جهود الحفاظ على الـــتـراث تتواصل لحماية الثقافة الاماراتية

جهود الحفاظ على الـــتـراث تتواصل لحماية الثقافة الاماراتية
رام الله - دنيا الوطن
تُعتبر المباني التاريخية في دولة الامارات نافذة رائعة على الماضي، لكن الحفاظ على هذه الهندسة المعمارية للمباني التاريخية وصيانتها مهمة محفوفة بالتحديات.

وقالت مجلة " الحصن " التي تصدر عن بنك ابوظبي التجاري ان الحكومة تبذل جهودا كبيرا في الحفاظ علي المباني التاريخية مشيرة الي انه تم منذ عام 1985 ترميم قرابة 160 مبنى تاريخياً شملت قلاعاً وأبراج مراقبة ومبانٍ سكنية ومساجد وأسواق .

ويشير تقرير للمجلة في عددها الصادر حديثا انه عند مشاهدة مراكز التسوق الكبيرة، وناطحات السحاب والطرق السريعة بمساراتها الأربعة عشر، من السهل أن ننسى أن دولة الإمارات موطن للعديد من المباني التاريخية، والمستوطنات التي يعود تاريخ بعضها لحقبة العصر البروزني.

بعض من هذه المعالم البارزة يشمل قصر الحصن في أبوظبي، البستكية والشندغة في دبي، وقلعة الجاهلي في العين والتي تقدم مجتمعة نظرة فريدة من نوعها عن هوية وحضارة المنطقة بأكملها. أضف لذلك قيمتها السياحية الغنية لتعريف الزائرين على طريقة عيش أهالي الإمارات في الماضي وتأقلمهم مع هذه البيئة.

وتقول المجلة في تقريرها ان صون هذه المباني والمعالم والحفاظ عليها مهمة محفوفة بالصعوبات لأسباب عديدة، منها على سبيل المثال النمو والزحف العمراني السريع، وطبيعة البيئة القاسية وفصل الصيف بدرجات حرارته العالية، والرطوبة المرتفعة. تضع جميع هذه العوامل أمام خبراء التاريخ ومهندسي العمارة مجموعة  لا يستهان بها من التحديات والصعوبات.

ويضيف قائلا " تكمن أصعب وأخطر التحديات في سرعة التطور، وبشكل خاص في إماراتي أبوظبي ودبي، ما يضع المواقع التراثية أمام خطر تعرضها للضرر أو حتى دمارها نتيجة مشاريع الإنشاءات الجديدة للطرق والمباني وخطوط الخدمات العامة، مثل خطوط شبكات المياه والكهرباء " .

هناك أيضاً عامل آخر يزيد من شدة هذا الخطر، وهو عدم وجود قانون مُحكم لحماية هذه المواقع. وعلى الرغم من وجود قوانين محلية في إمارات أبوظبي ودبي والشارقة، يتم العمل حالياً على إصدار قانون اتحادي لحماية المباني والمواقع الأثرية في جميع أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة.

من المرجان إلى الإسمنت المسلح

من التحديات الأخرى للحفاظ على التراث المحلي، تطور مواد البناء المستخدمة. إذا عدنا في الزمن لأقل من 60 عاماً نجد بأن غالبية المباني في دولة الإمارات تم بنائها من الطين والحجارة والمرجان وأشجار النخيل، لكن الأمر تغير اليوم وباتت جميع المباني الحديثة تبنى من الإسمنت المسلح، والفولاذ، والألمنيوم والزجاج.

مسألة المحافظة على المواقع التراثية وصيانتها في دولة الإمارات العربية المتحدة مُعقدة وتستغرق وقتاً طويلاً لأنها تتطلب عمال تقنيين، مثل الفنانين والبنائين الذين يتحلون بمهارات يمكنهم من خلالها تقديم نسخ مماثلة للأنماط والتصاميم التقليدية، واستخدام مواد بناء قديمة، مثل الحجارة، والطين، والجبس، والمعجون والخشب.

أضف لذلك أن موارد المواد قد لا تتوفر بكميات كافية، وضرورة البحث عنها وجلبها من خارج الدولة، الأمر الذي يعني مزيداً من الوقت والتكلفة في مشاريع الترميم وإعادة البناء. يتم جلب غالبية الأخشاب المستخدمة في مشاريع الحفاظ على التراث في الدولة من بلدان أفريقية، وهنالك المرجان الذي كان استخدامه شائعاً في مباني الدولة التقليدية، وكما هو معلوم للجميع هنالك حدود وشروط بيئية لاستخدام المرجان اليوم.

قصر الحصن

تؤكد مجلة " الحصن " في تقريرها ان قصر الحصن يعد واحدا من أكبر وأهم مشاريع الترميم وإعادة البناء التاريخية الحالية في الدولة هو مشروع قصر الحصن الكائن في مدينة أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة. تُعد هذه القلعة من أقدم المباني الحجرية في أبوظبي ويعود تاريخها للنصف الثاني من القرن الثامن عشر. تعد القلعة مهداً لإمارة أبوظبي وكانت أول صرح ضخم دائم تم بناؤه في الإمارة، واستخدم لأجيال عديدة كمقر وسكن لعائلة آل نهيان الحاكمة.

يعود تاريخ القلعة لعام 1760 تقريباً عندما قام الشيخ ذياب بن عيسى ببنائها مستخدماً المرجان والحجارة البحرية لتكون بمثابة برج للمراقبة. لقد تمكنت هذه القلعة بموقعها القريب من الساحل من التحكم في الوصول إلى الجزيرة وحماية هذه المستوطنة التي نمت حول موارد المياه العذبة الغنية التي تم اكتشافها في هذه الجزيرة.

شهدت حقبة حكم الشيخ شخبوط بن ذياب الذي حكم أبوظبي من 1795-1816 تحويل برج المراقبة إلى قلعة بنيت من المرجان وحجارة البحر، وكسائها بالحجر الجيري والرمل المحلي والأصداف المسحوقة. استخدام الأصداف البحرية أعطى جدران القلعة لمعاناً واضحاً تحت أشعة الشمس نتج عنه استخدامها كمعلم وأداة ملاحة للبحارة.

لقد لاحظ خبراء الآثار مؤخراً أن الطبقة الخارجية لجدران القلعة تتيح تسرب الرطوبة واحتباس الماء في الطوب الأصلي للقلعة المُصنع من المرجان، الأمر الذي نتج عنه مشروع طويل لإعادة ترميم أعمال الطوب الأصلية وترميم القلعة لتعود لحالتها الأصلية الشهيرة.

يشارك في هذا المشروع الضخم فريق من الخبراء يتكون من خبراء في التاريخ، ومهندسي العمارة وأخصائيين في الحفاظ على المباني التاريخية يقومون بكل حذر بإزالة أجزاء من طبقة الجبس الأبيض السميكة وطبقة الإسمنت التي تم وضعها في حقبة الثمانينات للكشف عن طبقة المرجان وحجارة البحر الأصلية التي استخدمت في البناء التقليدي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

يأمل فريق المشروع أن يتمكنوا من تجنب تسرب الرطوبة واحتباسها على هيئة مياه في طبقة المرجان الكائنة أسفل الطبقة الخارجية البيضاء لأن تكاثف الرطوبة يؤدي إلى عوامل تآكل قوية وتأثير ضار على مبنى هذه القلعة التاريخية.

نظرة على دبي

وتقول مجلة " الحصن " ان إمارة دبي قامت باتخاذ خطوات مماثلة لإمارة أبوظبي في مسارها لحماية وصون تراثها وحضارتها العمرانية. شملت هذه المبادرة منذ عام 1985 إعادة ترميم قرابة 160 مبنى تاريخياً منها قلاع وأبراج مراقبة ومبان سكنية ومساجد وأسواق تم ترميمها من قبل بلدية دبي وهيئة الهندسة والتراث التي تهدف لزيادة العدد إلى 220 معلماً بحلول عام 2016.

يعود تاريخ منطقة الشندغة الكائنة على الضفة الغربية لخور دبي لعام 1860، وتعد من أهم المناطق التاريخية في مدينة دبي. تعرض مباني هذه المنطقة المواد والتصاميم التقليدية، منها على سبيل المثال أبراج الهواء التقليدية المعروفة باسم البراجيل، وأعمال الزخرفة والأقواس والمشربية (ألواح شبكية توضع عادة فوق النوافذ).

أثمر إعلان بلدية دبي الرسمي عن خطط مكثفة لإعادة ترميم منطقة الشندغة عن إعداد ورش عمل مركزية في المنطقة، تعلم من خلالها العمال كيفية التعامل مع المواد التقليدية، مثل الجبس المستخدم في تصنيع قطع الزخرفة التي زينت العديد من المباني التاريخية.

ركز مشروع ترميم منطقة الشندغة بشكل خاص على منزل الشيخ سعيد آل مكتوم الذي يعود تاريخ بنائه لعام 1896، واعتمد العمل بشكل رئيسي على مهارات هندسة العمارة من الحقبة المنصرمة لإعادة المبنى لحالته الأصلية. لقد أثمر نجاح المشروع وإنجازاته الممتازة في إعادة بناء وترميم منزل الشيخ سعيد عام 1998 عن الفوز بجائزة منظمة المدن العربية للحفاظ على هندسة العمارة التقليدية.

العين التاريخية

تقول المجلة ان مدينة العين هي ثاني أكبر مدن إمارة أبوظبي وواحدة من أقدم المناطق في العالم التي شهدت بشكل مستمر لغاية اليوم العديد من القرى المأهولة بالسكان، وحجزت حصتها من مبادرات إعادة الترميم التي تم إطلاقها مؤخراً. تشتهر مدينة العين بكونها القلب النابض للتراث في الدولة، وحظيت بإعلان منظمة هيئة الأمم للتراث والثقافة (اليونيسكو) عام 2011 بكونها موقع تراثي عالمي، وذلك لما تحتضنه من مقابر تعود لحقبة ما قبل التاريخ، ومبان وبنية تحتية  يعود تاريخ بعض منها للألف الرابع قبل الميلاد.

شهد عام 2013 قيام هيئة أبوظبي للسياحة والتراث بالتعاون مع جامعة باريس-سوربون في أبوظبي إطلاق دورة تعليمية مصممة لتعزيز ثقافة خبراء السياحة المحليين عن أهمية الحفاظ على مواقع العين التاريخية، مثل بدع بنت سعود وحفيت والهيلي.

يتمثل الهدف الرئيسي من تصميم برنامج حماية المواقع التراثية في المساعدة على تطوير مواقع العين التاريخية لاستقطاب المزيد من السياح، وضمان الإدارة السليمة لهذه المواقع والحفاظ عليها. أشرف على إدارة هذه الدورة نخبة من الخبراء والأكاديميين من اختصاصات مختلفة، مثل علم الآثار والانثروبولوجي (علم الإنسان)، وكانت غالبية الحضور من الهيئات الإقليمية للسياحة.

اكتسب المشاركون في الدورة معلومات عن التشريعات الدولية، ووسائل مسوحات الأنثروبولوجيا إضافة إلى القوانين المحلية والمشاركة في الأعمال الميدانية في العين.

يمكن القول بكل تأكيد بأن هذه الدورات التثقيفية مفيدة ومساعدة لوضع استراتيجية شاملة لإدارة التراث، وتعزيز مستوى ومهارات الأشخاص الذين يعملون ويعيشون ضمن حدود هذه المناطق التاريخية.

الحفاظ على الكنز

وتؤكد المجلة في تقريرها ان مهام إعادة البناء والترميم لا تتوقف عند الانتهاء من إعادة المبنى لحالته الأصلية، بل هنالك متطلبات أخرى عديدة، مثل صيانة المباني التاريخية التي تعتبر مهمة مستمرة ولا بد أن تكون متماشية مع المعايير العالمية الموضوعة.

دعونا نأخذ مثالاً على ذلك، وهو المحافظة على تماسك ووحدة مبنى تاريخي تم إعادة ترميمه في منطقة مأهولة بالسكان. نلاحظ بأن هذا المبنى يتطلب أعمال الكشف المنتظمة لمراقبة تأثير السيارات والغازات المنبعثة من العوادم والاهتزازات الناجمة عن حركة المركبات.

يوجد في غالبية الحضارات والثقافات جزء من التراث يمكن القول بأنه غير ملموس، منها على سبيل المثال سرد القصص القديمة والموسيقى والرقصات الشعبية في دولة الإمارات التي تعد جميعها مهمة جداً في الحفاظ على النسيج المجتمعي وتوصيل هذا التراث الثقافي والحضاري للأجيال القادمة. يجدر بنا أن نتذكر هنا مقولة الشيخ زايد رحمه الله «من ليس له ماضي ليس له حاضر ولا مستقبل».

مبادرات العين

واشارت المجلة في تقريرها الي ان العين شهدت عدداً وفيراً من مشاريع الترميم خلال السنوات الأخيرة سعياً للحفاظ على تاريخ هذه المدينة الغني. جاءت هذه المبادرة من خلال تعاون الخبراء الإماراتيين والأجانب في إعادة بناء وترميم مسجد الجاهلي الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، ومنزل حمد بن هادي الدرمكي الذي يعود تاريخه للقرن الثامن عشر.

تعد قلعة الجاهلي في العين من أشهر قلاع دولة الإمارات وتم ترميمها بدقة تامة خلال السنوات الأخيرة المنصرمة.

تم تشييد هذه القلعة على يد الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان في أواخر القرن التاسع عشر، وكان هدفها الرئيسي هو الدفاع عن واحة العين وحراسة مزارع النخيل القريبة من المنطقة.

شملت أعمال الترميم استخدام الطوب الطيني التقليدي، والكسوة من الطين، وجذوع النخيل ومواد بناء تم جلبها من مواقع قديمة أخرى حيثما أمكن، ساعد كل ذلك التحكم بدرجة الحرارة داخل القلعة لتكون 22 درجة مئوية. وأثمر هذا النجاح الباهر في ترميم قلعة الجاهلي لتكريمها بجائزة  فن العمارة الدولية لعام 2010.

التعليقات