جداول العذاب

جداول العذاب
بقلم : جمال ربيع أبو نحل

المواطن في قطاع غزة عليه أن يواظب على حفظ جداول الكهرباء  المتقلبة و المتغيرة كل يوم ، و بعكس جداول الضرب والتي يحفظها الطالب مرة واحدة في الحياة و ﻻ تتغير أو تتبدل .
المواطن في غزة عليه أن يتابع حركة المعابر وهل تم إدخال الوقود الخاص بمحطة التوليد الوحيدة في القطاع، والتي تغطى عند تشغليها بكامل طاقتها ربع حاجة القطاع من الكهرباء .
المواطن في غزة عليه أن يتابع حالة الخطوط العشرة و القادمة من داخل الخط اﻷخضر والتي تغذى القطاع بالربع الثاني من حاجة غزة للكهرباء حيث تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتعطيل أو إعطاب عدد من تلك الخطوط أو كلها جميعاً.

المواطن في غزة عليه أن يتابع حالة الكهرباء القادمة من مصر والتي تغطى بما ﻻيتعدى عشرة بالمائة من احتياجات القطاع من الكهرباء. 

المواطن في غزة عليه أن يتابع من يدفع ثمن الوقود لمحطة التوليد هل هم العرب أم اﻻتحاد الأوروبي ، و هل تم إعفاء الوقود من ضريبة "البلو" المفروضة على الوقود أم ﻻ .

المواطن في غزة عليه أن يتابع مزاج القادة السياسيين والناطقين الرسميين ومسؤولي  سلطة الطاقة ومحطة التوليد وشركة التوزيع  وتصريحاتهم والتي تثبط الآمال أحياناً ، وفى أحيان أخرى تعزز الإحباط لدى المواطن.

مطلوب من المواطن أن يتابع كل ذلك، وربما مطلوب من المواطن أن يبحث عن حلول لتغطية العجز الدائم في الكهرباء في القطاع حتى لو انتظم عمل الثلاث مصادر آنفة الذكر، حيث في حده اﻻدنى يبقى عجز أكثر من الثلث .

وعلى الرغم من كل ذلك فأقصى ما يمكن أن يحلم به المواطن هو التمتع بالبرنامج الماسي للكهرباء، حيث تصل الكهرباء لمدة ثماني ساعات يعقبها مباشره ثماني أخرى بدون كهرباء .
و أما عن البرنامج الذهبي والفضي والذي يعمل ست ساعات وصل مقابل ضعفها مباشرة بدون كهرباء، و أما عن البرنامج الأسود فحدث وﻻ حرج، ربما ساعة في اليوم مقابل ظلام دامس قد يمتد طول اليوم.

المواطن في غزة مطلوب منه ومفروض عليه أن يتقبل هذا العذاب و بكل صدر رحب وسرور ، وربما عليه أن يوزع الحلوى ابتهاجا وفرحا بهذه المأساة والممتدة منذ سبع سنوات خلت هي عمر هذا الوليد الغريب العجيب والذي يحلو للبعض بتسميته باﻻنقسام في سياق تدليله وفى اﻻغلب لمحاباته. 

من يهتم بالعائلات واﻷطفال الذين احترقوا حتى تفحمت أجسادهم وهم ينامون على الشموع ، وبالذين ماتوا أثناء استخدامهم مولدات الكهرباء " المواتير ؟!!.  من يهتم بالمستشفيات والمراكز الطبية وأحوال المرضى وغرف العمليات وأقسام العناية المكثفة والتي تعنى لهم الثواني أو أجزاء منها الحياة أو الموت؟!!. من يهتم بطلبة المدارس والجامعات الذين يدرسون على الشموع و غيرها من لمبات الإضاءة مسبقة الشحن ... الخ. من يهتم بالأمهات اللواتي عليهن رعاية الأسرة والأطفال الرضع وسط الظلام الحالك؟ من يهتم بسيدات البيوت اللواتي يقمن بالأعمال المنزلية في ساعات الليل المتأخرة عندما تتوفر الكهرباء؟.

من يهتم بأصحاب المصانع والمشاغل والورش والمحلات التجارية و المطاعم والمزارعين و غيرهم، والذين انهارت أعمالهم و ارتفعت تكلفة اﻻنتاج عليهم و بالتالي يتحمل المواطن تبعات ذلك؟. من يهتم بالمرضى والحاﻻت الخاصة في البيوت الذين تشكل الكهرباء لهم مصدراً ﻻستمرار الحياة؟.

من يهتم بالمواطنين الذين تضررت أجهزتهم الكهربائية كالثلاجات والغساﻻت و أجهزة الكمبيوتر و لمبات الإضاءة نتيجة الوصل والقطع عدة مرات خلال الدقيقة الواحدة ، حيث الغالبية منهم من الفقراء و ﻻ يستطيعون تعويض خسائرهم؟.

 من يهتم بالمواطن في غزة الذي يدفع فاتورة الكهرباء ، ويشتري البعض منهم الشموع والبنزين والسوﻻر والشواحن السيئة والتي تمتاز برداءة مواصفاتها، ويشكل ذلك عبئاً إضافياً على المواطن المثقل بهموم الحصار و ثلاثة حروب على غزة خلال ست سنوات لم تتحملها دول عظمى في العالم.

من يهتم باﻷثار النفسية المترتبة جراء قطع التيار الكهربائي على العوائل وخاصة الأطفال، الذين ﻻ يستطيعون مشاهدة التلفزيون أو حضور برامجهم المفضلة كأطفال.

تارة يتم وعد المواطنين بأن الحل الجذري ﻷزمة الكهرباء في الطريق و أن السفينة التركية هي الحل.  وتارة أخرى بأن ربط شبكة غزة بالشبكة الكهربائية العربية هو الحل، وتارة أخرى بأن استيراد الكهرباء من حكومة اﻻحتلال الإسرائيلي هو الحل .و لكن في واقع الحال المواطن في غزة ينتقل من برنامج سيئ إلى أخر أكثر سوء.

المواطن في قطاع غزة بحاجة إلى كهرباء بشكل مستمر و يومي و هذه ليست مسؤوليته وإنما مسؤولية من بتولي الحكم وعلى من يتربع على كرسي الحكم أن يكون على قدر المسؤولية أو أن يستقيل .

التعليقات