حلم يخمش الروح

حلم يخمش الروح
بقلم الكاتب: محمود حسونة (أبو فيصل )
ما زلت أسير بالسلاسل ، أتعثر ، أنهض ، أستشهد ، أغرق ، أبعث ، أتقدم ، أتكسر ، أنزف ، و الماكرون حولي ينتشرون ، و اللاجئون ورائي ينتحبون ، والجغرافيا اللئيمة تحيط بي تعتقلني في سجن كالأبدي ، مزدحم بالأزقة و الجياع و المرايا و السجانين و الأسلاك الشائكة و البنادق ، أعددت لموتي جيدا ، دما وحفرة وقمرا وزهرة ، لا أخاف الموت إذ جاءني بطيئا واضحا وضوح النصل اللامع ، فسوف أرى الرصاصة القادمة ، و أحييها تحية شاردة في فضاء أنا طائره الجميل ، لا أخاف الموت و إن باغتني وبعثرني فوق الشُرف وفي النواحي ، فالموت موت .
أحق أن الموت حق ؟ أحق أن الموت يقبّل ضحاياه قبلة الموت و الوداع ؟!
سبحان الله ، القاتلون يعبدون الله ، ويصلّون لينالوا المغفرة ، ثم يضحكون كالأغبياء !!
( أي إلهي إن لي أمنية
أن يسقط القمع بداء القلب
والمنفى يعودون إلى أوطانهم ثم رجوعي
لم يعد يذكرني منذ اختلفنا غير قلبي.. والطريق
صار يكفي
كل شيء طعمه.. طعم الفراق )

في الحرب الأخيرة لاحقني الموت كظلي ، حاصرني ، مازحني ، انزلق عن جسمي في اللحظة الأخيرة بمعجزة !! حاولت أن أستر روحي العارية ، احتميت بحلمي ، حلمي هو المعجزة ، حلمي هو من حذرني !! قال لي : الشظية قد تراك حتى في سواد الليل !! وهي بسيطة وسريعة أبسط و أسرع مما تتوقع ، لا تطع خطاك و لو إلى مطلع شارع أو شرفة !!
رأيت الموت واضحا في ضوء قمر نحاسي مُتعب عند وليمة الحطام ، كان منهكا ، وجهه أصفر كليمونة ، عينه حادة عسلية كحبة العنب !! يرتب أدواته على مهل ، حاولت أن أستدرجه لأنال منه !!! أو لأعرف كيف سأموت ؟! كان ذكيا يتقنع ، يغير سحنته ، وألوان ملابسه ، لكنه كان واضحا !!
( وحيدا أمام جيوش الليالي الضخام
تفردت تأبى صداك
فما أنت ممن يحب الصدى
لم تحارب بشيء سوى ضوء عينيك والخلجات
تشن الضياء
فتهرب هدن
ثقافتهن الخنوع وألسنهن لجام قتيل
ورغم سهولة قتلك
تحرس نفسك بالبسمات الحزينة لا غيرها
رغم سهولة قتلك
أرسل القمع قاطبة لاغتيالك )
أسند هامتي بالريح ، لأكثر من ستون عاما دمويا ، الأحلام تتكدس على ظهري ، تعبت و لكني لن أتعب !!! أرى في أحلامي ميلاد النهار ، صباح الخير حلمي ، صباح الورد !! فلن تشيخ ، ولن تهون ، ولن تخون .
أعجب من نفسي كيف تحمل جبالا ؟! ستون عاما دمويا و الأحلام تتطاير كالريش المنتوف فوق الخراب فأعيد فورا لملمتها !! وأعيد التحديق في الحلم المالح ، تشفق عليه ، ويشفق عليك ، تحتضنان تتعانقان رغم الزمن الفاضح ، يخاف عليك و تخاف عليه ، تصدقه وتكذب الأيام و يصدقك ، يلومك و تلومه ، قد تقتله فتموت !! ممنوع الافتراق .
الآن لي حلم واحد يتعبني ، حلم صغير جدا مصلوب في مهب الخريف القريب : أن يمر الشتاء بلا مطر ولا رياح فليؤجّل الحصاد !! عليك أن تختار بين العراء و الجوع !!
تحاول أن تضيء القناديل المتعبة في الخيمة ، تشرب دمعك وحيدا وسط الزحام القاحل ، لا أحد يكفكف دمعك ، لا أحد يربت على كتفك المخلوع ، زحام و لا ترى أحد !! و المدى الكالح يتطاول ، في نهار يُدمي ، فترى الفراغ ولا حتى ظل ظليل !! يسلمك الرحيل للرحيل ، الرحيل يحاصرك ، وأنت راحل من انعطاف إلى ضفاف ، في بر وبحر ، من خيمة لخيمة ، ومن قارب لقارب ، كسرب حمام غريب ، عند مساء جريح بالرصاص ، تعبت من السفر ، وتعب مني !! فالأحلام تتفتح رغم الذبول !! لن ينكث الوعد بالوعد ، لن نترك الدرب مغلقا في بساط الرمل الساخن ،ولا في غياهب الماء المالح ، سندع الدرب مفتوحا لمن بعدنا ، فلك حق العصافير ، و لك شرعية الحلم ، حلم يخمش الروح !!
(وأنت تنام وتحصي الكواكب ، فكّر بغيرك ، ثمة من لم يجد حيزا للمنام )

التعليقات