تونس والبرازيل في القمة... أين نحن؟!!!

تونس والبرازيل في القمة... أين نحن؟!!!
بكيبورد الدكتور: عاصف حمدان

أقدم محمد البوعزيزي – رحمه الله وقبِلَه شهيداً- قبل ثلاث سنين على إشعال نفسه فبات شعلةً للثورة والتمرد على الظلم في الألفية الحالية. ثم أصبح بداية حقبة معقدة مليئة بالتغيرات والمتغيرات في الوطن العربي وفي تونس تحديداً. وباعتقادي أن هذه الحقبة قد تُوّجت الشهر الماضي في تونس بحالة من التوازن والثبات الإيجابيّين. ذلك ليس لمجرد إتمام العرس الديمقراطي التونسي فحسب؛ فقد حصلت الانتخابات سابقاً وأنصفت تونس بترؤس المنصف المرزوقي للبلاد من وجهة نظري؛ بل نتاجاً للإطار الذي تمت خلاله الانتخابات هذه المرة فيما يتعلق بما اكتنفها وما ترتب عليها وتحديداً بالطريقة التي تعاملت بموجبها أطراف الصراع الديمقراطي مع نتائجها لاسيما المهزومة منها أو حزب النهضة؛ بكلمات أخريات.

   إطار انتخابات تونس الأخيرة له عنوان واحد: تونس أولاً. الانتخابات تمت بنزاهة وفقاً لوسائل الإعلام المختلفة. تقبل حزب النهضة الهزيمة وبارك لنداء تونس. هنأ الغنوشي قايد السبسي فوراً. قال قادة النهضة أن حزبهم انتصر مع تونس بضمان الحرية واحترام نتائج الصندوق. وهذا موضوعي فعلاً باعتقادي. وأعتقد أيضاً أن هذا التفاعل مع النتيجة يعد أبرز إنجاز سياسي لحركة الإخوان المسلمين مُذ تأسستْ. نداء تونس بالمقابل أعلنت أنها لن تتفرد بالحكم وأنها ستتشارك مع الجميع تحقيقاً لمصلحة تونس العليا.

  أما الطرف الآخر للقمّة التي أتحدث عنها في الشهر الماضي فهي صديقتنا العزيزة البرازيل. تمت انتخابات الرئاسة هناك بعد حرب ديمقراطية طاحنة بين حزب المرشحة اليسارية ديلما أو "جوما" باللهجة البرتغالية – التي انتصرت لفترة رئاسة جديدة لحسن حظنا كفلسطينيين طبعاً- وبين المرشح اليميني ايسو نيفيس. وعلى خلاف المرة السابقة فقد كان الفارق ضئيلاً جداً لصالح جوما هذه المرة. علقت جوما على هذا الفارق بعد فوزها بقولها: "الانتصارات بالفروق الضيقة بين المرشحين تعطي دافعاً أكبر للعمل في المستقبل". وفي خطاب انتصارها مدّت يمينها لليمين رافضةً تقسيم الشعب إلى قسمين. كذلك قام خصمها بتهنئتها وبالاعتراف بالهزيمة في خطابه أمام أنصاره، وأعجبني ما كان قد قاله قبل الانتخابات: "إذا فزت أنا فهذا جيد للبرازيل وإذا لم أفز فهذا جيد لي"!!!.

شعارهم أثناء ممارستهم لحقهم الديمقراطي كان: البرازيل أولاً. أنا شخصياً كنت في البرازيل لفترة قصيرة قبيل الانتخابات (ليس للإشراف على سير الانتخابات طبعاً بل لزيارة علمية طبية سريعة!!:). رأيت فعلاً بعضاً من مظاهر ذلك الشعار الحقيقي. أعلام البرازيل غالباً -لا أعلام أحزابها- تملأ شارع "الأفينادا باوليستا" أهم شوارع البرازيل. النقاشات في الجامعة والمستشفى والمقاهي وبين جماهير نادي سانتوس بين الشوطين وكذلك في وسائل التواصل الاجتماعي كانت حادة بين أنصار الحزبين أو المرشحيْن لكن حدها الأقصى كان يصل إطلاق النكات وروح الدعابة لا أكثر. صراعهم الديمقراطي هذا كان يتمحور حول تحسين ظروف المعيشة وتوفير مستوى أعلى من الأمن وتطوير النظام الصحي ومحاصرة الفساد في أجهزة الدولة. لم يتمحور حول أجندات أو أيدولوجيات اليسار واليمين وتحالفاتهما الإقليمية مثلاً؛ علماً أن اليمين مقربٌ جداً من اليهود والكنائس الصهيونية والطبقة البرجوازية واليسار من الفقراء والعمال والسود!!!. ربما لا داعي لإشارات التعجب فقد عُرف السبب: البرازيل أولاً.

ونحن؟! أقصد: وفتحُنا وحماسُنا؟!؟! حسناً. علمياً لا يصح مقارنة حقبة بأخرى. لذا سأعود فقط إلى نفس هذه الفترة. إلى الشهر الماضي. وسأرى الموضوع فقط من زاوية الرؤية للإستحقاق الديمقراطي (يعني لست بصدد ذكر نظرتي الشمولية لسلوك الحركتين هنا). خرج أحد قادة حركة حماس في غزة مصرحاً: "لماذا يصوت الناس لفتح؟!"، فردّ عليه أحد نظرائه في فتح فوراً: "بل لماذا يصوت الناس لحماس؟!". وكل منهما لديه رؤية كاملة تستند عليها فكرة أنّ الناس يجب أو من المفترَض ألا يصوتوا للطرف الآخر. وكل منهما لا يعبر عن رأيه فحسب؛ بل عن رأي شريحة كبيرة من أبناء حزبه (وفي حالة القائد الحماسي فهو يعبر عن كل الحركة طبعاً). كل منهما مقتنع بضرورة إلغاء الآخر وشطبه، وخصوصاً لدى الطرف الذي صرّح أولاً من غزة بصراحة!. لا يوجد هامش لتقبل الآخر لديهما. للأسف وبكل حرقة؛ ربما لا يوجد هامش لديهما يتسع لعنوان يشبه عنواني التونسيين والبرازيليين مفاده: فلسطين أولاً.

والله بكفّي. حلوها وخلصونا. حلها سهل والله: فلسطين أولاً، الأقصى أولاً، دماء الحجازي والعكاري والشلودي والعرفات والياسين وكل الشهداء أولاً وأولاً وأولاً وآخراً.

التعليقات