المصالحة . . . بين الحلم والواقع

المصالحة . . . بين الحلم والواقع
بقلم / محمد سالم القدوة 

مشهد دراماتيكي يتكرر على شاشات الفضائيات ووسائل الإعلام المسموعة والمقرؤة ، حول تحقيق المصالحة الفلسطينية  ( المصافحة ) بين فتح وحماس ما بين الحين والآخر ، وفي اكثر من احتفالية هلل وكبر البسطاء من ابناء شعبنا هتافا ودعاءآ من اجل تحقيقها ، حتى أصبحت في الآونة الأخيرة حلم الملايين من ابناء شعبنا الذين عانوا من تبعات وويلات الانقسام الأسود التي تكرست عبر السنوات السبع الماضية طولا وعرضا في النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي لشعبنا الفلسطيني الذي عانى وما زال تبعات الحصار والاحتلال الإسرائيلي بكل شراسته وجبروته . لكن سرعان ما يتبدد الحلم ويصحوا الجميع على الحقيقة المرة والمؤلمة بأن المصالحة الحقيقية لم تحن بعد ،وأنها ما زالت بعيدة المنال ، مما ادخل شعبنا في حالة من اليأس والإحباط  وسرعان ما تعود الأمور أسوأ مما كنا عليه ، ومرجع ذلك ان البعض ليس لديه الجاهزية الحقيقية لتحقيق ذلك ؟. ؟؟؟؟. 

ولتحقيق مصالحة ترقى الى امال وتطلعات شعبنا الفلسطيني لا بد وقبل كل شئ ان تحدد حركة حماس موقفها ازاء ثلاثة قضايا مفصلية وهامة وهي /

أولا : هل تقبل حركة حماس بل وتعلن عبر رئيس مكتبها السياسي أنها حركة وطنية/ إسلامية فلسطينية  وأنها ليست جزءا او ذراعا سياسيا وعسكريا للتنظيم الدولي لحركة الاخوان المسلمين  . . هذه العلاقة التي كانت سببا حقيقيا في تأزيم علاقاتها مع الشقيقة الكبرى مصر وبعض الاشقاء العرب وما عاناه شعبنا الفلسطيني في غزة وما زال الكثير والكثير جراء ذللك ؟. 

ثانيا : هل يمكن ان تعترف حركة حماس ان ما قامت به في الحادي عشر من يونيو سنة ٢٠٠٧ هو انقلاب على السلطة الشرعية بكل ما تعنيه هذه الكلمة وبالتالي فإن كل ما نتج من عمل او فعل جراء ذلك فهو غير شرعي ؟. 

ثالثا : هل توافق حركة حماس ان تسلم كل ما لديها من سلاح او عتاد عسكري للسلطة الوطنيه الفلسطينية وهي رمز الشرعية تكريسا لمبدأ سلطه وطنية واحدة وسلاح شرعي واحد ؟. ؟؟.

   في تقديري ان الإجابة بنعم على النقاط الثلاثة السابقة الذكر هي المتطلبات الحقيقية لأي  مصالحة فلسطينية يمكن لها ان تتحقق ، وان يكتب لها الحياة على ارض الواقع .... لكن قناعاتي تؤكد ان حركة حماس ليس لديها الجاهزية او القناعة التامة لتحقيق واحدة من ذلك ولأنها لا تملك القرار الذي يمكنها من ذلك . ولان لها حساباتها الأيديولوجية والعقائدية والاستراتيجية والبعيدة عن الأجندة الوطنية .. 

ومن هنا فان الدخول في اي مصالحة هو ذر للرماد وطحن للهواء ولا جدوى إطلاقا من تحقيقها.

حركة حماس  والشعب الفلسطيني في غزة يعيشون في مازق جراء سياساتها المتشددة والتي تتسم باللاواقعية . . . ، أليس إغلاق الحدود الذي حول غزة الى سجن كبير ووضع حركة حماس في قوائم المحظورة في العديد من الدول العربية والأجنبية هو إحدى نتائج سياسات حماس الغير محسوبة ؟. 

إزاء ذلك كله هل يمكن لحركة حماس ان تقوم بمراجعات لسياساتها واستخلاص العبر من انعكاسات ذلك على حركة حماس وشعبنا الفلسطيني الذي يعيش في غزة رهينة في ولاية سلطة الأمر الواقع ؟. ليس عيبا عليها ان تقوم بذلك شرط ان تعلى المصلحة الوطنيه العليا على مصالحها الفئوية والحزبية الضيقة ،  بعد ان فقدت كل حلفائها بل وقواعدها الارتكازية واللوجستية في المنطقة العربية.والاقليمية من هذا العالم .   

وهنا اذكر ان الشباب الفلسطيني الذي عاش ٢٧ عاما من الاحتلال الإسرائيلي بكل قهره وجبروته وأقولها بكل مرارة وألم ، لم يفكر يوما ان يركب البحر هربا من جحيم الاحتلال في ذلك الوقت ، ليموت اليوم  ( وفي ظل سلطة حماس ) على شواطئ الدول الأوربية في هجرة البحث عن الوطن البديل ليأكل سمك القرش أطرافهم الغضه في أبشع صورة من جرائم هذا القرن .... من يتحمل مسئولية ذلك ؟. لماذا نتهرب دائماً من مواجهة الحقيقة ؟. ولا نملك الشجاعة في تحمل مسئولياتنا ؟. ونصر على تصدير مشاكلنا للداخل الفلسطيني او العربي ؟.

   وأخيرا أقولها ليس معضلة ان نحقق مصالحة وطنية فلسطينية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات الماثلة أمامنا  ، إذا كانت المصلحة الوطنية العليا هي هدفنا جميعا وليس مصالحنا الحزبية المقيتة ، فالتاريخ لن يرحم احد ، ولن يعفي احد من مسئولياته ، أما ان تكون المصالحة (مصافحة ) همها الوحيد وشغلها الشاغل رواتب الموظفين وشرعية من تم تعينهم بالأمس ورتبهم ودرجاتهم واستحقاقاتهم  فقط لا سواه بذلك نكون قد كتبنا شهادة وفاة جديدة لكل الذين فقدناهم من اجل تحقيق الحلم الذي عاش واستشهد من اجله الزعيم الخالد ياسر عرفات ورفاق دربه من كل ابناء شعبنا الفلسطيني على ارض الوطن وفي الفيافي ومخيمات الشتات . 

امل ان تقوم حماس بمراجعات جادة ، قد تكون صعبة وقاسية، لان الثمن الفادح الذي يدفعه شعبنا دون ذلك ،  هو وأد للأمل ،  ودفعه الى عالم المجهول ، فهل تصحو حماس من كبوتها ، وتسمي الأشياء بمسمياتها وتصحح المفاهيم القاتلة والمعكوسة التي يتم ترويجها في عقول أبنائنا عن انتصارات وهمية والتي هي ضرب من ضروب الخبال التي لم تصمد أمام منطق الواقع والحقيقة المرة التي يعيشها شعبنا بكل تفاصيلها لحظة بلحظة ؟. 

هل نسينا ان هناك حوالي أربعمائة الف مواطن فلسطيني دمرت منازلهم في الحرب الهمجية والمجنونة والذي دفع شعبنا ثمنا باهظا في ملحمة الصمود الأسطوري  . . والذين ما زالوا يلتحفون الأرض والسماء فراشا وغطاءا لهم ، اصبحوا الان في دائرة النسيان ، بعد ان طغت خلافاتنا وتفجيراتنا الداخلية التي شوهت صورة قضيتهم العادلة امام العالم وجعلتها اخر الأولويات ؟ 

وماذا قدمنا لأسر وأطفال وثكالى اكثر من ٢٢٠٠ شهيدا قضوا تحت انقاض منازلهم اثر القصف الهمجي ، نعم من يعوض لهم خسارتهم الفادحة والتي لا تقدر بثمن ؟. 

هل نسينا كل هذا . .  بل وأصبحوا مجرد قوائم وكشوفات في دوائر الشئون الاجتماعية والجمعيات الخيرية تنتظر كرم المانحين والمتبرعين والمحسنين ، أليس هؤلاء الشهداء هم الأكرم منا جميعا ؟. 

ليس أمامنا الكثير من الوقت ، فغضب شعبنا في غزة وصبره لن يطول ، ويمكن في النهاية ان يكون هو  المشكلة والحل في آن واحد ؟. 

التعليقات