من هى أم علي النصراوية التي زارها وكرمها "أبو عمار" ؟ وماذا كانت تُجيب عند سؤالها عن "أبو علي" !؟

من هى أم علي النصراوية التي زارها وكرمها "أبو عمار" ؟ وماذا كانت تُجيب عند سؤالها عن "أبو علي" !؟
صورة حصرية لدنيا الوطن
رام الله - دنيا الوطن-رامي ابو شاويش

ونحن نتذكر مربع الفاكهاني لا بد من استذكار وجود مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية على طرفه الجنوبي وقد اعتاد المواطنون على زيارتها وأصبحت رمزا من رموز التاريخ الفلسطيني في لبنان، فالراقدون هناك آلاف من المقاتلين والقادة، نساء ورجال يجمع بينهم أنهم رحلوا شهداء دفاعا عن الثورة الفلسطينية ومن اجل فلسطين، وفي مواجهة الداخل إلى هذه المقبرة يقف نصب تذكاري لشهداء تل الزعتر بجوار مقبرة الحاج أمين الحسيني القائد الفلسطيني المعروف، ورغم كل المعارك والتفجيرات فإن الناس ظلوا يجدون سبيلا لزيارة المقبرة لقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء وقد حولوا المقبرة خلال زياراتهم إلى حديقة من الورود المنثورة فوق الأضرحة.

إلا أنه مع مرور الوقت تغيرت تقاليد دفن الشهداء، وبدلا من تشييع الجنازة أفرادا وجماعات سيرا على الأقدام من مسجد جامعة بيروت العربية وحتى المقبرة والنعش تحمله سيارة إسعاف من سيارات جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، تطور الحال فأصبحت جنازة الشهيد طابورا عسكريا طويلا من السيارات العسكرية يليه طابورا طويلا من السيارات المدنية التي تحمل المعزين وتوزعت باقات الورود التي كانت في الماضي تتقدم الجنازة يحملها أشبال أو زهرات أو أصدقاء الشهيد، توزعت على السيارات المختلفة وازدادت حجما وضخامة، وكان إطلاق النار في الهواء بكثافة من لوازم جنازات الشهداء، فتولت حركة فتح ضبط هذه الحالة حيث توقف إطلاق النار في الجنازات تماما إلا من واحد وعشرين طلقة تطلقها قوات الكفاح المسلح عند المقبرة، وكانت بعض الجنازات تحظى بالفرقة الموسيقية التابعة لقواتنا وكانت المؤسسة الاجتماعية لرعاية اسر الشهداء والأسرى (مؤسسة الشهداء) تتولى كافة إجراءات الدفن.

وطالما تطرقنا إلى مقبرة الشهداء، فإن المشهد يذكرني بالمناضلة أم علي النصراوية.. المرأة الفلسطينية الستينية.. التي التحقت في بداية انطلاقة الثورة بفتح وهي من جليل فلسطين.. هاجرت إلى لبنان عام 1948، وهي أم لشهيدين.. وام لعشرات الشهداء الذين كانوا ينادونها بلقب "ام الشهداء" وكانت هي تناديهم يا ابني"..

قبل علانية الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان هناك مشهد متكرر في مخيم شاتيلا حيث تدخل مجموعة من رجال المكتب الثاني اللبناني (المخابرات العسكرية) تضرب وتعتقل وتفتش وترهب ثم تنتقي بعض الرجال لتهينهم علنا أمام سكان المخيم، ثم يأتون بأم علي النصرواية ويعلقونها في "فلكه" ويتناوبون على ضرب قدميها.

تقول أم علي: "كنت أخاف فخادي تظهر لهذا كنت البس بنطلون بيجامة ابني علي، ولمّا كان يشتد ضربهم كنت أسبهم وأهتف لفلسطين"..

لقد التحقت أم علي بحركة فتح وبدأت تقود المظاهرات وترقص بالكلاشنكوف في جنازات الشهداء وترافق المجموعات الذاهبة إلى التدريب لتطبخ لهم الطعام وترعى نومهم في الليل.

كان بعض المقاتلين يسألونها "وين أبو علي يمه" فترد قائلة: ما زال عضو في حلقة.. ولسّاته ما وصل حتى عضو شعبة.. ثم تضحك..

بعد استشهاد ابنها الأول أصبح همها نقل الشهداء والجرحى من مواقع اصاباتهم، تركب عربة الإسعاف بجوار السائق تقرأ آيات القرأن، وعندما استشهد ابنها الثاني تبنت مقاتلا من اصدقائه، فلما استشهد أعطت وقتها للجرحى والشهداء.

كان أبو عمار وكل القيادات الفلسطينية يرون في أم علي أصالة الروح النضالية، ويعتزون بالتفاف امثالها حول حركة فتح كقائدة للنضال الوطني الفلسطيني كانوا يعتبرون أم علي طودا شامخا ورمزا رائعا لصمود وبسالة المرأة الفلسطينية، وعندما توجهت برفقة أبو عمار إلى بيتها لتعزيتها باستشهاد ابنها الثاني كان أبو عمار طوال الطريق يشعر بالحرج الشديد ولا يدري ماذا سيقول لها ولذلك سألني: يا أبو الطيب والله لا اعرف ماذا سأقول لام علي.. أنا محتار.. وعندما وصلنا ووقفت أم علي أمامه انهار وبدأ يبكي بحرقة.. فقالت أم علي بتبكي يمه.. اللي بدو يبكي لا ييجي لعندي !! وبعد أداء واجب العزاء وأثناء طريق العودة قال لي أبو عمار: هذا هو شعبنا الفلسطيني دائما متقدم على قيادته.

مع بداية الغزو انشغلت أم علي النصراوية طوال الليل في جمع اشلاء وجثث الشهداء من بين انقاض المدينة الرياضية وفي اواخر ايام المعركة تغيبت عن الأنظار، فلم يعد هناك مواكب لدفن الشهداء، كل شيء يتم بسرعة ودون مشيعين إلا قلة من الاقارب والاصدقاء ومندوبي مؤسسة الشهداء، وكما أن المناضل الطيب يجمع الناس حوله، كذلك مواكب جنازته عندما يستشهد.. بدأ الجميع يتساءلون أين أم علي..؟ ولكن دون جواب دقيق، فالبعض يقول أنها استشهدت على طريق الجبل بسبب قصف إسرائيلي بينما كانت في سيارة الإسعاف، والبعض يستفسر عن مكان قبرها دون الاهتداء إليه، فأم علي النصراوية التي شاركت في دفن شهداء الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية هل دفنت وحيدة.. عشرات من الذين تبنتهم حزنوا لأنهم لم يكونوا في وداعها، لم يتعرف الناس على قبرها وهي التي كانت تعرف سكان القبور جميعا، ومن الغريب أنه في غمرة الموت الجماعي قد تكون واقعة موت فردية اكثر ايلاما، من يحل محل أم علي النصرواية.؟ كثيرون ممن عرفوها تشاءموا عندما سمعوا بغيابها.

التعليقات