الثلاثي جبران في "الحصار" .. لوحة صمود مبتكرة مستوحاة من روح "الختيار"

الثلاثي جبران في "الحصار" .. لوحة صمود مبتكرة مستوحاة من روح "الختيار"
رام الله - دنيا الوطن- يوسف الشايب
لم يكن "الحصار"، جديد الثلاثي جبران، واستلهموه من حصار الاحتلال للرئيس الشهيد المؤسس ياسر عرفات، وقدموه في حفل إحياء ذكراه العاشرة، الذي نظمه مؤسسة ياسر عرفات، في قصر رام الله الثقافي، مساء الاثنين الماضي، مجرد مقطوعة موسيقية تحمل المتناقضات وتحملنا إليها، ما بين وجع وغضب، وحزن وفرح وألم وأمل، بل كنا في موعد مع عمل مذهل، اقتحم فيه سمير ووسام وعدنان عوالم فنية جديدة، حيث دمجوا ما بين الموسيقى التي أعدت خصيصاً لـ"الحصار"، وما بين المسرح، والأداء الحركي الأقرب إلى الراقص للفنان سعيد سلامة، وما بين الفيديو عبر لعبة الظلال التي كانت فاتحة العرض، ليقدموا على مدار عشرين دقيقة عملاً يعلن عن مرحلة جديدة في مسيرة الثلاثي فلسطيني الهوية والهوى عالمي الشهرة والانتشار.

في العمل الذي أخرجوه للمسرح (الحصار)، وهو تجربة مغايرة عما سبق وقدموه حتى "في ظل الكلام"، وضع الثلاثي جبران موسيقاهم في مواجهة الدبابة والرصاص والجندي الأحمق الذي بدأها بـ"ممنوع التجول" وأنهاها بـ"ممنوع التنفس" .. ورصوا صفوف الكلمات ليجمعوا ما بين صوت ياسر عرفات وهو يعلن "قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف"، وصوت محمود درويش في مقاطع من رائعته "مديح الظل العالي"، في لوحة حمراء كدم الغزال الفلسطيني الشارد إلى أبعد مدى، في محاولة للتلاقح مع ما لا يمكن وصفه بنغمات عود، بل بعزف من الروح، في سماء لطالما كانت مسرحاً لعبارات "الختيار" الرنانة، وأحلامه الكبيرة .

في الخلفية أصوات انفجارات ورصاص متقطعة، وأمامنا على المسرح ما يحاكي أياماً عصيبة عشناها في "الاجتياح الكبير"، أو ما تسميه سلطات الاحتلال "عملية السور الواقي"، حيث استباح الجنود بروعنتهم وبنادقهم الاوتوماتيكية ووحشيتهم وبساطيرهم كل ما كان بإمكانهم استباحته، ولا يزالون، وهو ما دللوا عليه باقتحام "جيب عسكري" وجنوده المسرح، ومحاولاتهم البائسة لاعتقال الفلسطيني الشبح في بهلوانيات سلامة، وموسيقى الثلاثي جبران، ومحاولاتهم الناجحة للنجاة بها وعبرها من رصاصات ليست طائشة.

في حصار الثلاثي جبران، اختلط الحابل بالنابل، كما يقولون: الموسيقى بصوت الرصاص .. الغضب الساطع الآت بالفقدان .. رشاقة أنامل الأخوة على الأوتار بأكروباتية سلامة وتعبيراته الجسدية المدهشة، هو المسرحي المخضرم، فكانت اللوحة الحمراء في جلها أشبه بملحمة بصرية سمعية، قال سمير جبران إنها قد تؤسس لعمل أضخم، ولمرحلة جديدة في تاريخ الفريق الذي رافق "لاعب النرد" في أمسياته لأكثر من ثلاثة عشر عاماً، فكان الثلاثي في "الحصار" أكثر من مجرد عازفين أو مؤلفين موسيقيين مبدعين كما عهدناهم .. كانوا ممثلين، ومخرجين، وقبل كل شيء فلسطينين .. لم يعتمروا الكوفية، ولم يحملوا بندقية من خشب أو بلاستيك، ولم يلوحوا بالعلم، لكن الورد الأبيض واختتام الحفل بـ"موطني"، وقبلها الموسيقى واللوحات المسرحية متعددة الأبعاد التي قدموها، كلها كانت تنطق باسم فلسطين، وعرفات الاسم الحركي لقضية الشعب الذي لا يزال يناضل من أجل التحرر.

سمير جبران، اختصر حكاية "الحصار"، العمل الذي خرج بتعاون مع تقنيين من فرنسا وفلسطين في حديثه معنا بالقول: المبادرة جاءت من مؤسسة ياسر عرفات .. لشهر كامل أو يزيد ونحن نبحث عن فكرة لعمل موسيقي فني يليق باسم ياسر عرفات ويحمل توقيعنا، خاصة أنه لا يمكن تلخيص مسيرة الرئيس الشهيد ياسر عرفات الغنية في عمل فني واحد مهما بلغت عبقرية القائمين عليه، فعبقرية الحدث والسيرة أوسع بكثير وبما لا يقارن ... لذلك ركزنا على مرحلة الحصار، وأعنى حصار قوات الاحتلال الإسرائيلي للرئيس عرفات، تلك الفترة التي عايشتها وأسرتي في مدينة رام الله .. كنا محاصرين، وكان رئيسنا محاصر، ولعل حصارنا جعلنا نغفل، دون قصد بالتأكيد، ولو لبعض الوقت عن حصار رئيسنا .. العالم بأسره كان يحاصر الرئيس أبو عمار، ومن هنا بدأت الفكرة، التي خرجت بخليط ما بين الموسيقى وما بين المسرح والدراما في العمل أو اللوحة التي أسميناها "الحصار"، بتعريف الكلمة بـ"أل"، لكوننا لا نزال نعيش هذا الحصار المتواصل سواء على المستوى الفلسطيني، أو العربي، أو حتى الحصار الذي يتربع في دواخلنا، أو دواخل الكثير منا، بشكل أو بآخر.

وفي حديثه معنا، وجه سمير جبران، شكراً خاصاً لبنك فلسطين، الشريك الاستراتيجي للثلاثي جبران، لافتاً إلى أن الشراكة مع بنك فلسطين تساهم في "تطلعاتنا لفتح آفاق جديدة، وتحملنا مسؤولية اضافية للحفاظ على تراثنا وثقافتنا الفلسطينية".

التعليقات