عن هِرَّتَيْن وقِرْد
بقلم:آصف قزموز
8/11/2014
زعموا أن هرتين اختلفتا في اقتسام قطعة من الجبن، فذهبتا لتحكيم القرد في الفصل بينهما، فما كان من القرد إلا وأن قام بقسم الجبنة الى قطعتين واحدة كبيرة والأخرى صغيرة، وكلما وضعهما في الميزان يقوم بقضم الكبيرة بحيث تصبح أصغر من الصغيرة، واستمر على هذه الحالْ، حتى أتى على كامل الجبنة واتكسَّر المَوَّالْ، ومن يومها على راي المثل:" فِضي القرد لَمَعْطِ الجِلْد".، وِالْقُوا عن قَفاكُوا يا فلسطينية إذا كان ابْتِلقُوا.
القضية هي أننا لسنا أمام حرفية المعادلة تماماً، حيث أن الهرتين مختلستان للجبنة، بينما نحن أمام مختلس مع صاحب حق مشروع، ولكن القَضم يطالنا ويهرسنا في كل شيء، فنحن أصحاب الحق التاريخي الكامل في بلادنا، ارتضينا لأنفسنا حل الدولتين، وقبول الأمر الواقع وقرارات الشرعية الدولية وإن لم تكن عادلة، وذلك في سياق حل الممكن التاريخي في اللحظة التاريخية. إلا أن إسرائيل تغولت على شعبنا وباتت اليوم تلعب عملياً دور الخصم والحكم أو السَّاطي على أي حَكَم، لتحاكي عملياً قصة القرد مع الهرتين، وها هي اليوم تتابع قضم الأرض الفلسطينية بأقصى قدراتها الفائقة لقدرات القرد مع الجبنة، لا بل وأكثر من ذلك تعمل على تصغير شعبنا وتشتيت ديمغرافيته أيضاً بتكبير ذاتها الديمغرافية، أي أن ما يجعل الأمر أكثر خطورة هو سياسات القضم في كل شيء، سياسياً واقتصادياً وديبلوماسياً وحقوقياً وحتى تاريخياً...ألخ.
نعم إنها حرب الجغرافيا المتكاملة مع إجراءاتها ضد شعبنا على جبهة الديمغرافيا، وبالاتجاهين المتناغمين في التعاكس معنا. إذ لم تترك إسرائيل وسيلة ولا ذريعة إلا واتخذتها واستثمرتها باتجاه التضييق على حياة الفلسطينيين لتهجيرهم من مدنهم وقراهم وحتى خارج البلاد، خصوصاً أبناء قطاع غزة ممن فروا هاربين من الحرب وضيق العيش، وذلك خدمة لأهداف ومخططات احتلالية ذات طابع استعماري، شامل لكل الأراضي الفلسطينية، ولا سيما القدس المحاصرة بالأطماع الاحتلالية الاستيطانية من كل فجٍّ عميق وسحيق.
واليوم لم يقف الأمر عند هذا الحد القاتل لنا أرضاً وشعباً، بل يتعداه من خلال، اتخاذ إجراءات وسن قوانين جديدة أكثر عدوانية وسفورا بذات الاتجاه والأهداف، حيث يجري العمل على قدم وساق ليس لتهويد الأرض وحسب وإنما لتهويد المهاجرين ممن لا دين لهم كالإرهاب، ليصبحوا يهوداً تزداد بهم نسبة اليهود على العرب في حرب الديموغرافيا المندلعة منذ النكبة وما قبلها، الأمر الذي تجلى مؤخراً بالسماح للحاخامات بتهويد المهاجرين الذين تدفقوا خلال السنوات الأخيرة وقبلها على إسرائيل، وجلهم كانوا فارين من ضنك العيش والفقر المدقع والاضطهاد الفكري والاقتصادي والسياسي في البلد الأم، وخصوصاً القادمين الجدد من روسيا وبلدان الاتحاد السوفييتي الآفل، ومن الدول الأفريقية كأثيوبيا والسودان، وما زال الحبل مسحوباً على الجرار والغارب في آنٍ معاً. ولا يخفي الاسرائيليون الحقائق في هذا الأمر، ويشهد على ذلك ما تبذله إسرائيل من نفقات على عقد المؤتمرات واللقاءات الهادفة لتشجيع استقدام المهاجرين الجدد ولا سيما مؤتمر هرتسيليا الدوري سنوياً. ناهيك عن اعترافهم بأن 65% من المهاجرين الجدد هم ليسوا يهوداً، وإنما جرى تهويدهم واعتناقهم اليهودية بعد مجيئهم الى اسرائيل.
هذا ما يجري على الطرف الآخر لمنتصف ليلنا. أما ما يجري على الطرف الأول لمنتصف ذات الليل، فهو العجيب بامتياز من أمرنا. ففي الوقت الذي تتنامى وتتراصف به ديمغرافية وجغرافية دولة الاحتلال، عبر إجراءات وانتهاكات يومية وقوانين وأوامر احتلالية ظالمة على كل المستويات من أخمص هرم الدولة وحتى رأس الهرم، نشاهد بموازاة ذلك عمليات الهدم والتدمير والتفكيك العرقي والطائفي الذاتي والمختلط والموضوعي القائم على التدخل الخارجي، وقطع الجذور والأوصال في العالم العربي على امتداد خارطته القديمة المطلوب رأسها، حيث الدواعش تنهش الذات الوطنية والعربية وتقتل وتدمر وتفكك بلا حساب طبقاً للمواصفات وحسب الطلب الجاري رسمه على الجانب الآخر للمنتصف. وها هي سورية تترنح في صراع دمار شامل، بأيدٍ سورية وأجنبية مستوردة وخارجية، وها هو العراق يغرق في أوحال التفكك والطائفية المقذعة، والكومبرادورية المتواطئة المفزعة، بأيدٍ عراقية عربية داعشية فارسية ودولية، وكذلك ليبيا وما يجري في مصر وفلسطين، وكل ذلك يجري لمستقرٍّ واحد لمصلحة المستفيد الأول والثاني، في إطار الفوضى الخلاقة السائرة قدماً نحو بناء الشرق الأوسط الجديد الذي خُبِّرنا عنه.
واليوم يا سادتي يخرج علينا بعض المهرطقين في الدين والسياسة، فنجد محمود الزهار القيادي في حركة حماس، يعلن أنه ما لم يُرفع الحصار فلن نلتزم بما تم الاتفاق عليه، وكأنما وقف إطلاق النار قد جاء على خلفية استسلام العدو في المعركة المشؤومة إبان العدوان الأخير على غزة. ناهيك أن ذات هؤلاء المتدعوشين يسعون بذات القوة من جانبهم لإفساد ما تحقق بشأن إنهاء الانقسام ، فيفجرون في وضح النهار منازل المناضلين في غزة، في ظل الصراع الدامي المحتدم على جبهة الأقصى في القدس وباقي المدن الفلسطينية، ومثل هذا السلوك يحاكيه على الطرف الآخر ما يقوم به المستوطنون والمتطرفون الإسرائليين لمنع أي تقدم تجاه السلام وحل الدولتين الذي يكابد من أجله الفلسطينيون حثيثاً. وليس بعيداً عن كل هذا الجو الدامس الطامس للنور والتنوير، يطالعنا مفتي مدينة نابلس مطلقاً مزامير الفتنة من حيث يدري أو لا يدري، بالدعوة لإعادة النظر بالسماح لأهلنا فلسطينيي عام 1948، الذين صبروا وصابروا وصمدوا في وجه كل أشكال القهر والتهجير والاضطهاد العنصري الكولونيالي المبكر والحاضر، منذ النكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا، من دخول مدينة نابلس والمحافظات الفلسطينية، وذلك بدعوى الآثار السلبية على أخلاق مجتمعنا وأمواله وأبنائه وأعراضه، على حد زعمه !! وكأن فلسطين والفلسطينيين ناقصهم تقسيم وانقسامات، الحافظ الله !!
وتأتي هذه الممارسات والتصريحات اللامسؤولة، في ظل أجواء التصعيد الاسرائيلي المحموم، والهجمة الاستيطانية العنصرية والممارسات الاحتلالية المقصودة والمفتعلة، لا سيما في القدس والأقصى والأغوار.
فلمصلحة من يجري كل هذا ومن هو المستفيد جراء ذلك التشابك العجيب في الممارسات المتطرفة على طرفي هذا الليل القاسي بنا والقاصي بحقوقنا ومصالحنا؟!
نحن بأمس الحاجة لتوحيد الجهود والتراصف والتنسيق الداخلي والخارجي مع كل ذي شأن وعلاقة، ولا سيما مع مصر والأردن الشقيق الواقف معنا في الخندق الواحد للتصدي لهذه الهجمة العنصرية ذات الطابع الاستعماري البغيض، معتصمين بحبل التاريخ والجغرافية والديمغرافية والمصير الواحد وتوازنات المصالح، إذ كلنا في الهم شرقُ وكلنا في الغَمّ غربُ، وفي قلوب الدنيا استوطنت الحربُ.
[email protected]
8/11/2014
زعموا أن هرتين اختلفتا في اقتسام قطعة من الجبن، فذهبتا لتحكيم القرد في الفصل بينهما، فما كان من القرد إلا وأن قام بقسم الجبنة الى قطعتين واحدة كبيرة والأخرى صغيرة، وكلما وضعهما في الميزان يقوم بقضم الكبيرة بحيث تصبح أصغر من الصغيرة، واستمر على هذه الحالْ، حتى أتى على كامل الجبنة واتكسَّر المَوَّالْ، ومن يومها على راي المثل:" فِضي القرد لَمَعْطِ الجِلْد".، وِالْقُوا عن قَفاكُوا يا فلسطينية إذا كان ابْتِلقُوا.
القضية هي أننا لسنا أمام حرفية المعادلة تماماً، حيث أن الهرتين مختلستان للجبنة، بينما نحن أمام مختلس مع صاحب حق مشروع، ولكن القَضم يطالنا ويهرسنا في كل شيء، فنحن أصحاب الحق التاريخي الكامل في بلادنا، ارتضينا لأنفسنا حل الدولتين، وقبول الأمر الواقع وقرارات الشرعية الدولية وإن لم تكن عادلة، وذلك في سياق حل الممكن التاريخي في اللحظة التاريخية. إلا أن إسرائيل تغولت على شعبنا وباتت اليوم تلعب عملياً دور الخصم والحكم أو السَّاطي على أي حَكَم، لتحاكي عملياً قصة القرد مع الهرتين، وها هي اليوم تتابع قضم الأرض الفلسطينية بأقصى قدراتها الفائقة لقدرات القرد مع الجبنة، لا بل وأكثر من ذلك تعمل على تصغير شعبنا وتشتيت ديمغرافيته أيضاً بتكبير ذاتها الديمغرافية، أي أن ما يجعل الأمر أكثر خطورة هو سياسات القضم في كل شيء، سياسياً واقتصادياً وديبلوماسياً وحقوقياً وحتى تاريخياً...ألخ.
نعم إنها حرب الجغرافيا المتكاملة مع إجراءاتها ضد شعبنا على جبهة الديمغرافيا، وبالاتجاهين المتناغمين في التعاكس معنا. إذ لم تترك إسرائيل وسيلة ولا ذريعة إلا واتخذتها واستثمرتها باتجاه التضييق على حياة الفلسطينيين لتهجيرهم من مدنهم وقراهم وحتى خارج البلاد، خصوصاً أبناء قطاع غزة ممن فروا هاربين من الحرب وضيق العيش، وذلك خدمة لأهداف ومخططات احتلالية ذات طابع استعماري، شامل لكل الأراضي الفلسطينية، ولا سيما القدس المحاصرة بالأطماع الاحتلالية الاستيطانية من كل فجٍّ عميق وسحيق.
واليوم لم يقف الأمر عند هذا الحد القاتل لنا أرضاً وشعباً، بل يتعداه من خلال، اتخاذ إجراءات وسن قوانين جديدة أكثر عدوانية وسفورا بذات الاتجاه والأهداف، حيث يجري العمل على قدم وساق ليس لتهويد الأرض وحسب وإنما لتهويد المهاجرين ممن لا دين لهم كالإرهاب، ليصبحوا يهوداً تزداد بهم نسبة اليهود على العرب في حرب الديموغرافيا المندلعة منذ النكبة وما قبلها، الأمر الذي تجلى مؤخراً بالسماح للحاخامات بتهويد المهاجرين الذين تدفقوا خلال السنوات الأخيرة وقبلها على إسرائيل، وجلهم كانوا فارين من ضنك العيش والفقر المدقع والاضطهاد الفكري والاقتصادي والسياسي في البلد الأم، وخصوصاً القادمين الجدد من روسيا وبلدان الاتحاد السوفييتي الآفل، ومن الدول الأفريقية كأثيوبيا والسودان، وما زال الحبل مسحوباً على الجرار والغارب في آنٍ معاً. ولا يخفي الاسرائيليون الحقائق في هذا الأمر، ويشهد على ذلك ما تبذله إسرائيل من نفقات على عقد المؤتمرات واللقاءات الهادفة لتشجيع استقدام المهاجرين الجدد ولا سيما مؤتمر هرتسيليا الدوري سنوياً. ناهيك عن اعترافهم بأن 65% من المهاجرين الجدد هم ليسوا يهوداً، وإنما جرى تهويدهم واعتناقهم اليهودية بعد مجيئهم الى اسرائيل.
هذا ما يجري على الطرف الآخر لمنتصف ليلنا. أما ما يجري على الطرف الأول لمنتصف ذات الليل، فهو العجيب بامتياز من أمرنا. ففي الوقت الذي تتنامى وتتراصف به ديمغرافية وجغرافية دولة الاحتلال، عبر إجراءات وانتهاكات يومية وقوانين وأوامر احتلالية ظالمة على كل المستويات من أخمص هرم الدولة وحتى رأس الهرم، نشاهد بموازاة ذلك عمليات الهدم والتدمير والتفكيك العرقي والطائفي الذاتي والمختلط والموضوعي القائم على التدخل الخارجي، وقطع الجذور والأوصال في العالم العربي على امتداد خارطته القديمة المطلوب رأسها، حيث الدواعش تنهش الذات الوطنية والعربية وتقتل وتدمر وتفكك بلا حساب طبقاً للمواصفات وحسب الطلب الجاري رسمه على الجانب الآخر للمنتصف. وها هي سورية تترنح في صراع دمار شامل، بأيدٍ سورية وأجنبية مستوردة وخارجية، وها هو العراق يغرق في أوحال التفكك والطائفية المقذعة، والكومبرادورية المتواطئة المفزعة، بأيدٍ عراقية عربية داعشية فارسية ودولية، وكذلك ليبيا وما يجري في مصر وفلسطين، وكل ذلك يجري لمستقرٍّ واحد لمصلحة المستفيد الأول والثاني، في إطار الفوضى الخلاقة السائرة قدماً نحو بناء الشرق الأوسط الجديد الذي خُبِّرنا عنه.
واليوم يا سادتي يخرج علينا بعض المهرطقين في الدين والسياسة، فنجد محمود الزهار القيادي في حركة حماس، يعلن أنه ما لم يُرفع الحصار فلن نلتزم بما تم الاتفاق عليه، وكأنما وقف إطلاق النار قد جاء على خلفية استسلام العدو في المعركة المشؤومة إبان العدوان الأخير على غزة. ناهيك أن ذات هؤلاء المتدعوشين يسعون بذات القوة من جانبهم لإفساد ما تحقق بشأن إنهاء الانقسام ، فيفجرون في وضح النهار منازل المناضلين في غزة، في ظل الصراع الدامي المحتدم على جبهة الأقصى في القدس وباقي المدن الفلسطينية، ومثل هذا السلوك يحاكيه على الطرف الآخر ما يقوم به المستوطنون والمتطرفون الإسرائليين لمنع أي تقدم تجاه السلام وحل الدولتين الذي يكابد من أجله الفلسطينيون حثيثاً. وليس بعيداً عن كل هذا الجو الدامس الطامس للنور والتنوير، يطالعنا مفتي مدينة نابلس مطلقاً مزامير الفتنة من حيث يدري أو لا يدري، بالدعوة لإعادة النظر بالسماح لأهلنا فلسطينيي عام 1948، الذين صبروا وصابروا وصمدوا في وجه كل أشكال القهر والتهجير والاضطهاد العنصري الكولونيالي المبكر والحاضر، منذ النكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا، من دخول مدينة نابلس والمحافظات الفلسطينية، وذلك بدعوى الآثار السلبية على أخلاق مجتمعنا وأمواله وأبنائه وأعراضه، على حد زعمه !! وكأن فلسطين والفلسطينيين ناقصهم تقسيم وانقسامات، الحافظ الله !!
وتأتي هذه الممارسات والتصريحات اللامسؤولة، في ظل أجواء التصعيد الاسرائيلي المحموم، والهجمة الاستيطانية العنصرية والممارسات الاحتلالية المقصودة والمفتعلة، لا سيما في القدس والأقصى والأغوار.
فلمصلحة من يجري كل هذا ومن هو المستفيد جراء ذلك التشابك العجيب في الممارسات المتطرفة على طرفي هذا الليل القاسي بنا والقاصي بحقوقنا ومصالحنا؟!
نحن بأمس الحاجة لتوحيد الجهود والتراصف والتنسيق الداخلي والخارجي مع كل ذي شأن وعلاقة، ولا سيما مع مصر والأردن الشقيق الواقف معنا في الخندق الواحد للتصدي لهذه الهجمة العنصرية ذات الطابع الاستعماري البغيض، معتصمين بحبل التاريخ والجغرافية والديمغرافية والمصير الواحد وتوازنات المصالح، إذ كلنا في الهم شرقُ وكلنا في الغَمّ غربُ، وفي قلوب الدنيا استوطنت الحربُ.
[email protected]

التعليقات