الفضول والخصوصية والصراف الالي

الفضول والخصوصية والصراف الالي
بقلم : سلطان الخضور
كاتب اردني

سألني أحدهم يوما الى اين انت ذاهب؟ قلت إلى السوق .سألني: لماذا؟ قلت:لأتسوق .قال ماذا ستشتري؟ قلت: بعض الحاجات .قال مثل ماذا ؟ فابتسمت .قال ما بك ؟ قلت وماذا يعنيك ماذا سأشتري؟ فاحمر وجهه خجلا وودعني لأتابع المشوار.

وأنت عزيزي القاريء, هل وقفت يوما أمام الصراف الآلي ,أو أمام الصندوق لتسحب جزءا من مدخراتك ووجدت من يقف خلفك مباشرة دون أن يترك مسافة معقولة للتمكن من إدخال رقمك السري بأريحية ودون خوف من تسربه لعيون هذا الفضولي أو ذاك ؟.

يصادفك أحدهم ودون معرفة سابقة, فيبدأ فقصفك بوابل من الأسئلة يريد التعرف عليك, على اسمك واسم عشيرتك وأنسبائك, ودخلك الشهري . وإين تقيم , ونوع سيارتك ,وسعرها,ومقدار مصروفها من البنزين , وعدد أبنائك ومن منهم في الجامعة ومن تخرج,فيفيدك عن التصصات الأفضل وعن السيارات التي جربها هو أو أحد الجيران ,وأنه يعرف شخصا ما من عشيرتك زامله قبل عشرين سنه وأحيانا يزيد, ثم نوع البيت الذي تقطنه أهو ملك أم بالجرة ,فإذا كان ملكا بادرك بالسؤال عن التكاليف ,وإذا كان باأجرة يجب أن تخبره كم أجرته الشهرية , وبعد كل سؤال,ورغم أنك تشيح بوجهك وتجيبه إجابات مختصرة إلا أنه يتابع ويبقى يداهمك بالأسئلة السؤال تلو الآخر حتى تظن أنك في احدى الدوائر التي تهتم بهكذا أسئلة.

أحيانا تمسك كتابا لتقرأ به ,فيمد أحدهم يده ويقلبه من بين يديك ليعرف ماذا تقرأ ,ويسألك عن عنوان الكتاب وموضوعه وكاتبه ويبدأ بمجادلتك بأن الكتاب لا قيمة له وأن لديه معلومات عن الموضوع الذي تقرأه أكثر مما في الكتاب,وأنه يقرأ لكتاب آخرين أعظم قدرا وأكثر علما.
أحيانا تتنحى جانبا , تود الصمت,وتحب أن تخلو بنفسك لسبب أو لآخر , فيدخلون إلى جوفك ,ويقررون أن صمتك ناتج عن بالء أصابك ,فيخبرك الأول أن نصف الألف خمسمئة ,ويخبرك الثاني أنها كانت أصعب مما أنت فيه وهانت.لا يمكن أن يتركونك بحالك.

لا أستطيع في هذا المقام أن ألخص صور وطرق الفضوليين في إشباع غريزة الفضول التي ابتلاهم الله بها .

هؤلاء الفضوليوون يحشرون أنوفهم فيما يعنيهم وما لا يعنيهم ,لم يسمعوا يوما بأن هناك مصطلحا إسمه "الخصوصية "ويعتقدون أن الناس لا هم لهم إلا إشباع فضولهم .أمثال هؤلاء كثر ومن مختلف الأعمار وفي مختلف الأماكن .

لا يقف الأمر عند هذا الحد , فمنهم من لا يترك بينك وبيمه مسافة على الاقل "متر "عند الحديث ,فيمطرك بوابل من زخات الرذاذ الذي يخرج من فيه, فتحاول استخدام يدك لصد الرذاذ , وتتبرم ولا حياة لمن تنادي .

زرت العديد من الدول ,والتقيت العديد من البشر ومن مختلف الجنسيات ولم أصادف أبدا مثل هؤلاء إلا في مجتمعنا.

أتذكر قصة روها أحد مدرسينا مفادها (أنك لو بدأت الحديث مع شخص أنجليزي بعذه الطرقة لوجدته يسير الى الخلف مسافة عشرون مترا في الدقيقة) ليحافظ على المسافة التي يجب أن تكون بينكما (المتر ) خلال الحديث .

 


التعليقات