خطبة الجمعة للعلامة السي علي فضل الله

رام الله - دنيا الوطن
 عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالالتزام بوصية الله عندما قال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}؛ أن نتّقي الله في السرّاء والضرّاء، وفي السرّ والعلن، وفي حالتي الرضا والغضب، فلا نستبدل برضا الله رضا غيره، ولا بطاعته أو خشيته، طاعة غيره أو خشيته.

ومن التقوى، أن نحقّق ما دُعينا إليه في يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة، من المؤاخاة، فقد أراد الله لهذا اليوم أن يكون يوماً يتآخى فيه المسلمون، ويتخذ كل واحد منهم أخاً له في الإيمان، أو أكثر من أخ. وهذا اليوم هو اليوم الّذي آخى رسول الله بينه وبين أصحابه، وطلب فيه منهم أن يتآخوا فيما بينهم.

وقد أشارت الأحاديث إلى صيغة هذه المؤاخاة، وهي أن يضع المؤاخي يده اليمنى على اليد اليمنى لمن يريد مؤاخاته، ويقول: "وآخيتك في الله، وصافيتك في الله، وصافحتك في الله، وعاهدت الله وملائكته وكتبه ورسله وأنبياءه والأئمة، على أني إن كنت من أهل الجنة والشفاعة، وأذن لي بأن أدخل الجنة، لا أدخلها إلا وأنت معي".

أيها الأحبَّة، إننا بحاجةٍ في هذه المرحلة إلى تفعيل روح الأخوَّة بين المسلمين والدّعوة إليها، لتساهم في تماسك المجتمع الإسلامي وتقويته، فهي أهم رابطة، لكونها رابطة تتصل بالعقل والقلب والروح والسلوك والأهداف، فبالأخوة الإيمانية، استطاع المسلمون أن يبنوا المجتمع المتكامل والمتعاون والمتحابّ، وأن يحقّقوا الانتصارات ويصلوا إلى أهدافهم، وبالأخوة نتحّد ونتماسك، ونواجه التحديات، وهي كثيرة.

والبداية من لبنان، الّذي تستمر معاناته في حدوده الشرقيّة، في ظلّ تصاعد الاعتداءات فيها، ما بات يشكّل تهديداً لا يقف عند حدود القرى المحاذية للسلسلة الشرقيّة، بل يمتدّ إلى أبعد من ذلك، وصولاً إلى الداخل اللبنانيّ.

إنّنا أمام هذا الواقع، نعيد دعوة القوى السياسية إلى استنفار جهودها، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة هذا الخطر الذي لا يتهدَّد طائفةً معينة، أو مذهباً معيناً، أو منطقة لبنانية معينة، بقدر ما يتهدَّد كلّ الطوائف والمذاهب والمناطق، كما يتهدّد استقرار الوطن ووحدته.

وهنا، نقول: إنَّ من المعيب أن يواجه كلّ هؤلاء المجاهدين الذين يدافعون عن تلك الحدود، ويبذلون الغالي والنفيس في هذا الطريق، بنكران الجميل وبالاتهامات الظالمة، بدلاً من أن يقدروا ويرفعوا على الأكتاف. إن المرحلة تحتاج إلى الكبار الذين يرتفعون إلى مستوى هذا التحدي، ليضعوا جانباً كل الحسابات الصغيرة، لحساب حماية الوطن وبقائه موحداً وقوياً، ولا يمكننا أن نواجه كلّ هذا التحدي بالترهّل الّذي تعانيه الساحة اللبنانية، على المستوى السياسي والاقتصاديّ والأمنيّ.

وفي الاتجاه نفسه، يستمرّ الخطر الصّهيوني ماثلاً، باختراقه المتكرر والمستمر للسيادة اللبنانية، براً وبحراً وجواً، مروراً باستهداف الجيش اللبناني، وصولاً إلى اعتداءاته المتعددة الوجوه على الساحة اللبنانية، واستمرار احتلاله لمزارع شبعا.

لقد اعتقد العدوّ أنّه بذلك فرض أمراً واقعاً، وأنه بات يملك حرية الحركة، في ظل انشغال المقاومة والجيش اللبناني بما يجري على الحدود الشرقية.. ولكنّ العملية التي قامت بها المقاومة الإسلامية في مزارع شبعا المحتلة، جاءت لتعيد تصويب الأمور، ولتشعر العدو مجدداً بأنها لا تزال حاضرة، وأنّ عينيها لا تغفلان عنه وعن مخططاته، وهي على استعداد لرد العدوان بمثله.

ويبقى الجرح المفتوح، جرح مخطوفي الجيش اللبناني، ولذلك، ندعو الحكومة اللبنانية مجدداً إلى اجتراح الحلول المتاحة التي تساهم في عودة هؤلاء إلى أهلهم ومحبيهم، بحيث يشعر أهالي العسكريين بالاطمئنان إلى قيام الدولة بمسؤوليتها تجاه جنودها، والمتابعة الجادة لهذا الأمر، وإبقاء خياراتها مفتوحة، واستعمال كلّ عناصر القوة لديها.

وفي الوقت نفسه، نكرّر دعوتنا للأهالي إلى عدم السماح للخاطفين بأن يجعلوا من آلامهم وجراحهم معبراً لتعزيز شروطهم وزيادة ضغطهم على الدولة اللبنانية. وإذ نقدّر خوفهم على أولادهم، ولا سيّما في ظلّ تهديدات الخاطفين اليومية بذبحهم أو قتلهم، نعيد تذكيرهم بأن يأخذوا بالاعتبار روحية أبنائهم، فقد نذروا أنفسهم لخدمة الوطن والتَّضحية من أجله، ودخلوا في طريق يعرفون مسبقاً ما قد يواجههم فيه.

وفي مجال آخر، وسعياً لتثبيت الساحة الداخلية وتقويتها، نعيد دعوة الدولة إلى القيام بمسؤولياتها تجاه مواطنيها، في ضبط الأسعار، وفعل كلّ ما يساهم في التخفيف عن كاهل الطبقات المستضعفة، لا سيما فيما يتعلق بأزمات الكهرباء والماء والدواء وغيرها، والعمل للوصول إلى حل سريع لسلسلة الرتب والرواتب، في الوقت الذي ندعو إلى تعزيز التكافل الاجتماعي بين مختلف فئات المجتمع، بحيث يشعر الجميع بأنهم جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.

ونصل إلى فلسطين، التي تستمر معاناة شعبها، فالعدو الصهيوني يصرّ على ممارساته العدوانية، في الاستيطان في الضفة الغربية، وحصار غزة، في الوقت الذي تتكرر اعتداءاته على المسجد الأقصى، ما بات يستدعي رفع الصوت عالياً في وجه مخططاته الهادفة إلى النيل من الأقصى الشريف ومن كل فلسطين.

أما اليمن، فإننا نخشى أن تنتقل إليه بذور فتنة تحضر له، والّتي تمثلت في التفجيرات الأخيرة التي حصلت في صنعاء، وأدت إلى سقوط عشرات الضحايا من المشاركين في الاعتصام السلمي، ما بات يستدعي ضرورة العمل السريع لحلٍّ سياسيٍّ للأزمة، بما يحقّق الاستقرار والوحدة الداخليّة، ويحلّ الأزمات المستعصية الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي يعانيها هذا البلد.

وفي إطار الحديث عن التّحالف الدولي، فإنَّنا في الوقت الذي نؤكد ضرورة مواجهة خطر الإرهاب، ننظر بريبة إلى أسلوب التعامل مع هذا الملف، في ظل وجود أكثر من علامة استفهام حول جديته وفعاليته وأهدافه الانتقائية، ووسط الحديث المتكرّر عن أنّ المشكلة لن تنتهي قبل عشرات السنين، ما يوحي بأن هناك ما هو أبعد من مواجهة الإرهاب، وقد يكون الإرهاب مطية للوصول إليه.

ويبقى أخيراً، في ظلّ كثرة حوادث السير، أن نعيد التشديد على الحكم الشرعي بعدم جواز تخطي السائقين السرعة المحددة، حفاظاً على حياتهم وحياة من معهم. ونقول لكل هؤلاء: إن حياتكم وحياة الآخرين مسؤولية لا بد من حفظها، ولا يجوز التفريط فيها، فلا تذهب أرواحكم وأرواح الآخرين استجابة لمزاج أو بسبب حبّ المغامرة.

 

التعليقات