نعم ... لوقف التطرف والتنطع

نعم ... لوقف التطرف والتنطع
بقلم الأستاذ الدكتور رياض علي العيلة

التطرف في اللغة العربية يعني البعد عن الوسط والوقوف في الطرف... والتطرف في الشريعة الإسلامية أقترن بالغلو والتنطع والتشدد... وهذه الأمور نهى الإسلام عنها بقوله جل جلالته " لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ... وقول الرسول الكريم " إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم من غلو في الدين".. والوسطية هي خاصة أساسية من خصائص الإسلام...والتطرف في الوسطية يعني الالتزام بالجهاد بكل أنواعه وعدم التفريط فيه ... وفي الحركات السياسية فقد أقترن التطرف والتشدد والبعد عن الوسطية، والنقيض للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر..كما يعني التطرف الارتكاز على مفهوم الاستبعادية النظرية العملية، بما يسمح بتوظيف وسائل عنفيه مع الآخر الذي يختلف في الرأي والمنهج... والتطرف يعيش في عزلة عن المجتمع.... على الرغم من ذلك... فالتطرف ليس مقصورا على الحركات الإسلامية... الذي نشهدها حاليا في المنطقة العربية ( داعش وجبهة النصرة والهجرة والتكفير والجماعة الإسلامية والقاعدة ...... بل وقد وجدت بشكل حاد في المسيحية واليهودية والبوذية وبشكل خاص في الولايات المتحدة الأمريكية... وفي الحركة الصهيونية... وفي الهند..

ومع انتشار القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، أصبح العالم بيت صغير تتواصل فيه المعلومات ... بما فيها ثقافة التطرف... من كل أنحاء العالم ... دون طرق الباب ودون الاستئذان ...وترك المجال للأشخاص بغض النظر عن عرقهم ودينهم وثقافاتهم وانتماءاتهم ... أن تدخل هذا البيت الصغير، وعليه أصبح الإنسان العربي والمسلم عرضة للغزو الثقافي دون أن يختار الثقافة التي يريدها...

انطلاقا من ذلك فإن دورا حاسما يقع على عاتق العلماء والباحثين التصدي لهذه الاختراقات الثقافية التي تؤدي إلى زيادة وتيرة التطرف لدى الشباب، وذلك عبر تشكيل فرق ومجموعات متخصصة لمتابعة تلك القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية... والمشاركة فيها لمواجهة تلك الغزوة الثقافية الغربية وتغيير اتجاهها نحو ثقافة إسلامية وسطية مبنية على الرؤية المشتركة لمختلف الرؤى الإسلامية... تساعد بشكل خاص جيل الشباب الذين يشكلون النسبة الكبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي... في إبعادهم عن التطرف والالتزام بالوسطية...وصولا إلى بناء جيل من الشباب العربي والمسلم القادر على التعايش مع الحضارة والتطور... وبنفس الوقت يكون متمسكا بثقافته وحضارته وعاداته وتقاليده المبنية على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة...

وعليه... فإن غزو الثقافة الغربية للثقافة الإسلامية يتأتي من خلال بوابة الجهل والتخلف لدى السكان، وبالتالي لابد من التركيز على نشر الثقافة الإسلامية  والمعرفة الدينية للسكان ... وعلى برامج محو الأمية ...التي ستساعد في مواجهة غزو الثقافات الغربية التي تبحث دائما عن أماكن الضعف، كما ويمكن مواجهة ذلك من خلال تكثيف الندوات والدورات التثقيفية وخاصة للجاليات العربية والإسلامية في بلاد الغرب... إلى جانب زيادة أعداد علماء الدين الذين يتوجهون لبلاد الغرب للمساهمة والمساعدة في إعداد الشباب المسلم وعدم تركهم للنزعات المتطرفة التي تتبناها بعض الفرق الإسلامية والتي تضر بالإسلام والمسلمين... كما يتطلب توحيد الفتاوي الدينية وتحديد الجهة التي تقوم بها وخاصة على القنوات الفضائية التي أصبح لكل قناة دينية ركن للفتاوى، مما يؤدي إلى التشويش على المعلومات لدى الإنسان المسلم العادي... إضافة لذلك يتطلب الأمر عدم التهاون مع من يتطوعون للفتوى دون فقه وعلم وكذلك مراقبة ومتابعة الفضائيات التي أصبحت تجارة رابحة... تساهم في زرع الفرقة وبث التعصب من خلال تضارب في الفتاوي ...وفي انتشار الفرق المتطرفة التي أضرت بالإسلام وبسمعة المسلمين... وعليه يتطلب من الدول العربية والإسلامية وقف مثل هذه الفضائيات وعدم التصريح لها وخاصة أن غالبية الفضائيات الدينية الخاصة تبث من خلال القمر الصناعي العربي "عرب سات" و "نيل سات" وهذا ممكن من خلال جامعة الدول العربية بسن قرار بقانون يوقف مثل تلك الفضائيات التي في الغالب تشوه الإسلام وتبث الفرقة بين أبنائه. إلى جانب إيجاد خطاب ديني موحد وتوحيد الإرادات السياسية والحكومية لرفع شأن الإسلام والين والثقافة الإسلامية... ويحتاج الأمر إلى تشكيل جسم وحدوي من علماء المسلمين يعملون على بناء إستراتيجية موحدة ترتكز على أسس سياسية واقتصادية وتعليمية...وتجربة دول الاتحاد الأوروبي الذين بدؤوا وحدتهم بالوحدة الاقتصادية وبناء وحدات سياسية على طريق الاندماج والوحدة السياسية... فالمسلمون والعرب أحوج لأن يتوحدوا بدأ بتوحيد المفهوم الإسلامي الوسطي.. الذي  يتطلب … إعادة كتابة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مستخدما الوسائل الحديثة وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية….واستئجار أوقات زمنية في القنوات الفضائية الدولية وخاصة خلال فترة المناسبات الإسلامية….وبناء أنظمة سياسية تقوم على أساس حرية الرأي والتعبير والدورية والاختيار على أساس الكفاءة ومشاركة المواطن في القرار من منطلق وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ " وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ "…وإدخال الثقافة الإسلامية في المناهج الدول الغربية من خلال عقد اتفاقات لذلك.

تأسيسا على ذلك ... فإن التطرف لدى الحركات السياسية يتأتي من خلال استخدامها للوسائل التي ليس لها صلة بالإسلام... والتي جاءت من خلال القصور في فهم الدين بصورة صحيحة وفهمها بصورة ظاهرية دون التعمق بالمعنى... وعبر الالتباس في مفاهيم الإيمان والكفر والإسراف في التخوين!! ... وتستخدم الدين وسيلة لتنفيذ أهدافها وتحقيق مآربها لمصالحها وأهدافها التي هي بالأساس أهداف ومصالح سياسية تسعى من خلالها إلي السيطرة على العباد دون الحفاظ على ما أنزله الله، وبنفس الوقت...لم يسجل التاريخ أن هناك علماء مسلمون قد نظروا للتطرف!! بل جاء من خلال التمسك بالتطبيق والتنفيذ للتفسير المغلوط لما جاء في الكتاب والسنة النبوية...

فكيف يساهم المجتمع والعلماء والباحثين في وضع حد للتطرف والغلو في الدين في بعض الحركات الإسلامية التي شوهت الإسلام والدين الإسلامي؟... للإجابة يحسن القول ...أن العمل يتطلب التركيز على ركائز الإسلام الأساسية وتفسيراته من علماء وفقهاء الوسطية الدارسين لكتاب الله وسنته النبوية...رؤية تهدف إلى دراسة الأثر السياسي على المنطقة العربية...وتسهم في وقف عملية التطرف السياسي في المنطقة العربية والإسلامية منها...وتساهم في الاستقرار السياسي ... وسيؤدي حتما إلى إضعاف التطرف من خلال عدم إقبال الشباب العربي والمسلم على اللجوء للأفكار المتطرفة... لأن التطرف والغلو لا يؤدي إلا إلى التهلكة... وأختم بقول الله جل جلالته "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ "

التعليقات