عائلات فلسطينية في غزة تسكن المقابر لسوء أوضاعها الاقتصادية

رام الله - دنيا الوطن
لم يجد الشاب الفلسطيني خميس كحيل (27 عاما) مأوى له ولعائلته سوى خيمة صغيرة داخل أحد المقابر وسط مدينة غزة.

ويقطن كحيل برفقة زوجته وثلاثة من أطفاله داخل الخيمة التي أقامها بين قبرين للموتى يلفها النايلون المقوي وسقف من الصفيح بعد أن فقد غرفتين من الأسمنت كان قد بناهما في أطراف المقبرة في غارة إسرائيلية استهدفتهما خلال الحرب الأخيرة على القطاع.

ولم تقتصر خسارة كحيل وعائلته على الغرفتين فحسب، بل أنهم خسروا ملابسهم التي بالكاد وفرها لهم كحيل بسبب ظروفه المادية القاسية بعد ان احترقت بالكامل خلال الغارة الإسرائيلية.

ويجاور كحيل وعائلته في السكن داخل المقبرة 15 عائلة أخرى تعيش في غرف من الصفيح ويعاني أفرادها أوضاعا اقتصادية صعبة وفقرا شديدا.

وتقتات تلك العائلات على بقايا طعام العائلات ميسورة الحال وخضروات شبه فاسدة ألقاها تجار لهم حوانيت في سوق مجاورة للمقبرة.

ويقول كحيل لوكالة أنباء ((شينخوا))، أعيش في هذا المكان منذ ولادتي قبل 27 عاما حيث قدم والدي إليه قبل 50 عاما.

ويضيف كحيل ذو اللحية الطويلة ويربط سرواله بقطع من النيلون لشدة الفقر والعوز "نعيش وضعا صعبا للغاية يصعب على أي إنسان تحمله".

ويعزو صعوبة المعيشة داخل المقبرة لانتشار الحشرات والزواحف والكلاب الضالة التي تشكل خطرا على حياة أطفاله.

ويتابع كحيل "ذوو الموتى يرفضون تواجدنا وسكننا في هذا المكان بالقرب من قبور مواتهم ويقولون دائما أن المكان ليس للسكن".

ويقول "ليس لنا مكان نذهب إليه وحاولت كثيرا التوجه إلى الجمعيات الخيرية وميسوري الحال لكن في كل مرة يتم طردي، وحتى الموتى يريد ذووهم طردنا".

ويشكو كحيل قلة العمل في قطاع غزة بسبب الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر وإن وجد عملا "يكون بأجر زهيد لا يسد رمق العائلة".

ويرفض كحيل اعتبار المبنى الذي كان يسكن فيه وعائلته قبل القصف الإسرائيلي مخالفا، ويشكو من "تقصير المسؤولين الفلسطينيين والمؤسسات الفلسطينية والخيرية العاملة في قطاع غزة بعدم التوجه إليهم لحصر الأضرار وتعويضهم أو إعادة بناء منزله أسوة بمن دمر منزله خلال الحرب الأخيرة على غزة".

ويدعو كحيل حكومة الوفاق الفلسطينية، الى توفير منزل يأويه وعائلته وانتشالهم من الحياة الصعبة التي يعيشها.

وشنت إسرائيل في الفترة ما بين 8 يوليو وحتى 26 أغسطس الماضيين هجوما على قطاع غزة بهدف وقف إطلاق الصواريخ تجاه أراضيها وتدمير الأنفاق الأرضية الممتدة من القطاع تجاهها مما أسفر عن مقتل قرابة 2140 فلسطينيا و71 إسرائيليا، إضافة إلى تدمير آلاف المباني.

ودمرت الغارات الإسرائيلية أجزاء من المقابر الرئيسية في قطاع غزة رغم حرمتها بالنسبة للمسلمين.

وتقول زوجة كحيل العشرينية بينما كانت تنشر ملابس لأطفالها على قبور مجاورة لـ ((شينخوا))، "المكان مخيف هنا (...) فبالإضافة إلى حياتنا بين الأموات فإن الكلاب الضالة والأفاعي لا تبرحنا".

وتضيف أم عمر المرأة المقنعة وترتدي ثوبا طويلا ممزقا من جانبيه "البرد القارس في الليل تسبب بمرض أطفالي لعدم وجود بيت يأويهم".

وتتابع بصوت متقطع "أعيش في هذا المكان منذ زواجي قبل سبع سنوات"، مشيرة إلى أن ما يجبرها على ذلك عدم وجود مكان آخر للعيش فيه بسبب الفقر المدقع والبطالة التي يعيشها زوجها".

وتناشد الزوجة الجميع "توفير بيت لها ولأطفالها مثل بقية أطفال العالم".

وتقول أم عمر "لا يوجد مكان لأطفالها للعب فيه سوى القفز على قبور الموتى فهو المتزه الوحيد بالنسبة لهم".

في المقابل ، اعتبرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية أن سكن تلك العائلات في المقابر يمثل تعديا على حرمتها وحرمة الأموات.

ويقول مدير الوزارة محمد سالم لـ ((شينخوا))، إن جميع المقابر في قطاع غزة هي أراضي وقف اسلامي.

ويضيف سالم، أن "ما يمنعنا من ازالة التعديات هو مراعاة حال الشعب الفلسطيني المحاصر، حيث لا يجد هؤلاء مأوي ولا ملجأ لهم وهم موجودون في هذه المقابر منذ عشرات السنيين".

وحول إمكانية إيجاد أماكن أخرى لإسكانهم فيها يوضح سالم أن "الشعب الفلسطيني في قطاع غزة محاصر منذ ثماني سنوات وهذا الحصار ألقى بظلاله على المواطن وعلى الحكومات الفلسطينية المتعاقبة".

ويقول سالم، إن وجود هؤلاء في المقابر "هو انتهاك لحرمتها وعليهم أن يغادروها"، مشيرا إلى أن وزارته "لا تستخدم القوة معهم مراعاة لظروف الأمر الواقع التي يمر به الشعب الفلسطيني".

ويواجه قطاع غزة حصارا إسرائيليا منذ منتصف عام 2007 وتعرض من ذلك الوقت إلى ثلاث عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق وجولات متكررة من العنف.

ويقولون مسؤولون فلسطينيون، إن معدلات البطالة وصلت في قطاع غزة إلى 55 في المائة بعد الهجوم الإسرائيلي وتدمير أكثر من 500 منشأة اقتصادية ما دفع إلى انضمام أكثر من 30 ألف عامل إلى صفوف العاطلين عن العمل.

ويضيف المسؤولون، أن معدلات الفقر في صفوف سكان قطاع غزة وصلت إلى 60 في المائة مع اعتماد نحو مليون نسمة منهم على المؤسسات الدولية في تلقي المساعدات.

التعليقات