إسرائيل في مواجهة العالم
عكيفا الدار
كلما أمر رئيس الحكومة ووزرائه بتقديم خطة جديدة للبناء فيما وراء الخط الأخضر؛ يلح السؤال: ألا يعلم قادة إسرائيل ان سياساتهم تجر اسرائيل الى العزلة عن الغرب الذي يعتبر الاستيطان في المناطق المحتلة بطاقة حمراء؟ ما الذي دار في خلد وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان عندما وبخ بغرور حكومة السويد التي تجرأت على الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 وقال في الـ 30 من أكتوبر المنصرم "على السويد أن تفهم ان العلاقات في الشرق الأوسط أكثر تعقيداً من تركيب مكعب ايكيا"؟توجد اجابتان ممكنتان لهذا السؤال؛ الأولى: البناء الاستفزازي وطول اللسان تخفي الثقوب التي أثقلت السفينة الشراعية، يعني (البرنامج الاساسي) للحكومة، والذي يحتوي على قضيتين أساسيتين، كبح جماح البرنامج النووي الإيراني وشطب الصراع مع الفلسطينيين عن جدول الأعمال القومي. والجواب الثاني: يعتقد المستوى الرسمي في إسرائيل ان انتقاد الاستيطان ما هو الا ذريعة لسحق دولة اليهود من قبل قادة عنصريين او جهات لها مصالح في العالم العربي، ومن هنا فلن يكون لأفعال اسرائيل او افتراضاتها أي تأثير على الموقف العدائي لواشنطن والسويد.
ليست السويد هي العضوة الأوروبية الأولى التي طالتها بذائة لسان ليبرمان؛ فقبل ثلاثة سنوات، وكرد على اعلان مشترك لكل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا يستنكرون فيه البناء في المستوطنات والأعمال الارهابية اليهودية المعروفة بـ "دفع الثمن"، أعلن ليبرمان ان الدول الثلاثة الرائدة في أوروبا "فقدت مصداقيتها وأصبحت غير ذات أهمية"، رئيسة المعارضة في حينها تسيبي ليفني ردت بالقول ان الحكومة تضر بأمن إسرائيل، إذ انه "بدون الحصول على الشرعية من العالم فلن تستطيع إسرائيل التحرك ضد الارهاب"، وأضافت ليفني "لا مصداقية اليوم لرئيس الحكومة، الوضع يمكن ان يبلغ حداً تتضرر عنده نظرة أصدقائنا في العالم الى إسرائيل".
في يناير العام الحالي – وهذه المرة تجلس ليفني على طاولة الحكومة – ضم نتنياهو دولتين أوروبيتين مركزيتين اضافيتين الى قائمة الموبخين، فعل ذلك كرد على استدعاء سفراء اسرائيل في روما وباريس ولندن وبرلين ومدريد الى وزارات الخارجية المحلية هناك، بهدف ابلاغهم احتجاجات رسمية على الاعلان عن عطاءات جديدة للبناء في المستوطنات، في اشارة للاتحاد الأوروبي زعم نتنياهو أمام مراسلين أجانب مقيمين في اسرائيل انه "آن أوان الكف عن النفاق" ذلك ان الدول الاوروبية لم تستدع السفراء الفلسطينيين لمناقشة التحريض ضد إسرائيل، وأضاف نتنياهو انه وعلى عكس زعم الأوروبيين بأن توسيع المستوطنات يقضي على حل الدولتين؛ فإن الأمر ليس له أي تأثير على خارطة الضفة الغربية.
وبعد حوالي شهرين، وفي العاشر من مارس، وسع نتنياهو قائمة المنافقين، فقد اتهم رئيس الحكومة المجتمع الدولي جميعه بالنفاق في الموضوع الايراني بعد تنصله – وفق قوله – من ضبط سفينة السلاح التي أبحرت من إيران وعلى متنها مئات من الصواريخ بعيدة المدى، والتي وقعت في كمين لسلاح البحرية الإسرائيلية، وفي هذه الأيام وعلى خلفية الأخبار المتعلقة باتفاق وشيك مع إيران في الملف النووي شرع وزراء اسرائيليون بهجوم اعلامي ضد القوى العظمى بوصفهم الاتفاق انه في أحسن الأحوال صفقة خاطئة، وفي أسوئها بأنه بيع للمصالح الأمنية الاسرائيلية مقابل طبق من حساء العدس.
استدعى وزير الخارجية ليبرمان سفير اسرائيل في السويد يتسحاك بكمان للتشاور، ووفق التلميحات القادمة من اسبانيا ومن فرنسا فإن سفيري اسرائيل في باريس ومدريد من المتوقع ان يحظيا هما أيضاً عما قريب بإجازة غير قانونية في الوطن، ماذا سيقول ليبرمان للإسبان عندما يعترفون بفلسطين؟ هل سيقول لهم ان الشرق الأوسط أكثر تعقيداً من تشكيل فريق كرة قدم؟ وأي برقية سيرسل للفرنسيين؟ ان منطقتنا أكثر تعقيداً من تجميع سيارة رينو؟ وماذا لدى ليبرمان ليقوله لخمسمائة اسرائيلي من بينهم وزيرين سابقين وسفراء متقاعدين وجنرال احتياط، والذين وقعوا على رسالة تدعو الحكومات الأوروبية للاعتراف بدولة فلسطين؟ انهم يعتبرون أنفسهم مواطنين في دولة اسرائيل حريصين على أمنها وسلامتها، وانهم قلقين من الجمود السياسي، ومن مواصلة الاحتلال والمستوطنات، يزعم الموقعون للأوروبيين ان بقاء اسرائيل وأمنها مرتبطان بإقامة الدولة الفلسطينية على أساس حدود 1967 ومن خلال اعتراف اسرائيلي بفلسطين واعتراف فلسطيني بإسرائيل، ماذا إذاً؟ هل عليهم أيضاً ان يطلبوا من ليبرمان درساً خصوصياً حول العلاقات في الشرق الأوسط؟
من بين الموقعين على الرسالة البروفيسور دانيال كانمان الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد العام 2002، واحد من بحوث البروفيسور كانمان الأولى يعالج طرق اتخاذ القرارات في ظروف عدم التيقن، تصرفات حكومة نتنياهو وليبرمان وبنيت ولبيد وليفني هذه الأيام في مجال العلاقات الخارجية يمكن ان تشكل مادة لبحث خاص حول طريقة اتخاذ القرارات في ظروف عدم التيقن المتصاعدة في الشرق الأوسط، منذ زمن ليس بالبعيد همس دبلوماسي رفيع في أذني "ألا يفهم هؤلاء القوم انهم يعزلون اسرائيل عن العالم؟ هل يظن هؤلاء فعلاً ان اسرائيل تستطيع ان تعزل العالم؟".

التعليقات