مسرحية مخزنة الدولة والمجتمع تفوز بالجائزة

رام الله - دنيا الوطن
مخزنة الدولة والمجتمع هو نقيض شعار دمقرطة الدولة والمجتمع، هذا الشعار الذي شكل العنوان العريض للمشروع المجتمعي لقوى التحرر المغربي.

والآن وبعد مضي ستة عقود على الاستقلال الشكلي لبلادنا، مرحلة كانت مليئة بصراع محتدم حد التصادم الدموي، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا وترابيا، تخللته كذلك تقاربات وتصالحات لم تكتمل (الفرص الضائعة).

في الزمن القريب شكلت صرخة حركة 20 فبراير 2011 محطة إعلان فشل الأحزاب التقدمية في تحقيق مشروع دمقرطة الدولة والمجتمع، حيث بادرت الدولة إلى احتواء الحركة بالاستجابة لبعض المطالب، كان أبرزها دستور 2011 على مستوى نظام الحكم واتفاق 26 أبريل 2014 على المستوى الاجتماعي والنقابي.

هذه المكتسبات التي أفرغت من محتواها باسم تفعيلها وتنزيلها ولا تزال، خصوصا بعد التراجع النسبي لحركة 20 فبراير التي مازالت رغم ذلك حية لموضوعية مطالبها، رغم شماتة المتخاذلين والانتهازيين وتحول جل قادة القوى السياسية المشاركة في المسرح السياسي الرسمي إلى لعب دور الكومبارس لنص وإخراج مخزني بشقيه الحكومي والمعارض للحكومة.

إلا أن هذه المسرحية رغم إتقانها الجيد وفق تقنيات دولة الحق والقانون، باتت ولازالت تعرف مقاطعة الجمهور لفصولها، ولا يهتم لعرضها إلا نسبة 20% على الأكثر وأغلبهم تمنح لهم بطاقة الدخول مجانا مرفوقة بأتاوة، ورغم هذا النفور/ المقاطعة، فإن المنظمين لم يملوا من المراهنة على توسيع قاعدة الملتحقين بالمسرحية بإبتداع إشهارات وإضافة روتوشات على المسرحية لإظهارها بأنها الديمقراطية عينها أو عملية البناء الديمقراطي، الواجب فهمه وتفهيمه للمواطنين العازفين والغير العارفين.

فعلا المواطنون عازفون بحسهم وفطنتهم الشعبية، وليسوا بالضرورة قادرين على التفسير والتحليل، لكنهم متيقنين بأن كل ما يجري هو مخزني وفي خدمة المخزن الذي تقوى حتى مدنيا (عند السيڤيل). فما هو هذا المخزن يا ترى؟، وكيف له أن يتقوى وأكثر من ثلاثين نقابة توحدت في قرار وتنفيذ الإضراب العام الوطني ليوم 29 أكتوبر، بما فيها نقابات لم يسبق لها قط أن ساندت الإضراب العام الوطني؟.

المخزن هو مصطلح/ مفهوم مغربي خاص بوصف النظام السياسي/نظام الحكم، وهو نمط سلطاني قديم، له قدرة هائلة على التكيف وطنيا ودوليا، وإعادة إنتاج مقوماته، وبالتعريف الحديث نمط حكم استبدادي مهما اختلفت مسمياته في الأنظمة الغير الديمقراطية ملكية كانت أم جمهورية، حيث يكون المجتمع في خدمة الدولة وتابع لها (الرعايا رغم استعمال قاموس المواطنة)، وبالتالي فإن قوة الدولة تستمد من ضعف المجتمع المدني ومكوناته، التي يسمح لها في أحسن الحالات بالمشاركة في التسيير وليس التقرير (كما هو حال بن كيران وحكومته الملزمون بالتصريح بأنهم يقررون، ومعارضة الحكومة التي تعرف أنها لا تقرر وتحاسبها بأنها هي المقررة !).

هذه الوضعية التي نجح المرحوم الحسن الثاني في وضع أسسها، طيلة حكمه الدامي في صراعه مع قوى التحرر، صاحبة مشروع دمقرطة الدولة والمجتمع، في إدخالها نهائيا إلى القفص/ الآلة المخزنية الرهيبة، باسم المشاركة في الحكم والتداول والتناوب، والذي كان آخر ضحاياه الأقوياء الاتحاد الاشتراكي الذي أطلقت عليه قيادته الرصاصة النهائية، بعد مشاركتها في حكومة جطو سنة 2002، والآن وبعد الاضراب العام الأخير والغريب، الذي شكل الرصاصة الأخيرة لحزب  المصباح وحكومته، وليس الحكم الرابح الأول من هذا الإضراب، الذي يعتبر الأول بعد دستور 2011 رغم عدم صدور القانون التنظيمي المنظم للإضراب، هذا الإضراب شكل حجة قوية للرد على مزاعم فرنسا بأن المغرب غير آمن، هذا الإضراب الذي يأتي والمغرب يستعد لاحتضان الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان أواخر هذا الشهر بمراكش، والملتقى العالمي للمقاولات ورجال الأعمال.

إنه إضراب وطني عام ضد الحكومة وليس الحكم، هذا الأخير الذي أصبح بفضل ما سبق والإضراب العام في موقع السيادة على دولة يحكمها القانون وفق فصل السلط وتتداول فيها السلطة بنتائج صناديق الإقتراع، على أرضية الحرية والمواثيق الدولية والحق في التعبير والاحتجاج وحتى الإضراب العام ضد الحكومة عفوا ضد بن كيران؟ !.

إن الزمن المغربي الحالي يعيش فعلا على مستوى الإخراج الفني السياسي دولة الحق والقانون، التي مهما اختلفت تسمية أنظمة حكمها، سواء كانت ملكية أو جمهورية يبقى تعريفها أن دولة القانون والمؤسسات، تكون السيادة فيها للشعب عبر سيادة القانون، الذي يجعل الدولة في خدمة المجتمع المدني وتتقوى بقوته، أي أن دولة المؤسسات في مصلحتها وتتغذى وتكسب مناعتها من مجتمع مدني قوي في قواه السياسية والحقوقية والنقابية والمهنية والجمعوية، قوي بسكانه الذين يستفيدون من الخدمات الطبية ويشفون في مرضهم وينصفون قضائيا في ظلمهم ويكون التعليم العمومي مجانيا بكل أسلاكه لأنه حقا و ليس امتيازا لأبنائهم، والشغل والبيئة والسكن و باقي الخدمات.

إن الزمن المغربي الحالي هو زمن مغربين، واحد للأغنياء/ الأقلية التي تملك أغلبية الثروات وتستفيد وأبناؤها من كل الخدمات، ومغرب آخر (شعيبة) للسواد الأعظم حيث المرض والجهل والبطالة والظلم، رغم بطاقة الرميد، والحوارات الوطنية لإصلاح التعليم (الدارجة لشعيبة لتخريج العمال والمستخدمين)، والقضاء ومنتديات المجالس الاقتصادية والاجتماعية والترفيهية والفلكية.

إن الزمن المغربي الحالي وخصوصا بعد إسقاط الطابع السياسي المشكل أصلا لهوية الإضراب العام، عن إضراب 29 أكتوبر، قد أكمل فيه المخزن قبضته وحقق بالمعكوس مطلب دمقرطة الدولة والمجتمع بمطلب مخزنة الدولة والمجتمع.

إلا أن رمزية تزامن الإضراب العام مع اليوم الوطني للمختطف والذكرى 49 لاختطاف المهدي بنبركة (بقية ثلاث سنوات لرفع الدولة الفرنسية لطابع السرية عن ملفه) والذكرى 42 لاختطاف الحسين المانوزي، بالإضافة إلى أغلبية الشعب التي توجد خارج المسرح السياسي الرسمي/ الشرعي والقوى الفاعلة فيها: تيارات اليسار، النضال الحقوقي، العدل والإحسان، وما خفي أخطر على الطرفين، يجعل هذا الوضع وهذا الاستقرار الأمني، يفتقد للأساس أي الشرط الاجتماعي، الذي بدونه لا يمكن الكلام عن الاستقرار الدائم والأكيد، ويجعل التطلع لعودة الدينامية الديمقراطية الغير الممخزنة أكيدة.

ونورد مثال ما ورد في مقدمة البيان التقييمي للاتحاد المغربي للشغل/ التوجه الديمقراطي السكرتارية الوطنية في هذا السياق:            

لذا فإن الحركة النقابية العمالية مطالبة، وفاءً لالتزاماتها مع الشغيلة، وجوابًا على تعنت المخزن والباطرونا المرتقب والمناورات الحكومية المنتظرة، بالاستعداد القوي لتفعيل الطابع الإنذاري للإضراب العام الوطني ليوم 29 أكتوبر وذلك بتصعيد العمل النضالي الوحدوي من خلال إضراب عام وطني جديد أكثر قوة ومن خلال مسيرات عمالية وشعبية بجميع المناطق وأساليب نضالية وحدوية أخرى.

إن النضال المتجسد في الإضراب العام الوطني ليوم 29 أكتوبر قد يكون، رغم طابعه الوحدوي ورغم نجاحه، غير كاف لانتزاع المطالب الملحة للشغيلة ببلادنا ويجب على الحركة النقابية العمالية أن تستعد للتصعيد النضالي كبديل وحيد للإحباط الذي قد يصيب الموظفين/ات والمستخدمين/ات والعمال والعاملات بسبب التجاهل الحكومي لمطالبهم. وهنا، على جميع المناضلين/ات استحضار المقولة الرائعة : "ما لا يحقق بالنضال ينتزع بنضال أقوى وأشمل".

 

التعليقات