المركز القانوني للقدس في القانون الدولي
بقلم د.عبدالكريم شبير الخبير في القانون الدولي
إن وتيرة الاستيطان والتهويد في القدس ترتفع بشكل كبير في الوقت الذي يجاهر فيه قطعان المستوطنين بالاعتداءات اليومية والمتكررة على الإنسان والأرض وخاصة المسجد الاقصى وأن رئيس وزراء دولة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو يعلن باستمرار أن القدس عاصمة دولة الاحتلال الصهيوني في حين أن العرب والمسلمون يقفون عاجزين عن عمل شيء ضد هذه الأفعال والتصرفات المنتهكة للقانون الدولي مما دفع البعض إلي التقليل من أهمية الجانب القانوني ما دامت دولة الاحتلال الصهيوني تسيطر علي الإنسان والأرض وتفرض سياستها في إعادة رسم خريطتها الجغرافية والديمغرافية للسيطرة والهيمنة على القدس وعليه فإن المعركة القانونية ومعرفة المركز القانوني للقدس في القانون الدولي لها مكانتها الهامة في طبيعة الصراع واليوم وفي ظل تصارع المخطط الصهيوني في التهويد والاستيطان والتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى والشروع بتنفيذ نفق لربط القدس الغربية بباحات الأقصى واكتمال شبكة الأنفاق تحت المسجد الأقصى. وجدت من واجبي الوطني والمهني أن أوضح المركز القانوني للقدس في القانون الدولي.
إن دولة الاحتلال الاسرائيلي قامت منذ سيطرتها والاستيلاء علي القدس ضمن سعيها المستمر للهيمنة والسيطرة علي كل فلسطين وإخضاع سكانها وقتلهم أو طردهم من ديارهم وقراهم ومدنهم حيث اتخذت دولة الاحتلال الصهيوني اجراءات تعسفية بحق الشعب الفلسطيني من خلال منعهم من ترميم أو تعمير أو بناء منازلهم حتي يتمكنوا العيش وممارسة حياتهم الطبيعية التي كفلها لهم القانون الدولي.
أن قرار التقسيم رقم 181 كان حجر الأساس في قيام دولة الاحتلال الصهيوني ثم تنكروا لحق الشعب الفلسطيني في القرار نفسه بإقامة دولة المستقلة وقد مرت سيطرة وهيمنة دولة الاحتلال الصهيوني علي القدس بمرحلتين :-
المرحلة الأولى: السيطرة والهيمنة علي القدس الغربية عام 1949.
المرحلة الثانية: السيطرة والهيمنة علي القدس الغربية عام 1967 وضمها رسميا وإعلانها عاصمة أبدية لدولة الكيان الصهيوني عام 1980.
من هذا يتبين أن القدس قد انتقلت من مرحلة التبعية العربية والإسلامية إلي مرحلة الصراع بين دولة الاحتلال الصهيوني مع الدول العربية ثم بين دولة الاحتلال الصهيوني والشعب الفلسطيني وتداول الأفكار لتسويتها ثم انتهت بإعلان دولة الاحتلال الصهيوني تبعية المدينة بأكملها لها بمساندة من الدول الأوربية وعلي رأسها الولايات المتحدة الامريكية لهذا الموقف المخالف للقانون الدولي.
ولتعرف على المركز القانوني للقدس في القانون الدولي لابد من إلقاء نظرة سريعة على موضوع السيادة علي القدس في عهد الانتداب البريطاني حسب قرار التقسيم ثم تأثير الاحتلال الصهيوني علي السيادة علي الأرضي الفلسطينية.
اولا: الانتداب البريطاني والسيادة علي القدس
إن الاتفاق الذي أنهي الحرب العالمية الأولي نص على الاعتراف باستقلال الأقاليم العربية التي كانت جزءا من الدولة العثمانية عندما جاء نص المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم المتحدة علي أن بعض الجماعات التي كانت تابعة للدولة العثمانية يمكن أن تصبح شعوبا مستقرة إذا ما وصلت إلي قدر من التقدم ويمكن أن يتم وضعها تحت الانتداب من أجل مساعدتهم إلي أن يصلوا إلي مرحلة يستطيعون فيها أن يسيروا أنفسهم بأنفسهم. بناء على ذلك وتنفيذا للمادة 22 أصبحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني.
أن وضع فلسطين تحت الانتداب لا يغير من وضعها ولا ينتقص من احتفاظها بالسيادة الكاملة لأن الانتداب مهمته الأساسية هي تقديم المساعدة إلي الشعب الفلسطيني الواقع تحت الانتداب ولا يكتسب الانتداب أي حق في السيادة علي الأرضي الفلسطينية التي يديرها الانتداب البريطاني وهذا يؤكد أن السيادة حق قانوني يبقى منوطا بالحقوق الشعب الفلسطيني وأن حق ممارسته تم تعليقه حتى انتهاء الانتداب وأن حق السيادة علي القدس هو جزء لا يتجزأ من الكيان الفلسطيني. وعليه فإنني سوف أوضح أهم النقاط القانونية في قرار التقسيم رقم 181 ووضع القدس تحت نظام دولي خاص حسب القرارات الدولية والموقف القانوني من ضم الاحتلال الصهيوني للقدس. أولا: قرار التقسيم رقم181 ووضع القدس تحت نظام دولي خاص إن قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29-11-1947 من الجمعية العمومية بالأمم المتحدة أوصي بوضع القدس تحت نظام دولي خاص و أوضح بأن مدينة القدس تشمل بلدية القدس بالإضافة إلي بيت لحم وعين كارم.
إن وضع القدس تحت نظام دولي خاص لم يغير ولم يؤثر علي السيادة التي بقيت منوطة بشعب فلسطين فقرار التقسيم لم يمنح الأمم المتحدة أو مجلس الوصاية أي حق في السيادة علي القدس ولكنه منحها بعض السلطات الإدارية فقط وأن الحكومة البريطانية لم تكتسب أي حق في السيادة علي فلسطين والقدس أثناء الانتداب.
إن النظام القانوني الدولي الخاص بالقدس لم يتم إلغاءه بسبب الاحتلال الصهيوني والسيطرة الأردنية علي المدينة عام 1948 علي الرغم من هذا الاحتلال الصهيوني والسيطرة والهيمنة التي يفرضها على الإنسان والأرض وأن النظام القانوني الدولي للمدينة تم التأكيد عليه في قرار الجمعية العامة رقم 194 الصادر بتاريخ 11-12-1948 والقرار 303 الصادر بتاريخ 9-12-1949 بعد الاحتلال الصهيوني للقدس الغربية وسيطرة الأردن علي القدس الشرقية.
إن عدم تطبيق أو انتهاك القرار 181 لا يؤثر علي القرار وصلاحياته ولم يؤثر أيضا علي النظام الدولي الخاص بالقدس.
لقد تم التأكيد علي النظام القانوني الخاص بالقدس وعدم شرعية الإجراءات التي تقوم بها دولة الاحتلال الصهيوني في العديد من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن ونستطيع أن نذكر منها على سبيل المثال قرار مجلس الأمن 252 الصادر في 21-5-1968 وقرار الجمعية العامة 32/5 الصادر في 28-10-1977 وقرار مجلس الأمن 452 الصادر في 20-7-1979 وقرار مجلس الأمن 465 الصادر في 1-3-1980 وقرار مجلس الأمن 476 الصادر في 30-6-1980. إن هذه القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة تعتبر ذات أهمية كبيرة للأسباب القانونية الاتية:-
1- أن النظام القانوني الخاص بالقدس لم يتم تطبيقه عمليا ولكن النتائج القانونية المترتبة علي القرار 181 بخصوص القدس تم الاعتراف بها من خلال عدم الاعتراف بالإجراءات التي قامت بها دولة الاحتلال الصهيوني واعتبارها لاغية ومخالفة للقرار ولوضع القدس الخاص.
2- إن النتائج القانونية المترتبة علي النظام القانوني الدولي الخاص بمدينة القدس ينطبق علي القدس الشرقية والغربية وأن دولة الاحتلال الصهيوني عليها التزام قانوني بعدم تغير وضع مدينة القدس كما هو منصوص عليه بالقرار 181 لأنها اعترفت بهذا القرار صراحة واستندت إليه في إعلان قيامها.
ثانيا: الموقف القانوني من ضم الاحتلال الصهيوني للقدس
إن الاحتلال الصهيوني للقدس الغربية عام 1948 واحتلالها للقدس الشرقية عام 1967 ومن ثم ضمها لدولة الاحتلال الصهيوني يعد مخالفة وانتهاكها صارخا للقانون الدولي ومخالفة لالتزاماتها كدولة احتلال. وإن احتلال القدس وضمها يعتبر انتهاك لحقوق الشعب الفلسطيني في السيادة علي القدس الغير قابلة للتصرف ولكن هذا الاحتلال الصهيوني والضم للقدس المحتلة لا يؤثر على حق السيادة للشعب الفلسطيني علي أراضيه وإن حق غير قابل للتصرف ولا يسري علية مرور الزمن و لا يسقط بالتقادم.
إن احتلال الصهيوني للقدس وإن دام عقودا طويلة من الزمن لا يعطي الاحتلال الصهيوني أي حق في السيادة عليها فقد أكد مجلس الأمن علي أن دولة الاحتلال هي دولة محتلة وتتصرف في الأراضي المحتلة وفي القدس بشكل خاص علي أنها دولة احتلال كما جاء في القرار 476 الصادر عن مجلس الأمن في 30-6-1980 والقرار 478 الصادر في 20-8-1980.
أن مجلس الامن أدان تصرفات دولة الاحتلال الصهيونية في القدس المحتلة واعتبرها لاغية وباطلة وأن أحد مبادئ القانون الدولي أكد علي أن سلطة الاحتلال لا تكتسب أي حق بالسيادة علي الأرض الفلسطينية التي تحتلها إذ أن سلطة الاحتلال ليس لها إلا سلطة إدارية مؤقتة فقط في الأراضي التي تحتلها. مع العلم ان أحد القرارات المهمة التي أصدرتها الجمعية العامة القرار 63/30 الصادر في 26-11-2008 أكدت فيه الفقرة (د) من قرارها 182 (2) المؤرخ في 29-11-1947 وبخاصة أحكامه المتعلقة بمدينة القدس و القرار رقم 36/120/ه المؤرخ في 10-12-1981 حيث جاء فيه أن جميع التدابير والإجراءات التشريعية والإدارية التي اتخذتها دولة الاحتلال والتي غيرت أو توخت تغير طابع ومركز مدينة القدس وخاصة ما يسمي القانون الأساسي المتعلق بالقدس وإعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال لاغية وباطلة ويجب إلغاءها فورا. وأكدت الجمعية العامة في هذا القرار علي أن الاجراءات التي تتخذها دولة الاحتلال الصهيوني السلطة القائمة بالاحتلال لفرض قوانينها وولايتها وإدارتها علي مدينة القدس هي إجراءات غير قانونية ومن ثم فهي لاغية وباطلة وليس لها أي سند قانوني وهي غير شرعية.
إن قرار التقسيم 181 هو السند القانوني لوضع القدس وقيام الدولة الفلسطينية والقراران 242 و338 هما يطالبان دولة الاحتلال الصهيوني بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967 علي أساس أن الحرب لا تعطي أدني حق في الأراضي المحتلة ولا تؤثر علي السيادة، فدولة الاحتلال الصهيوني بموجب القرارين السابقين تعتبر سلطة احتلال يتعين عليها احترام اتفاقيات جنيف الأربعة وخاصة الاتفاقية الرابعة المتعلقة بوضع المدنيين تحت الاحتلال الحربي والقدس الشرقية وهي أرض محتلة منذ 1967 تتمتع بما ينص عليه القرار 242 من أن القوة لا تعطي أي حق لاكتساب الإقليم ولما عمدت دولة الاحتلال الصهيوني إلي تهويد مدينة القدس منذ عام 1967 أصدر مجلس الأمن والجمعية العامة قرارات متتابعة تبطل الاجراءات التي تقوم بها دولة الاحتلال الصهيوني ولا تتفق مع صلاحيات سلطة الاحتلال حتي قانون ضم القدس الذي أصدرته دولة الاحتلال الصهيوني عام 1980 واعلانها القدس عاصمة موحدة وأبدية لها حيث أصدر مجلس الأمن قراره الشهير رقم 478 في 29-8-1980 الذي اعتبر هذا التشريع الداخلي لدولة الاحتلال الصهيوني انتهاكا للقانون الدولي وبالتالي يصبح باطلا وليس له أي أساس من القانون وطالب مجلس الأمن كافة دول العالم باحترام هذا القرار الصادر عن مجلس الامن وعدم نقل بعثاته من تل أبيب إلي القدس وقد احترمت كل الدول وضع القدس بناء علي ذلك القرار.
إن محكمة العدل الدولية اكدت في فتواها الخاصة بالنتائج القانونية المترتبة علي اقامة الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الفقرات (70-78) علي ما ذكرناه سابقا واعتبرت المحكمة أن جميع الأراضي الفلسطينية بما فيها شرقي القدس ما زالت أرض محتلة وما زالت دولة الاحتلال لها وضع السلطة القائمة بالاحتلال.
إن قرارات واجراءات دولة الاحتلال الصهيوني تعتبر باطلة بما فيها قرار الضم وهو ما أكدته جميع قرارات الأمم المتحدة بكل مؤسساتها التي حاولت أن تحافظ على المركز القانوني للقدس حسب قرار التقسم.
وعلية فإنني أوصي القيادة الفلسطينية وعلي رأسها السيد الرئيس ابو مازن بصفته رئيس دولة فلسطين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية أن يتقدم بطلب إلي الأمم المتحدة يطلب فيه إعادة النظر في المركز القانوني لدولة الاحتلال الصهيوني ويدعوا الأمم المتحدة إلي سحب الاعتراف منها وطردها من جميع منظمات الأمم المتحدة حسب المادة السادسة في ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بالطرد. لأنها ترفض تنفيذ القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومخالفة لشروط قبولها عضوا في الأمم المتحدة وعدم تنفيذها لقرار التقسيم رقم 181 وقرار عودة اللاجئين 194 الصادر في 11-12-1948 وإن رفضها للقرارين وعدم احترامها لما جاء في ديباجة الجمعية العامة باحترام كافة التزامات الناشئة عن ميثاق الأمم المتحدة بلا تحفظ ولم ترعي التزاما واحدا منه وأن تحديها لكل القرارات الدولية يعتبر كل ذلك انتهاكا لشروط قبولها عضوا في الجمعية العامة حسب القرار رقم 373 الصادر في 11-5-1949 ومخالفة إلي التزاماتها في جميع اللجان بالجمعية العامة.
إن وتيرة الاستيطان والتهويد في القدس ترتفع بشكل كبير في الوقت الذي يجاهر فيه قطعان المستوطنين بالاعتداءات اليومية والمتكررة على الإنسان والأرض وخاصة المسجد الاقصى وأن رئيس وزراء دولة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو يعلن باستمرار أن القدس عاصمة دولة الاحتلال الصهيوني في حين أن العرب والمسلمون يقفون عاجزين عن عمل شيء ضد هذه الأفعال والتصرفات المنتهكة للقانون الدولي مما دفع البعض إلي التقليل من أهمية الجانب القانوني ما دامت دولة الاحتلال الصهيوني تسيطر علي الإنسان والأرض وتفرض سياستها في إعادة رسم خريطتها الجغرافية والديمغرافية للسيطرة والهيمنة على القدس وعليه فإن المعركة القانونية ومعرفة المركز القانوني للقدس في القانون الدولي لها مكانتها الهامة في طبيعة الصراع واليوم وفي ظل تصارع المخطط الصهيوني في التهويد والاستيطان والتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى والشروع بتنفيذ نفق لربط القدس الغربية بباحات الأقصى واكتمال شبكة الأنفاق تحت المسجد الأقصى. وجدت من واجبي الوطني والمهني أن أوضح المركز القانوني للقدس في القانون الدولي.
إن دولة الاحتلال الاسرائيلي قامت منذ سيطرتها والاستيلاء علي القدس ضمن سعيها المستمر للهيمنة والسيطرة علي كل فلسطين وإخضاع سكانها وقتلهم أو طردهم من ديارهم وقراهم ومدنهم حيث اتخذت دولة الاحتلال الصهيوني اجراءات تعسفية بحق الشعب الفلسطيني من خلال منعهم من ترميم أو تعمير أو بناء منازلهم حتي يتمكنوا العيش وممارسة حياتهم الطبيعية التي كفلها لهم القانون الدولي.
أن قرار التقسيم رقم 181 كان حجر الأساس في قيام دولة الاحتلال الصهيوني ثم تنكروا لحق الشعب الفلسطيني في القرار نفسه بإقامة دولة المستقلة وقد مرت سيطرة وهيمنة دولة الاحتلال الصهيوني علي القدس بمرحلتين :-
المرحلة الأولى: السيطرة والهيمنة علي القدس الغربية عام 1949.
المرحلة الثانية: السيطرة والهيمنة علي القدس الغربية عام 1967 وضمها رسميا وإعلانها عاصمة أبدية لدولة الكيان الصهيوني عام 1980.
من هذا يتبين أن القدس قد انتقلت من مرحلة التبعية العربية والإسلامية إلي مرحلة الصراع بين دولة الاحتلال الصهيوني مع الدول العربية ثم بين دولة الاحتلال الصهيوني والشعب الفلسطيني وتداول الأفكار لتسويتها ثم انتهت بإعلان دولة الاحتلال الصهيوني تبعية المدينة بأكملها لها بمساندة من الدول الأوربية وعلي رأسها الولايات المتحدة الامريكية لهذا الموقف المخالف للقانون الدولي.
ولتعرف على المركز القانوني للقدس في القانون الدولي لابد من إلقاء نظرة سريعة على موضوع السيادة علي القدس في عهد الانتداب البريطاني حسب قرار التقسيم ثم تأثير الاحتلال الصهيوني علي السيادة علي الأرضي الفلسطينية.
اولا: الانتداب البريطاني والسيادة علي القدس
إن الاتفاق الذي أنهي الحرب العالمية الأولي نص على الاعتراف باستقلال الأقاليم العربية التي كانت جزءا من الدولة العثمانية عندما جاء نص المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم المتحدة علي أن بعض الجماعات التي كانت تابعة للدولة العثمانية يمكن أن تصبح شعوبا مستقرة إذا ما وصلت إلي قدر من التقدم ويمكن أن يتم وضعها تحت الانتداب من أجل مساعدتهم إلي أن يصلوا إلي مرحلة يستطيعون فيها أن يسيروا أنفسهم بأنفسهم. بناء على ذلك وتنفيذا للمادة 22 أصبحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني.
أن وضع فلسطين تحت الانتداب لا يغير من وضعها ولا ينتقص من احتفاظها بالسيادة الكاملة لأن الانتداب مهمته الأساسية هي تقديم المساعدة إلي الشعب الفلسطيني الواقع تحت الانتداب ولا يكتسب الانتداب أي حق في السيادة علي الأرضي الفلسطينية التي يديرها الانتداب البريطاني وهذا يؤكد أن السيادة حق قانوني يبقى منوطا بالحقوق الشعب الفلسطيني وأن حق ممارسته تم تعليقه حتى انتهاء الانتداب وأن حق السيادة علي القدس هو جزء لا يتجزأ من الكيان الفلسطيني. وعليه فإنني سوف أوضح أهم النقاط القانونية في قرار التقسيم رقم 181 ووضع القدس تحت نظام دولي خاص حسب القرارات الدولية والموقف القانوني من ضم الاحتلال الصهيوني للقدس. أولا: قرار التقسيم رقم181 ووضع القدس تحت نظام دولي خاص إن قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29-11-1947 من الجمعية العمومية بالأمم المتحدة أوصي بوضع القدس تحت نظام دولي خاص و أوضح بأن مدينة القدس تشمل بلدية القدس بالإضافة إلي بيت لحم وعين كارم.
إن وضع القدس تحت نظام دولي خاص لم يغير ولم يؤثر علي السيادة التي بقيت منوطة بشعب فلسطين فقرار التقسيم لم يمنح الأمم المتحدة أو مجلس الوصاية أي حق في السيادة علي القدس ولكنه منحها بعض السلطات الإدارية فقط وأن الحكومة البريطانية لم تكتسب أي حق في السيادة علي فلسطين والقدس أثناء الانتداب.
إن النظام القانوني الدولي الخاص بالقدس لم يتم إلغاءه بسبب الاحتلال الصهيوني والسيطرة الأردنية علي المدينة عام 1948 علي الرغم من هذا الاحتلال الصهيوني والسيطرة والهيمنة التي يفرضها على الإنسان والأرض وأن النظام القانوني الدولي للمدينة تم التأكيد عليه في قرار الجمعية العامة رقم 194 الصادر بتاريخ 11-12-1948 والقرار 303 الصادر بتاريخ 9-12-1949 بعد الاحتلال الصهيوني للقدس الغربية وسيطرة الأردن علي القدس الشرقية.
إن عدم تطبيق أو انتهاك القرار 181 لا يؤثر علي القرار وصلاحياته ولم يؤثر أيضا علي النظام الدولي الخاص بالقدس.
لقد تم التأكيد علي النظام القانوني الخاص بالقدس وعدم شرعية الإجراءات التي تقوم بها دولة الاحتلال الصهيوني في العديد من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن ونستطيع أن نذكر منها على سبيل المثال قرار مجلس الأمن 252 الصادر في 21-5-1968 وقرار الجمعية العامة 32/5 الصادر في 28-10-1977 وقرار مجلس الأمن 452 الصادر في 20-7-1979 وقرار مجلس الأمن 465 الصادر في 1-3-1980 وقرار مجلس الأمن 476 الصادر في 30-6-1980. إن هذه القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة تعتبر ذات أهمية كبيرة للأسباب القانونية الاتية:-
1- أن النظام القانوني الخاص بالقدس لم يتم تطبيقه عمليا ولكن النتائج القانونية المترتبة علي القرار 181 بخصوص القدس تم الاعتراف بها من خلال عدم الاعتراف بالإجراءات التي قامت بها دولة الاحتلال الصهيوني واعتبارها لاغية ومخالفة للقرار ولوضع القدس الخاص.
2- إن النتائج القانونية المترتبة علي النظام القانوني الدولي الخاص بمدينة القدس ينطبق علي القدس الشرقية والغربية وأن دولة الاحتلال الصهيوني عليها التزام قانوني بعدم تغير وضع مدينة القدس كما هو منصوص عليه بالقرار 181 لأنها اعترفت بهذا القرار صراحة واستندت إليه في إعلان قيامها.
ثانيا: الموقف القانوني من ضم الاحتلال الصهيوني للقدس
إن الاحتلال الصهيوني للقدس الغربية عام 1948 واحتلالها للقدس الشرقية عام 1967 ومن ثم ضمها لدولة الاحتلال الصهيوني يعد مخالفة وانتهاكها صارخا للقانون الدولي ومخالفة لالتزاماتها كدولة احتلال. وإن احتلال القدس وضمها يعتبر انتهاك لحقوق الشعب الفلسطيني في السيادة علي القدس الغير قابلة للتصرف ولكن هذا الاحتلال الصهيوني والضم للقدس المحتلة لا يؤثر على حق السيادة للشعب الفلسطيني علي أراضيه وإن حق غير قابل للتصرف ولا يسري علية مرور الزمن و لا يسقط بالتقادم.
إن احتلال الصهيوني للقدس وإن دام عقودا طويلة من الزمن لا يعطي الاحتلال الصهيوني أي حق في السيادة عليها فقد أكد مجلس الأمن علي أن دولة الاحتلال هي دولة محتلة وتتصرف في الأراضي المحتلة وفي القدس بشكل خاص علي أنها دولة احتلال كما جاء في القرار 476 الصادر عن مجلس الأمن في 30-6-1980 والقرار 478 الصادر في 20-8-1980.
أن مجلس الامن أدان تصرفات دولة الاحتلال الصهيونية في القدس المحتلة واعتبرها لاغية وباطلة وأن أحد مبادئ القانون الدولي أكد علي أن سلطة الاحتلال لا تكتسب أي حق بالسيادة علي الأرض الفلسطينية التي تحتلها إذ أن سلطة الاحتلال ليس لها إلا سلطة إدارية مؤقتة فقط في الأراضي التي تحتلها. مع العلم ان أحد القرارات المهمة التي أصدرتها الجمعية العامة القرار 63/30 الصادر في 26-11-2008 أكدت فيه الفقرة (د) من قرارها 182 (2) المؤرخ في 29-11-1947 وبخاصة أحكامه المتعلقة بمدينة القدس و القرار رقم 36/120/ه المؤرخ في 10-12-1981 حيث جاء فيه أن جميع التدابير والإجراءات التشريعية والإدارية التي اتخذتها دولة الاحتلال والتي غيرت أو توخت تغير طابع ومركز مدينة القدس وخاصة ما يسمي القانون الأساسي المتعلق بالقدس وإعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال لاغية وباطلة ويجب إلغاءها فورا. وأكدت الجمعية العامة في هذا القرار علي أن الاجراءات التي تتخذها دولة الاحتلال الصهيوني السلطة القائمة بالاحتلال لفرض قوانينها وولايتها وإدارتها علي مدينة القدس هي إجراءات غير قانونية ومن ثم فهي لاغية وباطلة وليس لها أي سند قانوني وهي غير شرعية.
إن قرار التقسيم 181 هو السند القانوني لوضع القدس وقيام الدولة الفلسطينية والقراران 242 و338 هما يطالبان دولة الاحتلال الصهيوني بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967 علي أساس أن الحرب لا تعطي أدني حق في الأراضي المحتلة ولا تؤثر علي السيادة، فدولة الاحتلال الصهيوني بموجب القرارين السابقين تعتبر سلطة احتلال يتعين عليها احترام اتفاقيات جنيف الأربعة وخاصة الاتفاقية الرابعة المتعلقة بوضع المدنيين تحت الاحتلال الحربي والقدس الشرقية وهي أرض محتلة منذ 1967 تتمتع بما ينص عليه القرار 242 من أن القوة لا تعطي أي حق لاكتساب الإقليم ولما عمدت دولة الاحتلال الصهيوني إلي تهويد مدينة القدس منذ عام 1967 أصدر مجلس الأمن والجمعية العامة قرارات متتابعة تبطل الاجراءات التي تقوم بها دولة الاحتلال الصهيوني ولا تتفق مع صلاحيات سلطة الاحتلال حتي قانون ضم القدس الذي أصدرته دولة الاحتلال الصهيوني عام 1980 واعلانها القدس عاصمة موحدة وأبدية لها حيث أصدر مجلس الأمن قراره الشهير رقم 478 في 29-8-1980 الذي اعتبر هذا التشريع الداخلي لدولة الاحتلال الصهيوني انتهاكا للقانون الدولي وبالتالي يصبح باطلا وليس له أي أساس من القانون وطالب مجلس الأمن كافة دول العالم باحترام هذا القرار الصادر عن مجلس الامن وعدم نقل بعثاته من تل أبيب إلي القدس وقد احترمت كل الدول وضع القدس بناء علي ذلك القرار.
إن محكمة العدل الدولية اكدت في فتواها الخاصة بالنتائج القانونية المترتبة علي اقامة الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الفقرات (70-78) علي ما ذكرناه سابقا واعتبرت المحكمة أن جميع الأراضي الفلسطينية بما فيها شرقي القدس ما زالت أرض محتلة وما زالت دولة الاحتلال لها وضع السلطة القائمة بالاحتلال.
إن قرارات واجراءات دولة الاحتلال الصهيوني تعتبر باطلة بما فيها قرار الضم وهو ما أكدته جميع قرارات الأمم المتحدة بكل مؤسساتها التي حاولت أن تحافظ على المركز القانوني للقدس حسب قرار التقسم.
وعلية فإنني أوصي القيادة الفلسطينية وعلي رأسها السيد الرئيس ابو مازن بصفته رئيس دولة فلسطين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية أن يتقدم بطلب إلي الأمم المتحدة يطلب فيه إعادة النظر في المركز القانوني لدولة الاحتلال الصهيوني ويدعوا الأمم المتحدة إلي سحب الاعتراف منها وطردها من جميع منظمات الأمم المتحدة حسب المادة السادسة في ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بالطرد. لأنها ترفض تنفيذ القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومخالفة لشروط قبولها عضوا في الأمم المتحدة وعدم تنفيذها لقرار التقسيم رقم 181 وقرار عودة اللاجئين 194 الصادر في 11-12-1948 وإن رفضها للقرارين وعدم احترامها لما جاء في ديباجة الجمعية العامة باحترام كافة التزامات الناشئة عن ميثاق الأمم المتحدة بلا تحفظ ولم ترعي التزاما واحدا منه وأن تحديها لكل القرارات الدولية يعتبر كل ذلك انتهاكا لشروط قبولها عضوا في الجمعية العامة حسب القرار رقم 373 الصادر في 11-5-1949 ومخالفة إلي التزاماتها في جميع اللجان بالجمعية العامة.

التعليقات