنا قصة الزير سالم كمسلسل تلفزيوني رائع ولكن أين دارت أحداث هذه القصة ؟؟ المسلسل لم يذكر شيئا وكأنها في المريخ والحقيقة أن الأحداث دارت على مساحة شاسعة جدا من اليمن وصولا إلى فلسطين مرورا بالسعودية وسوريا ولبنان .
وعثرنا على وثيقة يتيمة توضح علاقة الزير سالم بفلسطين صادرة عن مؤسسة القدس للثقافة والتراث هذا نصها:" السير الشعبية العربية التي تكون تركيباتها وفنيتها وأبعادها الزمنية والمكانية ملاحم ضخمة كثيرة في التراث الشعبي العربي نجد منها مثلاً سيف بن ذي يزن ـ وعنتره العبسي، وحمزة البهلوان وسيرة بني هلال وتغريبتهم ، ثم نجد سيرة الزير سالم ـ المهلهل ، إضافة إلى سيرة ملحمية قليل من يعرفها تدعى (ذات الهمة).
أما ما يتعلق بالسيرة الشعبية أو الملحمة في الفولكلور الفلسطيني فإننا نجد سيرتين، سيرة ذات الهمة وسيرة الزير سالم.
وذات الهمة، هو لقب غلب على امرأة عربية فلسطينية كان زوجها زعيم القبائل العربية في مرج بن عامر. قتل زوجها فأخذت مكانه في زعامة القبائل وأخذت تربي ابنها الوحيد عبد الوهاب حتى صار شاباً وقاد الجيوش إلى معارك طاحنة برفقة أمه ذات الهمة.
فذات الهمة ملحمة دارت حوادثها في أواخر العصر الأموي ودخلت العصر العباسي مدة زمنية طويلة. أهم ما في الملحمة أن ذات الهمة وابنها عبد الوهاب قادا المعارك ضد الروم الذين حاولوا عن طريق البحر استعادة استعمار فلسطين. وظلت تحاربهم عشرات السنين حتى أقنعتهم أن الأرض العربية المحررة لن تعود ثانية تحت وطأة نير الاستعمار، لقد أطلقوا على ساحل فلسطين مناطق الثغور أي المناطق العربية التي وقعت على الحدود مع الدول والأمم الأخرى وباعتبار أن البحر المتوسط يطل على بيزنطة فمعنى ذلك أن لا حدود بينهما سوى الماء.
إن ذات الهمة ـ الملحمة، تقع في 26 ألف صفحة من القطع الوسط وللأسف الشديد أنه لا توجد منها سوى نسخة واحدة كاملة الأجزاء وموجودة في مكتبة برلين وبألمانيا الديمقراطية. تلك المكتبة المركزية التي حفظت ملحمة ذات الهمة رغم آثار الحرب العالمية الثانية التي دمرت كل شيء. وقد روى لنا بعض من تجاوز سن الخمسين من أبناء شعبنا أن كثيراً من القرى والمدن كان يحفظ أبناؤها حوادث طويلة من ذات الهمة وأنها كانت تحكي في شهر رمضان على طريقة (الحكواتي).
وأرى أن ستاً وعشرين ألف صفحة كفيلة بأن تكون أكبر ملحمة عرفتها الأمم، فهي زاخرة بالحوادث، زاخرة بالشعر والنثر والأمثال والمفارقات وتتدخل عناصر كثيرة في الصراع إلى جانب ذلك كله لم يحدث في الملاحم العالمية الكبرى أن قادت امرأة جيوشا جرارة وحاربت عشرات السنين، فهذا بالطبع كما ترى الباحثة نوال السعداوي تقدم حضاري وتطور اجتماعي سبق زمنه وسبق الأمم الأخرى. لما فيه من تركيز على دور المرأة العربية في الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية في الأمة العربية.
بالطبع فإن هذه الملحمة تحتاج لإعادة نظر. وتحتاج بالتالي إلى دراسة عميقة وجماعية وتحتاج أخيراً لأن تنشر على أجزاء حتى ندرك ما ضاع من تراثنا الذي يدل على أصالة شعب له تاريخه الطويل والعريق.
أما الملحمة الثانية فهي سيرة الزير سالم، لقد زهدنا بهذه السيرة كثيراً رغم أننا سمعناها مقروءة من قبل كبارنا، وقد تغنينا بها وبحوادثها وببطولاتها دون أن ندرك ماذا تشكل بالنسبة لنا.
السيرة بحجمها الحالي لا تبلغ المئة صفحة لكن المدقق فيها سيجد أن عشرات الثغرات موجودة فيها وليست تلك الثغرات على المستوى الفني أو الواقعي إنما ما قصدته هو فقدان حلقات وشروحات كثيرة ـ لاسيما وصف المعارك ـ في ثنايا السيرة ولو أنها بقيت كما دونت أول مرة لرأيناها بحجم يفوق الحجم الحالي بعشرات المرات.
وقد يتساءل البعض هل هذه السيرة من الفولكلور الفلسطيني ؟
تقول نعم. والحقائق التالية تثبت ذلك.
1ـ حسب ما جاء في السيرة الشعبية فإن القبائل العربية سكنت في شمال الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، فكان هناك عرب الجنوب اليمينيين وعرب الشمال. أما عرب الشمال فتوزعوا إلى شمال الجزيرة أي إلى الأردن وفلسطين وسورية ولبنان وشمال سيناء.
وحسب ما جاء في السيرة فإن بني بكر بن وائل سكنوا حماة وحمص وشرقهما في بادية الشام وأن بني تغلب سكنوا الجنوب في دمشق وحوران وفلسطين والأردن وكانوا أولاد عم.
2ـ سميت بعض الأماكن في فلسطين باسم زعماء العشائر. فمدينة بئر السبع هي بئر السباع الذي كان يعيش في منطقة الزير سالم وقد ورد ذكر ذلك في السيرة حيث كان الزير قد ترك كليبا أخاه واتخذ لنفسه وللهوة منفى اختياريا في بئر السباع. وحسب ما جاء في السيرة أن الزير يغدر ويجرح جسمه جروحا بليغية فتأتي اليمامة بنت أخيه كليب عنده فيطلب منها أن تضعه في صندوق خشبي ثم تضع حول شقوقه القار حتى لا يتسرب الماء إليه وطلب منها أن ترمي الصندوق في البحر على ساحل حيفا التي كانت خربة ولم تكن ميناء وبعدما شفي وجرى له ما جر يعود بالقارب إلى حيفا ومن هنا يشعلها حربا ضروسا ضد أعدائه إلى نهاية السيرة.
3ـ أكد بعض الباحثين أن مدينة القدس التي سميت بالكنعانية أورشليم ـ قد بناها الزير سالم كعاصمة لملكه. فهي مدينة سالم أوساليم أو سلام وسميت نسبة للزير سالم ومن هؤلاء الباحثين شوقي عبد الحكيم في كتابه القيم. موسوعة الفولكلور والأساطير العربية.
كل ذلك يؤكد أن سيرة الزير سالم هي ملحمة شعبية فلسطينية لم تغادر المنطقة وقد كان مكان وقوع أحداثها في فلسطين ولبنان والأردن وسورية مما يزيد في اتساع مفاهيمنا حول كون الملحمة أكبر من الرواية وأكبر من الحكاية أو الشعر أو غيرها.
4ـ إن اللغة الواردة في السيرة إن كان ذلك في لغة القص أو في لغة الشعر هي أقرب إلى اللهجة المحلية منها إلى الفصحى. حتى أن أكثر أبيات الشعر الواردة فيها مكسرة الوزن العروضي. وأن أكثرها يسير على البحر الوافر الذي هو أقرب إلى موال العتابا والذي يغنى ضمن أغنيات الفن الشعبي الفلسطيني.
لقد أبرزت السيرة الصراع الدائر بين الجنوب والشمال، الجنوب الذي مثله التبابعة وعلى رأسهم الملك تبع حسان والذي قتله كليب عن طريق الحيلة في قصر في اليمن ثم أبرزت أيضاً كيف رفض والد الزير وكليب أن يذل للملك تبع وما لحق ذلك من قتل له ثم الانتقام من قاتله ـ التبع ـ ثم ماجر ذلك من حرب طاحنة دامت أربعين عاماً وسميت حرب البسوس نسبة إلى شقيقة التبع وناقتها الجرباء.
ولا يفوتنا القول إن التبع حسان لما أراد كليب أن يقتله طلب منه التمهل ليتحدث له عما سيحدث في المستقبل وقد أخبره ضمن قصيدة طويلة أحداثاً ستجري حتى يوم القيامة، وهذا أيضاً دليل على سعة الخيال العربي الذي حاك مثل تلك التنبؤات بصيغة شعرية.
وليس عجباً أن نجد كثيراً من النساء والرجال من أبناء شعبنا يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن ما ورد في تنبؤ التبع قد حصل وما لم يحصل سيحصل إن آجلا أو عاجلا.
أخيراً لا بد من الإشارة إلى الوصايا العشر التي أوصى بها كليب لأخيه الزير وكتبها بدمه على الصخرة. وطلب منه فيها أن لا يصالح القادرين مهما فعلوا ومهما قدموا حتى يضنوا جميعا أو يذلوا. إن تلك الوصايا أصبحت مادة يستفيد منها الشعراء المعاصرون، وقد سمعنا قبل سنوات قلائل قصيدة الشاعر المصري أمل دنقل حين أسقط الوصايا على وصايا يوصيها للشعب بأن لا يصالح العدو الصهيوني لأنه فعل كذا وكذا ولا يمكن إلا أن يدب الصراع من جديد مهما وقعت من اتفاقيات.
على كل حال لم يكن هناك المتسع الكافي حتى ندرس السيرتين الدراسة المستحقة. ولم نكن إلا مشيرين إلى أهمية دراسة مثل تلك المأثورات الملاحم الفلوكلورية الفلسطينية حتى نستطيع ـ فعلاً ـ أن نربط الماضي بالحاضر ونحافظ على شخصيتنا الوطنية وعلى تراثنا الذي هو أهم وأعز علينا من نفوسنا." انتهى نص الوثيقة ".
من يريد أن يتأكد يستطيع بسهولة لان قبر الزير سالم قرب حيفا وهناك بئر في نفس المكان يحمل اسمه إلى الآن بئر الزير سالم والمكان الذي قتل فيه كليب هو وادي الحصى او باللهجة الفلسطينية " وادي الصرار " حسب بعض الروايات..والاسود الذي ذهب اليها الزير سالم بناء على طلب الجليلة في مكان معروف الى الان " مدينة بئر السبع " في النقب.
اما عندما وقع في الفخ واثخن بالجراح ورمت به شقيقته على قطع خشبية على سطح الماء في بحر او بحيرة لا يوجد بجزيرة العرب بحر او بحيرة انها بحيرة طبريا حتى وصل الى قلعة حرمون في لبنان وهذه الحقيقة التاريخية أكدها الشاعر الفلسطيني احمد دحبور .
وعندما قام الزير سالم بتشريد البكريين قتلة كليب .. اين هم الآن ؟
جزء منهم يعيش في فلسطين وهم ما اصطلح على تسميتهم بالغجر او النور ويقرون بذلك ان الزير سالم شردهم في بلاد الدنيا.. وبعضهم وصل شمال العراق وشارك لاحقا في معركة ذي قار تحت اسمهم الحقيقي البكريين وتحالفوا مع بني ربيعة " قبيلة الزير بعد وفاته " ضد الفرس .ومنهم من استقر في ديار بكر .
أما ابنة الزير سالم " ليلى " وكان الزير يكنى بابي ليلى المهلهل وتزوجت من كلثوم الشاعر والفارس ونجله عمرو ابن كلثوم الذي قتل الملك عمرو ابن هند ملك المناذرة لان والدته أهانت والدة عمرو ابن كلثوم .
بلا شك ان حرب البسوس شردت بني تغلب وبكر واتجهوا الى بلاد الشام من جنوب السعودية وكانت فلسطين احد اركان الملحمة التاريخية وان كانت جنوب السعودية اصل ومنطلق ملحمة وائل بن ربيعة " كليب" الذي وحد قبائل العرب وانتصر على أعدائهم قبل فتنة حرب البسوس ولا سيما في معركة جبل خزاز في السعودية.

التعليقات