من الطفولة الى الشباب .. تعرف على هيثم خلايلة في كلمات
رام الله - دنيا الوطن
لقد تأخر الفلسطينيون كثيراً في المضيِّ نحو الإعلامِ حاملين على ظهورهم كيساً هائلاً من الفن والإبداعِ في مجالاتٍ عدة، وعلى الجماهير أن تختلق لهم العذرَ بسبب ثِقَلِ خطوتهم إزاءَ ما يواجهون من معيقاتٍ يفرضها أمرُ الاحتلال. لستُ منحازاً إلى هذه النظرة التي تضعُ الفلسطيني دائماً في خندقٍ إلى جانب بندقيته، فمهما كبر نضال الفلسطينيّ وتضحيته يظلّ حبّهُ أكبر ويظلّ قلبهُ ساحة عشقٍ مليئة بالورد رغم الدخان الكثيف.
ننأى دائماً كفلسطينيين عن حالة التقسيم التي نعيش، حيث صار شعبنا مقسماً وفقاً للحيّز المكانيّ الذي يشغله كلٌّ منا، وما يترتّبُ على ذلك من أعباءٍ اجتماعيةٍ ومصاعب: غزة، والضفة، وأراضي 48، والشتات، والقدس أيضاً. ولعلَّ أولئك الذين يسكنون الأراضي المحتلة عام 1948، كانوا الأكثر عرضةً لسيوف المغرضين، والأكثر احتمالاً للّومِ، على أساس أنهم يحملون ما يسمى بـ«الجنسية الإسرائيلية»، لكنَّ أحداً من هؤلاء الذين يرمونهم باللوم والشتائمِ لم ينتبه مرةً للدور الهام الذي يلعبه فلسطينيو الـ48 في الحفاظ على عروبة المدن المغتصبة مثل حيفا ويافا وعكا والجليل، كما لم ينتبه اللائمون إلى أن «الجنسية الإسرائيلية» فُرضتْ على هؤلاء الفلسطينيين كعاقبةٍ من عواقب الاحتلال. كلُّ هذه المعيقات وغيرها، أدّت إلى تأخر سكان الشمال الفلسطيني المحتل في الوصول إلى العالم كفلسطينيين لا كإسرائيليين كما يدعي الاحتلال وتؤيده – للأسف – طائفةٌ من إعلاميي الديماغوجيا العرب.
من هناكَ، من قرية «مجد الكروم»- مدينة عكا، في الجليل الأعلى، أي من أقصى الشّمال الفلسطيني، يردُ إلينا الفتى العاشق «هيثم خلايلة» حاملاً وردته والأغنية كسلاحٍ بديل في مواجهة العاصفة العمياء، ليعتلي مسرحَ آراب آيدول، كما فعل «محمد عساف» الذي جاء بفرسه من غزة.
انطلق صوت هيثم خلايلة في مراحل الطفولة المبكرة، حيث بدأ يرتّل القرآن الكريم، مقلّداً المنشاوي وغيره من المقرئين الذين كان يستمعُ إليهم والده، ثم حفظَ دون أن يدري «سورة مريم» وراح يقرؤها قبل أن يتعلم القراءة والكتابةَ، وفي هذا دلالة كامنة على تصالح روحه مع الديانات والأعراق كلّها، حاله حال الفلسطينيين كلهم. ظلَّ كذلك حتى انفجرت فكرةٌ ما في رأس جدّته، التي كانت أول المجرّبين لصوت هيثم في الغناء، طلبت إليه أن يغني أمام حشد من نساء العائلة، فكدنَ يقطّعنَ أيديهنَّ من شدّة ما أسرهنَّ صوته الأخضر اليانع كعود زعتر بريّ. وكغيره تلقّى اهتماماً من مدرسيه من خلال الحفلات المدرسية وغيرها من مشاركات على مستوى بسيط، حتى بلغَ مرحلته الثانية التي كان فيها سابقاً لمن هم في مداه، إذ شارك هيثم فرقة ترشيحا للموسيقا العربية – والتي تعدّ من أهم فرق الداخل- مجموعة من عروضها، ليشارك بعد ذلك في مسابقة «نيو ستار» على تلفزيون «مكس» في القدس، حيث وصل إلى المراحل الأخيرة واقترب من اللقب.
هيثم خلايلة الذي لم يلقَ دليلاً فنياً يسوقهُ إلى مبتغاه، ألّف فرقته الخاصة به، حين كان عمره 19 سنة، الفرقة التي ضمّت أسماءً هامة من ضمنها حسام حايك، قدّم عروضاً عدّة في الداخل ممازجاً فيها الغناء بالمسرح، من خلال مشاركته لـ«فرقة سلمى» – حيفا، وأقام حفلات في عمّان، ورام الله وبيت لحم أيضاً، كما دعاه وديع الصافي إلى لقاء في عمّان عندما سمعَ منه موال «ولو»، لكن ظروف الصافي الصحيّة ووفاته حالت دون ذلك، فأهداه هيثم مشاركته في «وديع عالبال» الحفل الذي أقيم تكريماً لمنجز الراحل الكبير وديع الصافي.
إن القضية التي تستحق الوقوف عليها، ليست صعود هيثم إلى نهائيات أراب آيدول، ولا اقترابه من تحقيق حلمه على مستوى عربي، إنما تعطّش الفلسطينيين إلى نجومٍ تبزغ من أرضهم، فالناس في أراضي الـ48 يواجهون صعوبات جمة في التصويت، حيث إن شبكات الاتصالات الخاصة بأراب آيدول لا تستقبل الرسائل من شبكات الاتصال «الإسرائيلية» التي تستحوذ على قطاع الاتصالات في أراضي الـ48، وبذلك ينغلق الطريق أمام عشاق هيثم خلايلة ولا يبقى سوى خيار واحد أمامهم، وهو الذهاب إلى أراضي الضفة الغربية واستخدام الشبكات التابعة للسلطة الفلسطينية، رغم هذه المصاعب، فإن الناس يتوافدون إلى منزل هيثم ويقدّمون مبالغ من المال لمنظمي حملات يذهبون بها إلى رام الله للتصويت من هناك لمعشوقهم، وأكدت مديرة حملة التصويت إيمان خلايلة لموقع كسرة أن هناك أطفالاً يقدمون مصروفهم اليوميّ راجين تقبّله سعياً للتصويت أيضاً.
هذا الجنون الفلسطيني، الذي يتخلص في كلّ مرة من آثار الدمار بأغنية عالية، لهو الأهم، فهو مصدر الخلق الإبداعي الحقيقي، وهو الماء الذي يغسل الدمَ دائماً.
ألمَحُ في لهجة هيثم انحيازاً طيباً لبلاده، فلم يتخلَّ حتى الآن عن صورة الفلسطيني العادي، الفتى القرويّ الشمالي كما ينبغي أن يكون، سيقدّر الفلسطينيون بعد سنين اعتماد هذا الفتى على اسمه الشخصي، وعدم الاتجار بأسماء الشهداء الكثيرين، وعدم التسوّل على سجّادة القضية الفلسطينية، سيسجل الفلسطينيون هذا الأمر لخلايلة بمجرد انتباههم إليه.
إن نجاح هذا الفتى ليس مرهوناً بالتصويت، إنما بما يجب أن يفعله، فعلى هيثم خلايلة الآن أن يحافظ على صورته البسيطة، دون أي تكلّف، وأن يبقى كما هو مبتعداً عن فكرة إعادة إنتاج «محمد عساف» نجمنا الذي سبقه بخطوة واحدة على الطريق، عليه أن يغني من الداخل أي من أراضي 48، ليعلو لنا صوتان، واحدٌ من الشمال الفلسطيني وآخر من الجنوب، هكذا يصنعان الصوتَ والصدى، الفعل وردّ الفعل، وبهذا يتحقق شرطٌ آخر لخلق طقس فنيّ فلسطيني ديناميكيّ جديد، كنتيجة حتميّة لتاريخ الأغنية الفلسطينية العميق، على كلٍّ منهما أن يحافظ على هواء مدينته في أغنيته منحازاً لكل شيء في آن معاً، للحب والوطن والحياة، ليثبتا أن الفلسطينيين قادرون على الحب ويحفظون أسماء الورد عن ظهر قلب.
لقد تأخر الفلسطينيون كثيراً في المضيِّ نحو الإعلامِ حاملين على ظهورهم كيساً هائلاً من الفن والإبداعِ في مجالاتٍ عدة، وعلى الجماهير أن تختلق لهم العذرَ بسبب ثِقَلِ خطوتهم إزاءَ ما يواجهون من معيقاتٍ يفرضها أمرُ الاحتلال. لستُ منحازاً إلى هذه النظرة التي تضعُ الفلسطيني دائماً في خندقٍ إلى جانب بندقيته، فمهما كبر نضال الفلسطينيّ وتضحيته يظلّ حبّهُ أكبر ويظلّ قلبهُ ساحة عشقٍ مليئة بالورد رغم الدخان الكثيف.
ننأى دائماً كفلسطينيين عن حالة التقسيم التي نعيش، حيث صار شعبنا مقسماً وفقاً للحيّز المكانيّ الذي يشغله كلٌّ منا، وما يترتّبُ على ذلك من أعباءٍ اجتماعيةٍ ومصاعب: غزة، والضفة، وأراضي 48، والشتات، والقدس أيضاً. ولعلَّ أولئك الذين يسكنون الأراضي المحتلة عام 1948، كانوا الأكثر عرضةً لسيوف المغرضين، والأكثر احتمالاً للّومِ، على أساس أنهم يحملون ما يسمى بـ«الجنسية الإسرائيلية»، لكنَّ أحداً من هؤلاء الذين يرمونهم باللوم والشتائمِ لم ينتبه مرةً للدور الهام الذي يلعبه فلسطينيو الـ48 في الحفاظ على عروبة المدن المغتصبة مثل حيفا ويافا وعكا والجليل، كما لم ينتبه اللائمون إلى أن «الجنسية الإسرائيلية» فُرضتْ على هؤلاء الفلسطينيين كعاقبةٍ من عواقب الاحتلال. كلُّ هذه المعيقات وغيرها، أدّت إلى تأخر سكان الشمال الفلسطيني المحتل في الوصول إلى العالم كفلسطينيين لا كإسرائيليين كما يدعي الاحتلال وتؤيده – للأسف – طائفةٌ من إعلاميي الديماغوجيا العرب.
من هناكَ، من قرية «مجد الكروم»- مدينة عكا، في الجليل الأعلى، أي من أقصى الشّمال الفلسطيني، يردُ إلينا الفتى العاشق «هيثم خلايلة» حاملاً وردته والأغنية كسلاحٍ بديل في مواجهة العاصفة العمياء، ليعتلي مسرحَ آراب آيدول، كما فعل «محمد عساف» الذي جاء بفرسه من غزة.
انطلق صوت هيثم خلايلة في مراحل الطفولة المبكرة، حيث بدأ يرتّل القرآن الكريم، مقلّداً المنشاوي وغيره من المقرئين الذين كان يستمعُ إليهم والده، ثم حفظَ دون أن يدري «سورة مريم» وراح يقرؤها قبل أن يتعلم القراءة والكتابةَ، وفي هذا دلالة كامنة على تصالح روحه مع الديانات والأعراق كلّها، حاله حال الفلسطينيين كلهم. ظلَّ كذلك حتى انفجرت فكرةٌ ما في رأس جدّته، التي كانت أول المجرّبين لصوت هيثم في الغناء، طلبت إليه أن يغني أمام حشد من نساء العائلة، فكدنَ يقطّعنَ أيديهنَّ من شدّة ما أسرهنَّ صوته الأخضر اليانع كعود زعتر بريّ. وكغيره تلقّى اهتماماً من مدرسيه من خلال الحفلات المدرسية وغيرها من مشاركات على مستوى بسيط، حتى بلغَ مرحلته الثانية التي كان فيها سابقاً لمن هم في مداه، إذ شارك هيثم فرقة ترشيحا للموسيقا العربية – والتي تعدّ من أهم فرق الداخل- مجموعة من عروضها، ليشارك بعد ذلك في مسابقة «نيو ستار» على تلفزيون «مكس» في القدس، حيث وصل إلى المراحل الأخيرة واقترب من اللقب.
هيثم خلايلة الذي لم يلقَ دليلاً فنياً يسوقهُ إلى مبتغاه، ألّف فرقته الخاصة به، حين كان عمره 19 سنة، الفرقة التي ضمّت أسماءً هامة من ضمنها حسام حايك، قدّم عروضاً عدّة في الداخل ممازجاً فيها الغناء بالمسرح، من خلال مشاركته لـ«فرقة سلمى» – حيفا، وأقام حفلات في عمّان، ورام الله وبيت لحم أيضاً، كما دعاه وديع الصافي إلى لقاء في عمّان عندما سمعَ منه موال «ولو»، لكن ظروف الصافي الصحيّة ووفاته حالت دون ذلك، فأهداه هيثم مشاركته في «وديع عالبال» الحفل الذي أقيم تكريماً لمنجز الراحل الكبير وديع الصافي.
إن القضية التي تستحق الوقوف عليها، ليست صعود هيثم إلى نهائيات أراب آيدول، ولا اقترابه من تحقيق حلمه على مستوى عربي، إنما تعطّش الفلسطينيين إلى نجومٍ تبزغ من أرضهم، فالناس في أراضي الـ48 يواجهون صعوبات جمة في التصويت، حيث إن شبكات الاتصالات الخاصة بأراب آيدول لا تستقبل الرسائل من شبكات الاتصال «الإسرائيلية» التي تستحوذ على قطاع الاتصالات في أراضي الـ48، وبذلك ينغلق الطريق أمام عشاق هيثم خلايلة ولا يبقى سوى خيار واحد أمامهم، وهو الذهاب إلى أراضي الضفة الغربية واستخدام الشبكات التابعة للسلطة الفلسطينية، رغم هذه المصاعب، فإن الناس يتوافدون إلى منزل هيثم ويقدّمون مبالغ من المال لمنظمي حملات يذهبون بها إلى رام الله للتصويت من هناك لمعشوقهم، وأكدت مديرة حملة التصويت إيمان خلايلة لموقع كسرة أن هناك أطفالاً يقدمون مصروفهم اليوميّ راجين تقبّله سعياً للتصويت أيضاً.
هذا الجنون الفلسطيني، الذي يتخلص في كلّ مرة من آثار الدمار بأغنية عالية، لهو الأهم، فهو مصدر الخلق الإبداعي الحقيقي، وهو الماء الذي يغسل الدمَ دائماً.
ألمَحُ في لهجة هيثم انحيازاً طيباً لبلاده، فلم يتخلَّ حتى الآن عن صورة الفلسطيني العادي، الفتى القرويّ الشمالي كما ينبغي أن يكون، سيقدّر الفلسطينيون بعد سنين اعتماد هذا الفتى على اسمه الشخصي، وعدم الاتجار بأسماء الشهداء الكثيرين، وعدم التسوّل على سجّادة القضية الفلسطينية، سيسجل الفلسطينيون هذا الأمر لخلايلة بمجرد انتباههم إليه.
إن نجاح هذا الفتى ليس مرهوناً بالتصويت، إنما بما يجب أن يفعله، فعلى هيثم خلايلة الآن أن يحافظ على صورته البسيطة، دون أي تكلّف، وأن يبقى كما هو مبتعداً عن فكرة إعادة إنتاج «محمد عساف» نجمنا الذي سبقه بخطوة واحدة على الطريق، عليه أن يغني من الداخل أي من أراضي 48، ليعلو لنا صوتان، واحدٌ من الشمال الفلسطيني وآخر من الجنوب، هكذا يصنعان الصوتَ والصدى، الفعل وردّ الفعل، وبهذا يتحقق شرطٌ آخر لخلق طقس فنيّ فلسطيني ديناميكيّ جديد، كنتيجة حتميّة لتاريخ الأغنية الفلسطينية العميق، على كلٍّ منهما أن يحافظ على هواء مدينته في أغنيته منحازاً لكل شيء في آن معاً، للحب والوطن والحياة، ليثبتا أن الفلسطينيين قادرون على الحب ويحفظون أسماء الورد عن ظهر قلب.

التعليقات