نظارة أبو الوليد
يعيد الرجل ارتداء نطارته مرارا وتكرارا وهو يطل علينا عبر شاشة "إل سي دي"، يحدثنا من الدوحة ويقترب منا رغم المسافات البعيدة... نعم، هناك حيث يحط الرحال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل... وهنا غزة حيث تحاوره الرسالة، وقد جمعنا برنامج "سكايب" على طاولة الحوار، بعدما منعتنا حواجز الحصار والمؤامرات.
نظارة أبو الوليد ليست سوى تعبير عن محاولة الاقتراب أكثر من الواقع على أرض المقاومة... وربما هي أمنية العودة مرة أخرى إلى غزة، ولو عبر الصورة، فيلمس طيفا جميلا عايشه لبضعة أيام قبل نحو 3 أعوام، وتحديدا بعد حرب حجارة السجيل 2012، عندما فتح انتصار المقاومة الطريق أمامه إلى القطاع، وقد اقترب من قريته سلواد قضاء رام الله، حيث الحنين لأول منزل.
أبو الوليد القائد يجسد حكاية الجيل الثاني أو قل الثالث للنضال والثورة الفلسطينية. وأبو الوليد النازح يرمز إلى رحلة الغربة والشتات، أما أبو الوليد الفلسطيني فتحتوي جيناته على "كروموسومات" العناد، والأنفة والكبرياء، رغم المرارة والمؤامرة، وهي صفات دفعت خصمه السياسي الرئيس محمود عباس أن يطلق عليه لقب الطاووس، حسبما تسرب من لقاءته في الغرف المغلقة، وهو لقب يحمل دلالات لدى من أطلقه، إما الغيرة أو الغضب، في وقت أصبح فيه كثير من القادة أقرب إلى النعام.
يسهب أبو الوليد في الإجابة والشرح والتفسير، حول الشراكة والوحدة والوطن والمصالحة والمقاومة، يبتعد عن كبوات وهفوات ونزوات الأشقاء والجيران، يفند الرواية المضادة، بل قل الدعاية والردح والتدليس، ورغم كل هذا التكرار لم يفهمه "الشطار".
وحتى بعدما ضاقت عليه بلاد العرب، لا يزال يراهن على الأشقاء، هؤلاء الذين ترعرع وتعلم في ديارهم بالكويت، وناضل من منابرهم في الأردن، وتحالف مع ممانعتهم في سوريا، ويثمن ضيافتهم اليوم في قطر.
يعلم أبو الوليد أن ثمة علاقة بين الفيزياء التي تخصص في دراستها، والسياسة والمقاومة، فلم تخلق القوانين والمعادلات لكي تقودنا وتتحكم فينا لدرجة العبودية، بل لكي نوظفها أو نغير نتائجها، ولهذا السبب لم تستسلم حماس، وبذلك يؤمن مشعل... أنه يمكن إعادة صياغة المعادلات بما يخدم القضية.
قد يقول خصومه: "الرجل يهلوس" بفعل آثار مادة السم التي حقنه بها الموساد لدى محاولة اغتياله بالأردن في سبتمبر 1997، وأن المصل المضاد تركه على قيد الحياة، بينما أصيب بداء الهوس بالمقاومة الخارقة، كما يحدث في أفلام الخيال العلمي.
لكن متى كانت أحلام وتطلعات القادة عبر التاريخ واقعية أو صغيرة؟! فمعظم من حققوا الانتصارات وتركوا بصماتهم في الذاكرة انطلقوا من واقع الانكسار ومروا من تحت أنف الطغاة.

التعليقات