في ذكري استشهاد ماجد أبو شرار

في ذكري استشهاد ماجد أبو شرار
(نم يا حبيبي ساعة)
**مهداة لروح الشهيد ماجد أبو شرار**
صباحُ الورد يا ماجدْ قُمِ اقرأ سُورةَ العائدْ وشُدَّ القَيْدْ على بَلَدٍ حملناهُ كوشم اليدْ
صباح الخير والأبيضْ قم اشربْ قهوتي وانهضْ فإن جنازتي وَصَلَت وروما كالمُسَدَّس
ثلاثة وثلاثون عاماً تمر اليوم علي ذكري استشهاد الأديب والمفكر والمناضل ماجد أبو شرار ففي مثل هذا اليوم الخريفي الحزين التاسع من أكتوبر من عام 1981 يوم الجمعة الذي صادف أول أيام عيد الأضحي المبارك (والصهاينة خير من يقتل أفراحنا دائماً) قام عملاء الموساد الإسرائيلي ومن عاونهم بتنفيذ جريمتهم الدنيئة باغتيال صاحب عبارة (من يريد أن يستمر فلينظر في عيون الأطفال) لقد أطفأ الأوغاد بريق عينيه للأبد بعد أن سرقوا السنابل منها وسحبوا سجادة الأرض من تحت قدميه , كانت أنظار وأسماع العالم مشدودة في هذا اليوم لحدثين عالميين هامين :تداعيات إغتيال الرئيس المصري أنور السادات قبل ثلاثة أيام من هذا التاريخ وشعائر الحج لذلك العام ,كنت في الثانية عشرة من عمري متسمراً بجانب الراديو مع بعض البالغين من أقاربنا الذين كانوا في زيارة لنا نستمع لإذاعة مونت كارلو فلم يكن عصر الفضائيات والإنترنت قد طرقا الأبواب بعد حتي مرق خبر جانبي بصوت مقدمة نشرة الأخبار البارد والمحايد معلناً ( إغتيال ماجد أبو شرار العضو في منظمة التحرير الفلسطينية في روما) تساءلت حينها بغضب ساذج مالذي فعله ماجد كي يستحق القتل وما الخطر الذي شكله عليهم؟ ألم يكفهم أنهم سرقوا فلسطين بترابها وبحرها وبرتقالها وزيتونها وقمرها (ولا يزالون كالقوارض يقرضون منها القطعة تلو الأخري) ليسرقوا روحه؟ ولماذا يقتل أولاد الأفاعي صاحب (أفاعي الماء) و(الخبز المر) و(الشمس تذوب) ؟ ألم يرتووا من الدم الفلسطيني الذي أوغلوا فيه حتي الثمالة؟ لم يطل الزمن كثيراً كي أكبر قليلاً وأعي قيمة ماجد الفكرية والنضالية في مسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني وكي أعلم بأنهم استشعروا الخطر الذي تشكله أفكاره وكتاباته عليهم أكثر مما تشكله ترسانة أسلحة فنسفوه بعبوة متفجرة زرعت أسفل سريره قذفت بيده بعيداً عن جسده الطاهر وكأنهم يستهدفون تلك اليد التي حملت القلم ونقلت الأفكار نافية المقولة الشائعة بأن القلم لا يسير بجانب البندقية ومؤكدة علي أن دور المثقف لا يقل أهمية عن دور حامل القنبلة في مرحلة الثورة. لست متأكداً من أن ماجداً كان ماهراً في تعبئة بندقيته بالرصاص ولكنني متأكد جداً من أنه كان ماهراً في تعبئة عقول أبناء شعبه وكل الثوريين في العالم بالأمل وبروح الثورة وبتحريض الذاكرة لا بتخديرها وبالتعبئة المستمرة لا بالتحريض الغوغائي وبالحوار المقنع لا بالنقاش الإستفزازي مشكلاً حجرالإرتكاز في هيكل التنظيمات الفلسطينية وحائط سد في وجه مشروع الموت الصهيوني مؤمناً بأن أقصر الطرق لفلسطين هو تحريرها و متوقداً عطاءً مثل شمعة في ذروة احتراقها ملتزماً بإنسانيته مدافعاً عن المسحوقين والمضطهدين الباحثين عن قطعة أرض وشعاع شمس مثابراً كنحلة محلقاً كنسر سكنته فلسطين ولم يسكنها فحملها معه في دياسبورته الفلسطينية إلي جانب أحلام وأماني وتطلعات أبناء شعبه من بكين شرقاً إلي هافانا غرباً مروراً بالخليل وغزة والسعودية والأردن وسوريا حتي بيروت.
تري ما الذي كان يدور في خلدك يا أبا سلام قبل أن تأوي إلي سريرك المفخخ بالغدر والديناميت في فندق فلورا هذا المساء؟هل كنت راضياً عما أنجزته اليوم في المؤتمر العالمي للتضامن مع الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في روما؟ وآآآآهٍ من روما التي دعتك عندها كي تقتلك, هل نلومك أنك صدقت دعوتها أم كانت هي( النداهة) التي تبعت نداءها مسحوراً فكانت كل دروبك مؤدية إليها وكنت فاوست الذي باع روحه ليستكشف أسرار الكون؟
أنا متأكد من أنك كنت تدرك بأن شبح الموت قريب جداً منك وأنك كنت في سباق مع الحياة ليس هرباً منه بل من أجل ما تؤمن به من مثل ٍ ومباديء كأنك ستموت غداً وأن عمرك كان صالة ترانزيت مشرعة بانتظار طائرة الموت فلماذا لم تعقد هدنة معه لتكمل عملك ثم تعود واستسلمت لقدرك علي طريقة أبطال الملاحم الإغريقية وطرت إلي روما كطائر نورس يبحث عن موجة غرقت مستعجلاً لقاء من سبقوك من رفاق الدرب غسان كنفاني وكمال ناصر ووائل زعيترووديع حداد وكما قال بسام هلسه ( أنسيت الفتي المتقد الشفيف وائل زعيتر الذي جرَّب من قبل، وقال لألبرتو مورافيا أن عرب اليوم ليسوا سكان ومخلو قات ألف ليلة وليلة فلم يصدقه حتى استشهد؟) وصدقتهم فاقتادوك لمذبحة أوسع من فضاء المقصلة! ماذا كنت ستفعل لو التقت عيناك بعيون قاتليك؟ هل كنت ستخرج عليهم شاهراً قلمك لتمطرهم بحروفك كي تؤكد لهم أن الكتابة فعل مقاومة علني؟ أم كنت ستسألهم أن يمنحوك يوماً آخراً كي توصل هدايا العيد لأطفالك (سلام وسما وداليا ) علي الجانب الآخر من المتوسط وتعتذر لهم عن عدم قضاء أول أيام العيد في حضرتهم, يوماً آخراً لتعتذر لأمك الثكلي وتسألها بأن تلدك من جديد, يوماً آخراً لتعتذر لصديقك درويش عن تحميله عناء كتابة مرثية جديدة بإسمك وهو الذي طلب من أصدقاءه ان يتوقفوا عن الموت أو أن يعقدوا هدنة معه وأن يمنحوه سنة بلا رثاء(كثيرة هي مراثي درويش!) أسئلة كثيرة لن تجيب عليها لأنك اختفيت دون أن تودعنا وسموا اختفاءك موتاً أو اغتيالاً أو هجرة, لا تهم التسميات المهم أنك عشت موتك بإتقان و بقينا نحن نمارس حياتنا الطبيعية ولم يقتلنا اختفاؤك لأن الموتي لا يُقتلون ولأن موتك لم يكن عادياً بل كان شاسعاً بحجم الأفق وغطي السماء بالعار فإن جراحك حية ونابضة في جسم الوطن ترفض أن تتحول لندب منسية ولأنك حبة القمح التي ماتت لكي تخضر ثانية ففي موتك حياة فنم يا حبيبي نومك اللاسرمدي, نم يا حبيبي ساعة وأخبرنا متي ستستيقظ من نومك كي يرضي الصباح بالشروق فكلنا موتي وأنت آ خر الأحياء والسلام عليك يوم استشهدت ويوم تبعث حيا.
هشام عمار.كوبنهاجن

التعليقات