على الطريق الديبلوماسي نحو الأمم المتحدة

على الطريق الديبلوماسي نحو الأمم المتحدة
بقلم:آصف قزموز

ما زالت معركة الديبلوماسية الفلسطينية تحتدم مستعرةً وعلى أشدها، وربان الديبلوماسية الفلسطيني وقادة المركب ينطلقون اليوم بثقة أكثر وأوضح من أي وقت مضى نحو الأمم المتحدة ومجلس الأمن. لكن يخطيء من يعتقد بأن حسم خيار هذا التوجه على هذا النحو القطعي قد جاء وليد لحظته، وإنما شكل جهداً تراكمياً مثابراً وتكتيكاً دقيقاً دفعت به الأحداث وبنا لنعتليه في هذه اللحظة التاريخية من نضال شعبنا الفلسطيني وفي مختلف المراحل المنصرمة. فكان لكل مرحلةٍ ظروفها وسماتها ومكوناتها التي لم تكن لتؤهلنا لهذه الخطوة إلاَّ عبر هذا الانسياب التراكمي في النضوج نحو الفكرة واتخاذ الموقف.
ولعمري إن منطق التاريخ وقوانين التطور يؤكدان دون أدنى شك، أنه ما كان لمرحلةٍ من المراحل أن تسبق الأخرى في نتائجها ومحصلاتها ومراسيها ومآلاتها، وهذا لا يعني بحال من الأحوال أنني أبرر التأخر أو البطوء الذي اعترانا في أكثر من مرة ومرحلة في حسم الكثير من المواقف أو اتخاذ الخطوات الجريئة في وقتها الواجب، وعندما أقول جريئة فهذا يعني عملياً الثقة بالذات في استشراف المستقبل والنضوج المبكر لاتخاذ المواقف المتقدمة. ولعلني لا أجافي الحق ولا الحقيقة حين أعود بالذاكرة في مصداق رؤيتي وقولي، بأنه ما كان للرئيس الشهيد أبو عمار أن يتخذ ذلك الموقف التاريخي في الذهاب نحو أوسلو بهذه الجرأة والمخاطرة لولا نضوج الظروف والمبررات، لا بل وتعبيد الطريق اللازم للوصول لتلك الغاية المقصودة من قبلنا، ولربما لو أقدم الرئيس على تلك الخطوة والمخاطرة في زمن أسبق لقتل وقتلنا وإياها في المهد. فأي أوسلو الذي كنا سندخله والبندقية المشرعة على أكتافنا بلبنان، ما يجعل من عملية إخراجنا من لبنان ووضع حدٍّ لها وحتى إزاحة قوة العراق ورئيسها من وجه العرب، هي الاستحقاقات والمقدمات المُسَهِّلة لولوجنا وغيرنا من العرب في مشروع السلام الاستراتيجي لعموم المنطقة. وحتى الاتحاد السوفييتي الآفل، صحيح أنه أهدر أكثر من سبعين عاماً في خيار الاشتراكية ليعود ليختار اقتصاد السوق الذي حاربه فكرياً وسياسيا وأيدولوجياً طوال تلك السنين، وكأن الطريق الى الرأسمالية كانت تحتاج لهدر كل هذه السنين لبلوغها، لكن لا أحد يعلم ماذا كان يمكن أن تكون عليه صورة خارطة العالم لو أن الاتحاد السوفييتي قد اختار الطريق الرأسمالي منذ البداية ؟! لكن في مطلق الأحوال هناك مغامرة، إلاَّ أن ذلك لا يمكن أن يعني أن عليك أن تختار وتحدد بجرأة ودقة ماذا تريد وإلى أين تسير.نعم يا سادتي ما زلت أعتقد جازماً بأن لا بديل على الإطلاق لخيار السلام العادل والمتوازن برغم كل المثبطات والمعيقات، الذي هو الأحصن للفَرْج وحقن الدماء والأرواح وحفظ الحقوق وسلامة الناس، وذلك انتصاراً للحياة على الموت وضد الحرب وتجار الحروب وصناع الموتين الرحيم والرجيم والمنشأ واحد لكلا الموتين.
نعم، يجب أن نحب الحياة لأجل الإنسان الإنسان الذي نحن منه، ومن يحبون الموت باسم الدين هم في الحقيقة لا يرضون الله ولا رسوله ولن يفوزوا بدنيا ولا دين، وقتالهم حق مشروع مشفوع بجميع الديانات والقوانين السماوية والوضعية، على أن لا يكون هذا في إطار أجندات غير عادلة ولا متوازنة تنقلنا من سيءٍ نحو الأسوأ. وبالتالي يجب أن يظل السلام ديدننا الذي لا ينقطع، وأملنا المرجو والموصول على الدوام مهما حاول أعداءه وأعداء الحياة تدميره وإفشاله، وإبقاء دوامة القتل والحروب تدور رحاها على جثث الضحايا المدنيين الأبرياءْ، بأيدي المجرمين والأغبياءْ، ومن حساب الفقراء للأغنياءْ. فمثلما نقول:" لكل زمانٍ دولةُ ورجال"، يمكن أن نقول اليوم بأن مراحل النضال الفلسطيني، اتسمت فيها كل مرحلةٍ على حدة بذات السمة والمقولة، إذ لها ظروفها ومواصفاتها ورجالها كذلك، هكذا هي السياسة وهكذا يجب أن تكون المسؤولية بجل محدداتها الواقعية ومواصفاتها ومآلاتها ومراسيها المنتظرة، بعيداً عن الأحلام الوردية والتمنيات وإيثارها على الحقيقة والواقع، الذي هو من يحسم في النهاية الاتجاه الصح من الخطأ، بعيداً كل البعد عن رغبات من تشجيهم فقط المواقف والشعارات العالية الرفيعة والكلمات الرنانة.ففلسطين حسمت خيارها، وها هي تتقدم لمجلس الأمن الدولي بصيغة قرارٍ تدعو إسرائيل إلى انسحاب كامل حتى عام 2016 ، وهو ما تمنيته وتوقعته منذ زمن، لكن مجيئه اليوم يأتي بولادة طبيعية وظروف أعتقد أنها أصبحت أكثر نضوجاً وجهوزية من أي وقتٍ مضى، فالموقف أوالكلمة في وقتها ومكانها قنطار إذا مش أكثر.
ثمة حقائق هي ثوابت يجب أن لا تُغفل ولا تُنسى، فالسياسة عندما تدخل سوق الأجندات وتتحول لسلعة تفقد وطنيتها، والمواقف عندما تصبح ضرورة ملحة برغم تعقيداتها تكون وطنية بذاتها ولذاتها الكلية العامة. نحن نرى كامل الصورة فالسلام بين والخراب بين، ومن حق القيادة وواجبها أن تختار الطريق السليم الذي ينقلنا وقضيتنا لبر الأمان، بعيداً عن أصحاب الهوبرات السياسية والمزايدون الذي يطلقون الكلام في العالي ويخونون ويكفرون ويقتلون الناس والنفس التي حرم الله إلا بالحق وفقاً لأجنداتهم وحساباتهم الضيقة لا ابتغاء لمرضات الله لأن الله من أمثال هؤلاء القتلة براء.
إنها دعوة لكل العقلاء وأصحاب الضمائر الحية وصناع القرار، أن ينتقلوا بنا من مربعات البحث عن أسباب للقتل وإشعال الحروب، إلى مربع البحث عن أسباب للحياة والرفاه والسلم الاجتماعي لكل الشعوب.
[email protected]

التعليقات