الأمن القومي المصري وإستراتيجية تكامل الأدوار مع غـزة
الكاتب/ فهمي شـــراب
إن توتر العلاقة بين مصر وقطاع غزة بعد الموجة الثورية الثانية منتصف 2013 سجل تزايدا دراماتيكيا غير مسبوق، وأرخ لمشهد مؤلم في تاريخ العلاقات الفلسطينية المصرية، حيث ألقى هذا التوتر بظلاله على الشأن الفلسطيني بشكل كبير بما له من تداعيات خطيرة على قطاع غزة. وظهر بان غزة كلها تدفع الثمن غاليا نتيجة لتوتر علاقة حركة حماس تحديدا بالنظام الجديد في مصر. فبرغم ردة فعل الحركة على أحداث مصر- إعلاميا، وخطأها في رفع شعارات تخص الشأن المصري الداخلي، إلا أن أي نظام في مصر يجب أن لا يأخذ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بجريرة حماس. ويجب أن ينظر إلى باقي المكونات الفلسطينية، والى الأهمية الإستراتيجية لغزة وموقعها الجوسياسي، وموقفها من الاحتلال الإسرائيلي أيضا.
***
فيعتبر قطاع غزة مدخلاً حيوياً للأدوار الإقليمية المتنافسة والطامحة للعب دور أساسي في المنطقة، كما ويعتبر بوابة مهمة من إحدى بوابات الأمن القومي المصري، وتمثل عملية ضبط حدود مصر مع غزة من أهم مرتكزات أمنها الحدودي، وهذا نجاح لها، مهما كان شكل ونوع النظام الحاكم في غزة، فقوات أمن حكومة حماس حرصت بشدة على ضبط الحدود بعد الموجة الثورية الثانية منتصف 2013 أكثر من أي فترة سابقة، نظراً للحساسية الشديدة بين النظام الجديد في مصر، وبين حماس التي لا تنكر جذورها ومرجعيتها الإخوانية، وان كانت القيادة المصرية برئاسة المشير عبد الفتاح السيسي تُجَرِم حماس، وتضعها في دوائر الاستهداف الإعلامي والسياسي والاقتصادي، إلا أن حماس (التي لم تأتِ رياح هذه الموجة الثورية بما تشتهيه سفنها)، نظرت إلى أهمية مصر الإستراتيجية، واضعة نصب أعينها محاذير القطيعة معها، حيث تتحكم مصر بمعبر رفح، المنفذ الوحيد لفلسطينيي القطاع نحو العالم الخارجي، حيث معبر بيت حانون، "ايريز" لا يسمح الإسرائيليون للغالبية الفلسطينية بالسفر عبره، إلا بعض حالات الــ VIP من رجالات السلطة الفلسطينية، أو الحالات المرضية، ويتم اعتقال البعض أحيانا بمجرد وصوله.
***
إن استمرار توتر المشهد المصري، وصراع السلطة الحالية مع الإخوان، واتهام وسائل الإعلام المصرية لحماس بالتدخل في الشأن المصري، جعل النظام يتعامل مع حماس كعدو، ويضعها في سلة واحدة مع الإخوان، وأحيانا مع الفرق الدينية المتطرفة الأخرى، مغيرا خريطة الحلفاء والأعداء، وذلك بسبب التشابه الأيدلوجي بين الإخوان وحماس، ورفض الأخيرة إنكار صلة قرابتها بالإخوان، فبرغم حقيقة ذلك، إلا أن حماس التي تحكم غزة منذ 2007، تختلف عن الإخوان برغم تماثل الخلفية الأيدلوجية، حيث يعتبر تيار كبير من النخبة الفلسطينية والمستقلين أن حماس لها خصوصيتها، فيرون أنها حركة تحرر وطني بمرجعية إسلامية، في مواجهة دائمة ومكشوفة مع الاحتلال الإسرائيلي منذ نشأتها عام 1987، قدمت قياداتها قبل جندها شهداء المعركة مع (إسرائيل).
***
وبالرجوع إلى أواخر عهد مبارك، فان حماس نفسها نجدها هي من واجهت –بالسلاح- تلك العناصر المتشددة (السلفية الجهادية) قبل سنوات في غزة، وهي التي أشادت بها صحف غربية، ووصفتها بالاعتدال ومحاربة الإرهاب والتشدد، هذا في حين عملت حماس على ضبط الحدود مع مصر، خشية انزلاق علاقاتها بمصر لمستويات خطيرة، حيث الإجراءات المصرية الأخيرة بعد عدوان 2014، من إغلاق معبر رفح وهدم الأنفاق، وتشديد الرقابة يحرم حماس من فرص التسلح ضد الاحتلال، ويحرم تنقل وسفر قياداتها إلى الخارج، ويخنقها ماليا، ويهدد بعد ذلك قاعدتها الشعبية في غزة. لذا، تنظر حماس لمصر وخاصة القيادة السياسية في الداخل والخارج بعين مختلفة، وباعتبار أن الأمن القومي المصري خط احمر، وان تمام أمن مصر من تمام أمن فلسطين، رافضين- في حماس - رؤية سقوط مصر في دوائر العنف والعنف المضاد، والدرس ما زال ماثلا في سوريا، حيث يتم إضعاف الجيش السوري سويا مع قوات المعارضة، لصالح (إسرائيل) والغرب، الجهة الفائزة الوحيدة، تماما كما حرب الخليج الأولى، والتي أهدرت إيران والعراق قدراتهما العسكرية والاقتصادية، لترتسم في النهاية معالم جديدة في المنطقة لصالح (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية.
***
إن تقارب النظام المصري مع دولة الاحتلال يعتبر اختراقاً للأمن القومي المصري، فمن الخطأ أن يتم اعتبار (إسرائيل) دولة صديقة، أو جزء من المنطقة، ويستحسن على أي نظام مصري مهما بلغت مشاكله الداخلية ، أن لا يسمح أو يتبنى فكرة تغيير خريطة الحلفاء والأعداء التقليدية، فـ (إسرائيل) قتلت عناصر الشرطة البريطانية أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، وقتلت القوات البريطانية التي وفرت لقوات "الهاجاناه" و"الأرغون" الصهيونية المواقع العسكرية، والسلاح الحديث للتغلب الثوار الفلسطينيون، وذلك عندما شعرت قوات الحركة الصهيونية أنها وصلت في قوتها إلى مرحلة الاكتفاء.
وهي التي قتلت المصريين في مذبحة "بحر البقر" وأعدمت أسرى الجيش المصري بدم بارد، وما زالت لها نشاطات في سيناء، وطيرانها يخترق الأجواء هناك بشكل منتظم، ويقصف أهداف مصرية.
إن (إسرائيل) لا تحترم اتفاقياتها مع أي دولة، ولا تحترم أصدقائها و حلفائها، فقد وضعت (إسرائيل) تركيا في موقف محرج، وذلك عندما كانت الأخيرة تبذل جهود دبلوماسية لتمكين (سوريا وإسرائيل) للوصول لاتفاق سلام أثناء المفاوضات غير المباشرة، والتي كانت هذه اللقاءات تعقد في مكتب اردوغان نفسه، حيث وفي اليوم التالي للقاءات ارتكبت (إسرائيل) عدوانها العنيف ( 2008-2009) على غزة.
***
وفي العدوان الأخير على غزة 2014، فلو قُدِر للجيش الإسرائيلي الدخول لغزة والتوغل فيها عبر دباباته واستباحتها، لمثل ذلك اكبر تهديد للأمن القومي المصري، حيث إما أن تظهر مصر بوضوح كحليف لــ (إسرائيل)، وشريكة في الحرب ضد الفلسطينيين في غزة، وإما ستكون أمام موقفين، الأول؛ أنها منعت الفلسطينيين من استخدام "حق الفرار" إلى أراضيها خوفا من الإبادة والاضطهاد، وهذا حق كفله " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، أو ثانيا؛ لو سمحت لهم بالفرار إلى أراضيها قد لا تسمح (إسرائيل) لهم بالعودة، وسيعتبرون "لاجئين جدد"، وسيرتب ذلك على الدولة المصرية مسؤوليات جديدة تجاههم، هي في غنىً عنها، وهذا كله يمثل خطرا جديدا على الأمن القومي المصري.
إن خارطة الأخطار التي تهدد المنطقة تمثل (إسرائيل) ملامحها وعنوانها الأساسي، ولا يمكن تحت أي ظروف تغيير هذه الخارطة، فمهما بلغ خلاف النظام وصراعه مع الإخوان المسلمون، الذين كانوا في الحكم لفترة عام، سيظل الإخوان بمفهوم "المعارضة"، خصم سياسي، لا يرقى إلى مفهوم العدو. فالعدو هو (إسرائيل)، التي ما زالت عمليات الاستفتاء والمسح داخل جامعاتها ومؤسساتها تشير بنسبة كبيرة، إلى أن سكان ( إسرائيل) لا يزالون يعتبرون أن سيناء هي أراض إسرائيلية، ليس ذلك فقط، بل يجب استعادتها بمجرد توفر الظروف الملائمة.
***
قد يكون الشعار الذي ترفعه الدولة المصرية الآن، وهو؛ (محاربة الإرهاب)، يعتبر خطراً مرحلياً يتهدد الدولة المصرية، لكن (إسرائيل) تظل هي الخطر الاستراتيجي الدائم، وان المعركة ستكون معها، فمهما احتمت الأخيرة خلف ستار معاهدات السلام المصرية وأخواتها، من مدريد و أوسلو ووادي عربة، ومهما استمر التنسيق الرسمي العربي مع الحكومات الإسرائيلية بجميع أشكاله، فان القاعدة الشعبية العربية بجميع مكوناتها ترفض التطبيع، وما زالت العلاقات محصورة في أضيق الحدود.
إن انشغال الدولة المصرية بهمومها الداخلية ومسارها الذي اتخذته، يجب أن لا يمنعها من رؤية معالم الخارطة العربية القومية، والتي عمل الرئيس عبد الناصر على تكريسها ومات من اجلها. فحقائق التاريخ تنبؤنا بان الجزائر قد استوعبت المعارضة والتيارات الإسلامية، وأصبحت الآن جزء من النظام السياسي الواحد. إن حاجة مصر لاستعادة قوتها ودورها الإقليمي لا يجب أن يكون على حساب شركاء التاريخ والمصير، بل كسبها للأطراف الفلسطينية جميعاً يمنع ادوار أخرى -تتنافس مع مصر- للعب دور في المنطقة، الأمر الذي سيعزز أمنها القومي، ويحقق مصالحها الوطنية.
***
فبرغم مرور زمن طويل على ما يمكن تسميته الأساطير الإسرائيلية و حلم "إسرائيل الكبرى"، وادعاءات اليهود بأحقية امتلاك جزء كبير من مصر والشام وأجزاء من الأناضول، فقد "أظهر المعهد الديمقراطي التابع للكنيست الإسرائيلي في استطلاع للرأي، أن 89% من الإسرائيليين يؤيدون إعادة احتلال سيناء، وذلك بالتزامن مع الذكرى الـ30 لتوقيع معاهدة "السلام" المصرية-الإسرائيلية، إضافة لما ما زالت تنتجه السينما الأمريكية، التي يطغى عليها التأثير الصهيوني، من أفلام تؤكد أن الأهرامات صناعة يهودية.
إن توتر العلاقة بين مصر وقطاع غزة بعد الموجة الثورية الثانية منتصف 2013 سجل تزايدا دراماتيكيا غير مسبوق، وأرخ لمشهد مؤلم في تاريخ العلاقات الفلسطينية المصرية، حيث ألقى هذا التوتر بظلاله على الشأن الفلسطيني بشكل كبير بما له من تداعيات خطيرة على قطاع غزة. وظهر بان غزة كلها تدفع الثمن غاليا نتيجة لتوتر علاقة حركة حماس تحديدا بالنظام الجديد في مصر. فبرغم ردة فعل الحركة على أحداث مصر- إعلاميا، وخطأها في رفع شعارات تخص الشأن المصري الداخلي، إلا أن أي نظام في مصر يجب أن لا يأخذ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بجريرة حماس. ويجب أن ينظر إلى باقي المكونات الفلسطينية، والى الأهمية الإستراتيجية لغزة وموقعها الجوسياسي، وموقفها من الاحتلال الإسرائيلي أيضا.
***
فيعتبر قطاع غزة مدخلاً حيوياً للأدوار الإقليمية المتنافسة والطامحة للعب دور أساسي في المنطقة، كما ويعتبر بوابة مهمة من إحدى بوابات الأمن القومي المصري، وتمثل عملية ضبط حدود مصر مع غزة من أهم مرتكزات أمنها الحدودي، وهذا نجاح لها، مهما كان شكل ونوع النظام الحاكم في غزة، فقوات أمن حكومة حماس حرصت بشدة على ضبط الحدود بعد الموجة الثورية الثانية منتصف 2013 أكثر من أي فترة سابقة، نظراً للحساسية الشديدة بين النظام الجديد في مصر، وبين حماس التي لا تنكر جذورها ومرجعيتها الإخوانية، وان كانت القيادة المصرية برئاسة المشير عبد الفتاح السيسي تُجَرِم حماس، وتضعها في دوائر الاستهداف الإعلامي والسياسي والاقتصادي، إلا أن حماس (التي لم تأتِ رياح هذه الموجة الثورية بما تشتهيه سفنها)، نظرت إلى أهمية مصر الإستراتيجية، واضعة نصب أعينها محاذير القطيعة معها، حيث تتحكم مصر بمعبر رفح، المنفذ الوحيد لفلسطينيي القطاع نحو العالم الخارجي، حيث معبر بيت حانون، "ايريز" لا يسمح الإسرائيليون للغالبية الفلسطينية بالسفر عبره، إلا بعض حالات الــ VIP من رجالات السلطة الفلسطينية، أو الحالات المرضية، ويتم اعتقال البعض أحيانا بمجرد وصوله.
***
إن استمرار توتر المشهد المصري، وصراع السلطة الحالية مع الإخوان، واتهام وسائل الإعلام المصرية لحماس بالتدخل في الشأن المصري، جعل النظام يتعامل مع حماس كعدو، ويضعها في سلة واحدة مع الإخوان، وأحيانا مع الفرق الدينية المتطرفة الأخرى، مغيرا خريطة الحلفاء والأعداء، وذلك بسبب التشابه الأيدلوجي بين الإخوان وحماس، ورفض الأخيرة إنكار صلة قرابتها بالإخوان، فبرغم حقيقة ذلك، إلا أن حماس التي تحكم غزة منذ 2007، تختلف عن الإخوان برغم تماثل الخلفية الأيدلوجية، حيث يعتبر تيار كبير من النخبة الفلسطينية والمستقلين أن حماس لها خصوصيتها، فيرون أنها حركة تحرر وطني بمرجعية إسلامية، في مواجهة دائمة ومكشوفة مع الاحتلال الإسرائيلي منذ نشأتها عام 1987، قدمت قياداتها قبل جندها شهداء المعركة مع (إسرائيل).
***
وبالرجوع إلى أواخر عهد مبارك، فان حماس نفسها نجدها هي من واجهت –بالسلاح- تلك العناصر المتشددة (السلفية الجهادية) قبل سنوات في غزة، وهي التي أشادت بها صحف غربية، ووصفتها بالاعتدال ومحاربة الإرهاب والتشدد، هذا في حين عملت حماس على ضبط الحدود مع مصر، خشية انزلاق علاقاتها بمصر لمستويات خطيرة، حيث الإجراءات المصرية الأخيرة بعد عدوان 2014، من إغلاق معبر رفح وهدم الأنفاق، وتشديد الرقابة يحرم حماس من فرص التسلح ضد الاحتلال، ويحرم تنقل وسفر قياداتها إلى الخارج، ويخنقها ماليا، ويهدد بعد ذلك قاعدتها الشعبية في غزة. لذا، تنظر حماس لمصر وخاصة القيادة السياسية في الداخل والخارج بعين مختلفة، وباعتبار أن الأمن القومي المصري خط احمر، وان تمام أمن مصر من تمام أمن فلسطين، رافضين- في حماس - رؤية سقوط مصر في دوائر العنف والعنف المضاد، والدرس ما زال ماثلا في سوريا، حيث يتم إضعاف الجيش السوري سويا مع قوات المعارضة، لصالح (إسرائيل) والغرب، الجهة الفائزة الوحيدة، تماما كما حرب الخليج الأولى، والتي أهدرت إيران والعراق قدراتهما العسكرية والاقتصادية، لترتسم في النهاية معالم جديدة في المنطقة لصالح (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية.
***
إن تقارب النظام المصري مع دولة الاحتلال يعتبر اختراقاً للأمن القومي المصري، فمن الخطأ أن يتم اعتبار (إسرائيل) دولة صديقة، أو جزء من المنطقة، ويستحسن على أي نظام مصري مهما بلغت مشاكله الداخلية ، أن لا يسمح أو يتبنى فكرة تغيير خريطة الحلفاء والأعداء التقليدية، فـ (إسرائيل) قتلت عناصر الشرطة البريطانية أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، وقتلت القوات البريطانية التي وفرت لقوات "الهاجاناه" و"الأرغون" الصهيونية المواقع العسكرية، والسلاح الحديث للتغلب الثوار الفلسطينيون، وذلك عندما شعرت قوات الحركة الصهيونية أنها وصلت في قوتها إلى مرحلة الاكتفاء.
وهي التي قتلت المصريين في مذبحة "بحر البقر" وأعدمت أسرى الجيش المصري بدم بارد، وما زالت لها نشاطات في سيناء، وطيرانها يخترق الأجواء هناك بشكل منتظم، ويقصف أهداف مصرية.
إن (إسرائيل) لا تحترم اتفاقياتها مع أي دولة، ولا تحترم أصدقائها و حلفائها، فقد وضعت (إسرائيل) تركيا في موقف محرج، وذلك عندما كانت الأخيرة تبذل جهود دبلوماسية لتمكين (سوريا وإسرائيل) للوصول لاتفاق سلام أثناء المفاوضات غير المباشرة، والتي كانت هذه اللقاءات تعقد في مكتب اردوغان نفسه، حيث وفي اليوم التالي للقاءات ارتكبت (إسرائيل) عدوانها العنيف ( 2008-2009) على غزة.
***
وفي العدوان الأخير على غزة 2014، فلو قُدِر للجيش الإسرائيلي الدخول لغزة والتوغل فيها عبر دباباته واستباحتها، لمثل ذلك اكبر تهديد للأمن القومي المصري، حيث إما أن تظهر مصر بوضوح كحليف لــ (إسرائيل)، وشريكة في الحرب ضد الفلسطينيين في غزة، وإما ستكون أمام موقفين، الأول؛ أنها منعت الفلسطينيين من استخدام "حق الفرار" إلى أراضيها خوفا من الإبادة والاضطهاد، وهذا حق كفله " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، أو ثانيا؛ لو سمحت لهم بالفرار إلى أراضيها قد لا تسمح (إسرائيل) لهم بالعودة، وسيعتبرون "لاجئين جدد"، وسيرتب ذلك على الدولة المصرية مسؤوليات جديدة تجاههم، هي في غنىً عنها، وهذا كله يمثل خطرا جديدا على الأمن القومي المصري.
إن خارطة الأخطار التي تهدد المنطقة تمثل (إسرائيل) ملامحها وعنوانها الأساسي، ولا يمكن تحت أي ظروف تغيير هذه الخارطة، فمهما بلغ خلاف النظام وصراعه مع الإخوان المسلمون، الذين كانوا في الحكم لفترة عام، سيظل الإخوان بمفهوم "المعارضة"، خصم سياسي، لا يرقى إلى مفهوم العدو. فالعدو هو (إسرائيل)، التي ما زالت عمليات الاستفتاء والمسح داخل جامعاتها ومؤسساتها تشير بنسبة كبيرة، إلى أن سكان ( إسرائيل) لا يزالون يعتبرون أن سيناء هي أراض إسرائيلية، ليس ذلك فقط، بل يجب استعادتها بمجرد توفر الظروف الملائمة.
***
قد يكون الشعار الذي ترفعه الدولة المصرية الآن، وهو؛ (محاربة الإرهاب)، يعتبر خطراً مرحلياً يتهدد الدولة المصرية، لكن (إسرائيل) تظل هي الخطر الاستراتيجي الدائم، وان المعركة ستكون معها، فمهما احتمت الأخيرة خلف ستار معاهدات السلام المصرية وأخواتها، من مدريد و أوسلو ووادي عربة، ومهما استمر التنسيق الرسمي العربي مع الحكومات الإسرائيلية بجميع أشكاله، فان القاعدة الشعبية العربية بجميع مكوناتها ترفض التطبيع، وما زالت العلاقات محصورة في أضيق الحدود.
إن انشغال الدولة المصرية بهمومها الداخلية ومسارها الذي اتخذته، يجب أن لا يمنعها من رؤية معالم الخارطة العربية القومية، والتي عمل الرئيس عبد الناصر على تكريسها ومات من اجلها. فحقائق التاريخ تنبؤنا بان الجزائر قد استوعبت المعارضة والتيارات الإسلامية، وأصبحت الآن جزء من النظام السياسي الواحد. إن حاجة مصر لاستعادة قوتها ودورها الإقليمي لا يجب أن يكون على حساب شركاء التاريخ والمصير، بل كسبها للأطراف الفلسطينية جميعاً يمنع ادوار أخرى -تتنافس مع مصر- للعب دور في المنطقة، الأمر الذي سيعزز أمنها القومي، ويحقق مصالحها الوطنية.
***
فبرغم مرور زمن طويل على ما يمكن تسميته الأساطير الإسرائيلية و حلم "إسرائيل الكبرى"، وادعاءات اليهود بأحقية امتلاك جزء كبير من مصر والشام وأجزاء من الأناضول، فقد "أظهر المعهد الديمقراطي التابع للكنيست الإسرائيلي في استطلاع للرأي، أن 89% من الإسرائيليين يؤيدون إعادة احتلال سيناء، وذلك بالتزامن مع الذكرى الـ30 لتوقيع معاهدة "السلام" المصرية-الإسرائيلية، إضافة لما ما زالت تنتجه السينما الأمريكية، التي يطغى عليها التأثير الصهيوني، من أفلام تؤكد أن الأهرامات صناعة يهودية.

التعليقات