الفيلم الفرنسي "حياة أديل" للمخرج من اصل تونسي عبداللطيف كشيش

الفيلم الفرنسي "حياة أديل" للمخرج من اصل تونسي عبداللطيف كشيش
رام الله - دنيا الوطن
حميد عقبي..سينمائي يمني مقيم في فرنسا

عبداللطيف كشيش مخرج سينمائي اثار الانتباه اليه منذ عدة سنوات مع فيلم (المرواغة) الحاصل على افضل قيلم سيزار 2005 ثم فيلمه (كسكسي بالبوري) الحاصل ايضا على جائزة سيزار افضل سيناريو2008 و كذلك فيلمه (فينوس سوداء) عام 2010، الا ان فيلمه الاخير (حياة أديل) او (الأزرق أدفأ الألوان) 2013 و الذي نال سعفة مهرجان كان الذهبية للدورة 66 ، يعد ذلك انتقاله مهمة و جريئة جدا في حياة المخرج الفنية، كنا قد تعودنا ان يقدم كشيش في افلامه الهم اليومي ـ ابحار في العمق الاجتماعي و التطرق الى المسكوت عنه و الخفي يحاول كل مرة الكشف بشجاعة عن قضايا خفية ذات طابع اجتماعي يفعل ذلك بحذر و بساطة بخلق شخصية او عدة شخصيات قليلة يزج بها في عالم القلق يجعلها تفصح و تثور و تكسر الحواجز، لم يتورع في تصوير بعض المشاهد الجنسية الساخنة و تذوق الجسد الأنثوي باحساس، لكننا في هذا الفيلم و لاول مرة على الشاشة الكبيرة نرى و بوضوح التعري و الممارسة الجنسية بادق التفاصيل بين بين فتاتين الاولى أديل البنت المراهقة بنت 17 ربيعا و صديقتها إيما التي تدرس الفنون الجميلة تصبغ شعرها باللون الازرق؛ لم يكن مشهد واحد قصير بل مشاهد مطولة على السرير ـ نشاهد دون تورية او تشويش الممارسات السحاقية بوضعيات مختلفة مطولة جدا فالفيلم لم يكتفي بتسليط الضوء على العلاقة الغرامية و العشق بين الفتاتين و الصدامات التي تحدث في المدرسة الثانوية و ليس مجرد مناقشات لمشكلة الزواج المثلي، نحن في هذا الفيلم امام فتاة أديل ملامح طفولية و رغبة في الحياة محبة للأدب و القراءة و اللغة الانجليزية وينقصها بعض الفهم في مادة الفلسفة هي كبقية زميلاتها شابة مراهقة تتحدث مع صديقاتها في المدرسة الثانوية عن مواضيع الجنس و المعاشرة الجنسية و فعلا ترتبط بصداقة مع شاب و تفعل هذه الممارسة لكنها لم تحس باللذة الكاملة… 

ترتبط بزميله لها تلك الزميلة تتقرب منها تجد ميول لها تقوم بتقبيلها متلذذة بهذه المتعة في المرة الثانية ترفض زميلتها و تقول لها لست مثلية بل تذهب و تفضحها بين الزميلات، لها صديق له ميول مثلية تذهب معه الى بار و مرقص خاص بالفئة المثلية ترقص و تشرب ثم تتسلل و تدخل بار و مرقص خاص بالسحاقيات هناك تتعرف على إيما ترتبط بها كصديقة ثم حبيبة و عشيقة، تستمر لعدة سنوات تصبح أديل مدرسة و مربية اطفال بمدرسة ابتدائية و صديقتها فنانة و رسامة تستعد لاقامة معرضها الاول الذي يحوي العديد من اللوحات التشكيلية التي تحكي العلاقة الجنسية بين أديل و صديقتها الفنانة، يحدث بعد ذلك بعض الاختلاف تنجرف أديل للمارسة عابرة مع زميلها بالمدرسة تعتبرها صديقتها خيانة تطردها من البيت، تظل أديل في عزلة تشعر بالغبن و تبكي عشقها المجنون تحاول العودة لصديقتها ترفض الصديقة كونها ارتبطت بفتاة اخرى و اصبح لديهم طفل في المشهد الاخير نرى أديل تدير بظهر تسير لا نعرف جهتها و هناك شخص نحسه معجب بها يحاول اللحاق بها ربما يكون جزء ثاني لتكتمل حياة أديل.

لم يتطرق النقاد العرب لهذا الفيلم ما يوجد عنه باللغة العربية مجرد نقل خبر فوز الفيلم في مهرجان كان و قد يصفه البعض بالفيلم الاباحي او فيلم يحكي قصة شواذ، سنحاول ان نقف بعض الوقفات المهمة للغوص في عمق هذا الفيلم :ـ لعل ما يلاحظ ان المخرج عبداللطيف كشيش لم يذهب لاستخدام ايقاع سريع، الفيلم يمتد الى ثلاث ساعات تقريبا بايقاع هادئ يميل الى التعايش اليومي مع تفاصيل بسيطة و عادية مثلا : الاستيقاظ، الركض وراء الحافلة، الدخول الى المدرسة، الاحاديث الصباحية بين الطالبات و الطلبة ثم العودة للمنزل و على مائدة الطعام صب و تقديم الطعام ثم الاكل، المزج بين الاكل و الحديث.. كثيرا ما تجد مشاهد الاكل و الشرب و الحديث اثناء الاكل في بعض الاحيان قد لا تفهم بعض الكلمات كون فم الممثلة منشغل بالمضغ لكنها تتكلم و تلك التعابير للوجه خلال رؤية الاكل كثيرة جدا! 

هي التفاصيل ضمن البرنامج اليومي هذا الاسلوب خصوصا المزج بين الكلام و الاكل المخرج هنا يتعمد ذلك، الكلمات قد تكون مشوشة ضوضاء لما هو داخل عمق الشخصية الرئيسية خصوصا التي يحاول منذ البداية تقديمها على طبيعتها دون زخرفة هي مجرد شابة انسانة خلال الاكل نحسها كانسانة برية، هي كذلك في المشاهد الاولى نلمس طاقة بدينة خلال الركض الى الحافلة ثم الابتسامات البريئة الطفولية نجد الكاميرا تلاحقها تنصت لها تتلمس وجهها و حركات يدها و هي ترفع شعرها، الكثير من الانفعالات تحدث منذ البداية لفتاة تود اكتشاف جسدها لا تفلح باللذة مع رجل ،تخوض مغامرة الرغبة مع زميلة لها تفشل ايضا ثم تدع لنفسها العنان الى ان تجد حبيبة و عشيقة، إيما التي تكتشفها من جديد تكتشف كل جزء من جسدها، هي لا تكون فقط متلقية و سلبية بل تثور الرغبة و تنضج اكثر فتكون في بعض المشاهد اكثر سخونة و مشاركة بالفعل الجنسي، تتلقى الفعل و ترد بردة فعل تحوي الكثير من العاطفة بعيدا عن الميكانيكية في الاداء او التعابير الخادعة و الانفعالات الكاذبة، 

تعيش الممثلة الدور كما صرحت في العديد من التصريحات الصحفية ان البداية كانت تحس بالانقباض و الخوف و الجمود لكن تخلصت من كل هذا لتقدم فعل جنسي محسوس كون فترات العمل استمرت لفترة طويلة و كان المخرج لا يقبل بالنتائج العادية يريد في كل مرة الوصول الى الذروة، تعلو الشهقات ترفرف الروح لتمسك بالروح الاخرى في عالم اللذة دون حرج او خوف هذا حسب توصيف الممثلة.اتبع المخرج اسلوب التشديد و حصر أديل و رفيقتها إيما اتاحة الفرصة لا مكان هنا و لا صورة الا صورة الجسد و الجسد في تلاقي ـ تلامس ـ مداعبات ابعد من ذلك كل واحد تتذوق كل جزء من الاخرى، لم يهتم بالديكور و لا شيء اخر تتحرك الكاميرا مع تغيير الوضعية تعود لتثبت مشدوها و منتبهة الى ادق التفاصيل التي لا يمكن ان نشاهدها بنفس الحس العاطفي التي نجدها في هذا الفيلم، فمثلا افلام البورنو فيها مثل هذه المشاهد لا يخلو فيلم من لقاء سحاقية باخرى، لكن هنا التركيز على الاحساس و العاطفة محاولة لمس هذا البركان المستعر لحظة الوصول الى الذروة الجنسية التسليم و الاستلام ـ الاخذ و الموهبة كلا يعطي من روحه و ليس من الجسد فقط هكذا وصفه الكثير من النقاد.

حسب رأي البعض انه كان من المستحيل الوصول الى هذه الصواعق القادمة من القلب كل واحدة مسحورة بالاخرى مفتونة بها جسديا، دون المشاهد الحسية الجنسية الصريحة الساخنة جدا لم يكن بالامكان التقاط حقيقة هذه الشخصيات لذلك نرى الحسرة الكبيرة في نفس أديل بسبب الفراق مع حبيبتها إيما ٠٠٠ في اللقاء الذي كان قبل اقامة معرض ايما حاولت أديل اندفعت في مكان عام محاول اخذ يد صديقتها و ادخالها بين فخذيها ثم مد يدها الى نفس المكان بجسد صديقتها، لكن إيما تأسفت كثير هي تشعر كذلك بندم قاتل تقول” انها تعيش حياة زوجية عادية مع رفيقتها و لكن لديهم طفل جميل تشعر بالسعادة لوجوده”، أديل ايضا نراها أم حنونة تنشغل مع الاطفال تغوص بكيوننتها في العمل فقط كي تتمكن من ايقاف هذا الذي يزلزل كيانها هذه الذكريات القاتلة؛ ذكريات اللذة القديمة ـ تبكي حرقة من القلب الذي يدمي، نحسه يتبعثر، ينفرط، تشهق الان ليس شهقة لذة بل شهقة الم و حزن و حسرة و ندم، من الصعب ايجاد الكلمات في وصف الشعور في هذه اللقطات، نجح فعلا المخرج في التاثير فينا حتى و ان كنا لا نتفق مع هوية أديل الجنسية ولنا نظره اليها كونها سحاقية، الا اننا خلال هذه اللحظات ننصت باحساس لهذا الجرح هذا الجسد الذي يحوي قلب يتالم، نرى أديل في لحظات الوحدة و العزلة لا يمكنها الفرار من تلك الذكريات تحاول الفرار تبكي تصرخ تكتم صوتها تاركة فيضان من الدموع يبلل وجهها ـ نحس الانفاس الصعبة شعور بالضياع و التعاسة، كائنة حية ميتة يتدلى وجهها الى الاسفل نرى المخاط يسيل من انفها يصعب عليها اخذ نفس عادي، ما نراه من دمار واضح في الخارج هو جزء صغير من الدمار الداخلي ضياع الحبيبة و العشيقة امر ليس سهلا بغض النظر اننا اما سحاقية، ان الشعور بالحب و العشق سمة انسانية بغض النظر عن هوية الشخص الجنسية، نحن هنا امام انسانة علينا الشعور بها دون محاكمات و احكام مسبقة هكذا يقصد الفيلم، و لعل هذه العناصر العاطفية هي التي طارت بالفيلم الى مستوى فني جيد و قبول جماهيري فرنسي عريض فليس كل من يشاهد هذا الفيلم او يعجب و يحس ببعض التعاطف مع شخصياته يجب وصفه بالمثلي، ليس علينا ان نلغي الاحساس ايضا من اي شخص لديها ميول لا يتفق، معنا نحن امام عمل فني قدم روح مرحة شابة تتوق للحياة تتذوق السعادة كانها في جنة عدن تظن انها ستعيش اللذة الخالدة و الحب الأبدي ثم بسبب مشكلة يحدث انقلاب و يكون الفراق و تكون التعاسة القاسية، ليس في حياة أديل فقط بل رفيقتها ايضا إيما شاهدناها تبكي بألم موجع.. 

في اللقطات الاخيرة تبتسم لضيوفها في المعرض التشكيلي لكن نظراتها قلقة حزينة و كسيرة ـ تتكلف الابتسامة نظراتها تتابع تحركات أديل هي ايضا اي الرفيقة اصبحت فارغة و مجروحة من الداخل تعيش اشبه بحياة رسمية عادية خالية من السعادة الحقيقية التي وجدتها مع الماضي.

نقطة اخيرة ومهمة نرى المخرج ركز كثيرا على مسالة ان أديل تخفي علاقتها الجنسية السحاقية مع رفيقتها و ان ممارستها الجنس مع زميلها ربما كان اجراء اضطراري اكثر منه رغبة حقيقية من العمق، لعله بذلك يريد التصريح ان المجتمع الفرنسي رغم وجود قوانين تجيز الزواج المثلي و العلاقات الجنسية بكل انواعها الا ان المجتمع مازال ينظر الى هذه الفئة نظرة مختلفة لم يتعايش تماما معها، و كذلك ان مسالة السعادة و التعاسة ليس وجود قانون يبيح مثل هذه العلاقات، ان سنة الحياة هكذا اي شخص بغض النظر عن هويته الجنسية قد يتعرض لعاصفة تجرفه الى التعاسة، ان الشعور الانساني امر و وجود القانون امر اخر، فوجود الحرية وقانون يجيز هذه العلاقات ليس هو مصدر السعادة.

التعليقات